باب الميم - محمد بن عمر بن عبد العزيز

محمد بن عمر بن عبد العزيز

ابن إبراهيم بن عيسى بن مزاحم المعروف بابن القوطية الإشبيلي الأصل القرطبي أبو بكر اللغوي النحوي الأديب الشاعر، كان أعلم أهل زمانه باللغة والعربية إماماً مقدماً فيهما، وأروى أهل عصره للأشعار والأخبار لا يشق في ذلك غباره، ولا يلحق شأوه، وكان مع ذلك فقيهاً متمكناً حافظاً للحديث والآثار، غير أنه لم يكن له في ذلك أصول يرجع إليها فلم يكن ضابطاً للرواية، وكان ما يسمع منه من ذلك إنما يحمل على المعنى دون اللفظ، وكان كثيراً ما يقرأ عليه ما لا رواية له على سبيل الضبط والتصحيح، وكان مضطلعاً بأخبار الأندلس رواية لسير ملوكها وأمرائها وعلمائها وشعرائها، حافظاً لأخبارهم يملي ذلك عن ظهر قلبه، وكان أكثر ما يؤخذ عنه ويقرأ عليه كتب اللغة.

ولما دخل أبو علي القالي الأندلس اجتمع به، وكان يبالغ في تقديمه وتعظيمه حتى قال له الخليفة المستنصر الحكم بن عبد الرحمن: من أنبل من رأيته ببلدنا في اللغة؟ فقال: أبو بكر ابن القوطية، ومما كان يزيد علمه وفضله اتصافه بالزهد والتقوى والنسك، وكان في أول أمره ينظم الشعر بالغاً فيه حد الإجادة مع الإحسان في المطالع والمقاطع وتخير الألفاظ الرشيقة والمعاني الشريفة، ثم ترك ذلