باب الميم - محمد بن أحمد بن سهل

محمد بن أحمد بن سهل

يعرف بابن بشران وبشران جده لأمه، ويعرف بابن الخالة أيضاً، ويكنى أبا غالب من أهل واسط، أحد الأئمة المعروفين والعلماء المشهورين، تجمع فيه أشتات العلوم، وقرن بين الرواية والدراية والفهم وشدة العناية، صاحب نحو ولغة وحديث وأخبار ودين وصلاح، وإليه كانت الرحلة في زمانه، وهو عين وقته وأوانه، وكان مع ذلك ثقة ضابطاً محرراً حافظاً إلا أنه كان محدوداً، أخذ العلم عن خلق لا يحصون: منهم أبو الحسين علي بن محمد بن عبد الرحمن بن دينار الكاتب صاحب أبي علي الفارسي.

وحدث أبو عبد الله الحميدي قال: كتب إلى أبو الحسن علي بن محمد بن محمد الجلابي الواسطي صديقنا من واسط: أن أبا غلاب بن بشران النحوي مات بواسط في خامس عشر رجب سنة اثنتين وستين وأربعمائة، ومولده سنة ثمانين وثلاثمائة. قال الجلابي: ودخلت إلية قبل موته وجاءه من أخبره أن القاضي وجماعة معه قد ختموا على كتبه حراسة لها وخوفاً عليها فقال:

لئن كان الزمان على أنـحـى

 

بأحداث غصصت لها بريقي

فقد أسـدى إلـى يداً بـأنـي

 

عرفت بها عدوي من صديقي

قال: وهذا آخر ما قاله من الشعر. قال الحميدي: وما أظن البيتين إلا لغيره. قال: وأنشدنا وقد انقطع الناس عن عيادته والدخول إليه:

مالي أرى الأبصار بي جافيه

 

لم تلتفت مني إلى ناحـية؟

لا ينظر الناس إلى الميت لا

 

وإنما الناس مع العـافـية

وله حظ وافر من الشعر في قوله وعلمه، فمن شعره:

لولا تعرض ذكر من سكن الغضـا

 

ما كان قلبي للضنى متـعـرضـا

لكن جفا جفني الكرى بجـفـائهـم

 

وحشا حشاي فراقهم جمر الغضـا

ولو أن ما بي بالرياح لمـا جـرت

 

والبرق لو يمنى به مـا أومـضـا

يا راكباً يطوي الـدجـنة عـيسـه

 

فتريه رضراض الحصا مترضرضا

بلغ رعاك الله سـكـان الـغـضـا

 

عني التحية إن عرضت معـرضـا

وقل انقضي عصر الشبـاب وودنـا

 

باق على مر الليالي ما انقـضـى

إن كان قد حكم الزمان ببـعـدكـم

 

أبداً فتسليماً لما حـكـم الـقـضـا

ونضا الشباب قنـاعـه لـمـا رأى

 

سيف المشيب على المفارق منتضى

قد كنت ألقى الدهر أبيض نـاضـراً

 

فاسود لما صار رأسـي أبـيضـا

لولا اعترافي بـالـزمـان وريبـه

 

ما كنت ممن يرتضي غير الرضـا

وله:

لا تغترر بهوى الملاح فربما

 

ظهرت خلائق للملاح قباح

وكذا السيوف يرون حسن صقالها

 

وبحدها تتـخـطـف الأرواح

وله:

هوى النفس سكر والسـلـو إفـاقـه

 

ولن يستبين الرشد ذو الرشد أو يصحو

فدع نصح من أعماه عن رشده الهوى

 

فإن سواء عنده الغـش والـنـصـح

وله:

ولما أثاروا العيس للـبـين بـينـت

 

غرامي لمن حولي دموع وأنـفـاس

فقلت لهم لا بأس بي فتـعـجـبـوا

 

وقالوا الذي أبـديتـه كـلـه بـاس

تعوض بأنس الصبر من وحشة الأسى

 

فقد فارق الأحباب من قبلك النـاس

وله:

توهمه قلبي فأوحى ضـمـيره

 

قبولاً فأحكمنا الهوى بالسـرائر

فلما التقينا شبت الحرب بينـنـا

 

على السلم منا مقلتاه وناظـري

جرحت بلحظي وجنتيه فأقصدت

 

لواحظه قلبي بأسنـهـم ثـائر

وله:

سقى الله ليلاً بت فـيه مـغـازلاً

 

غزالاً حكى لي وجهه طلعة البدر

أصبت به غرة الـدهـر فـرصة

 

فبادرتها علماً بعاقـبة الـدهـر

وله:

أفدى الذي عارضا خـديه لـم يدعـا

 

إذ أعرضا جوهراً مني ولا عرضـا

ولم يزل ممرضي تمريض مقلـتـه

 

حتى ثناني على فرش الضنى حرضا

قال الوشاة إلى كم ذا الـغـرام بـه؟

 

فقلت حتى أرى من حسنه عوضـا

قالوا فقد كنت ذا صبر تـعـوذ بـه

 

فقلت شرده عني الهوى فمـضـى

وله:

إن قدم الحظ قوماً ما لهم قـدم

 

في فضل علم ولا حزم ولا جلد

فهكذا الفلك العلوي أنـجـمـه

 

تقدم الثور فيها رتـبة الأسـد

وله:

لما بدا يفتن الألبـاب رؤيتـه

 

أبديت من حبه ما كنت أخفيه

وبان عذري لعذالي فكلـهـم

 

إلى متعذر من عذلـه فـيه

لكن سكرت براح من لواحظه

 

فما أفقت بغير الراح من فيه

قال: وقد سئل ابن بشران إجازة هذا البيت:

ليس يخفى عليك وجدي عليكا

 

واشتكائي شوقي إليك إليكـا

فقال:

ونزول المشيب قبل أوان الشي

 

ب في عارضي من عارضيكا

وحياتي لديك في قبضة الأسـد

 

فكن حافظاً حياتـي لـديكـا

وعليك اعتمدت في حفظ عهدي

 

فارع لي حرمة اعتمادي عليكا

ناظري ناظـر إلـى جـنـت

 

ك وقلبي في النار من ناظريكا

نقلت من خط خميس الحوزي قال: قال قاضي القضاة أبو الفرج محمد بن عبيد الله بن الحسن قاضي البصرة قال: اجتمعت مع أبي غالب بن بشران في جمادى الأولى سنة ستين وأربعمائة بواسط فسألته أولاً عن سبب تجنبه الانتساب إلى ابن بشران وهو به مشهور فقال: هو جدي لأمي، وهو ابن عم بشران المحدث الذي كان ببغداد، فسألته عن مولده فقال: مولدي في سنة ثمانين وثلاثمائة. قال الحافظ أبو طاهر أحمد بن محمد بن سلفة: وسألته يعني خمسين بن علي الحوزي أبا الكرم عن أبي غالب النحوي فقال: هو محمد ابن أحمد بن سهل يعرف بابن الخالة أصله من نهر سابس ينسب إلى خاله ابن بشران وكان أحد الأعيان، قدم واسط فجالس ابن الجلاب وابن دينار وتخصص بابن كروان، وقرأ عليه كتاب سيبويه ولازم حلقة أبي إسحاق الرفاعي صاحب السيرافي وكان يقول: قرأت عليه من أشعار العرب ألف ديوان، وكان مكثراً حسن المحاضرة مليح العارضة إلا أنه لم ينتفع به أحد بواسط ولن يبرع به أحد في الأدب وكان جيد الشعر مع ذلك، رأينا في كتبه بعده خطوط أشياخ عدة بكتب كثيرة في الأدب وغيره إلا أنه كان معتزلياً وشهد عند إسماعيل قاضي واسط في آخر شوطه وذكر وفاته كما تقدم. ومن شعره في أمرد التحي:

قالوا التحي من قد براك صدوده

 

وعما قليل سوف عنك يفـرج

فقلت لهم: إني تعشقـت روضة

 

بها نرجس غض وورد مضرج

وقد زاد فيها بعد ذاك بنفـسـج

 

أأتركها إذ زاد فيها بنفـسـج؟

وله

طلبت صديقاً في البرية كلـهـا

 

فأعيا طلابي أن أصيب صديقـا

بلى من تسمى بالصديق مجـازة

 

ولم يك في حفظ الوداد صدوقا

وطلقت ود العالمـين صـريمة

 

وأصبحت من أسر الحفاظ طليقا

ومن مستحسن قوله في الشيب:

وقائله إذ راعها شيب مـفـرقـي

 

وفودي ما هذا جعلت لك الفـدا؟

تراه الذي خبرت قـدمـاً بـأنـه

 

يصير أهل الود في صورة العدا؟

لقد راعني حتى تـخـلـيت أنـه

 

وحاشاك مما قلته حـادث الـردى

فقلت لها بل روضة غاض ماؤهـا

 

ونبت أنيق حال إذ بلـغ الـمـدى

وإن عشت لا قيت الذي قد لقـيتـه

 

وأيقنت أني لم أكـن فـيه أوحـدا

وكل امرئ إن عاش للشيب عرضة

 

وإن عف عنه اليوم جاز به غـدا

قال: وكان لابن بشران كتب حسنة كثيرة وقفها على مشهد أبي بكر الصديق فذهبت على طول المدى. وسئل ابن بشران عن مقدمة العسكر ومقدمة الكتاب فقال: أما مقدمة العسكر فلا خلاف فيه أنه بكسر الدال، وأما مقدمة الكتاب فيحتمل الوجهين، والوجه حمله على مقدمة العسكر.
وله:

قل للوزير الذي ما في وزارتـه

 

لمن يلوذ بـه ظـل ولا شـرف

حتام ويلي أنا وقف علـيك ولـي

 

إلى سواك من الأمجاد منصرف؟

كأنني فرس الشطرنج لـيس لـه

 

في ظل صاحبه ماء ولا علـف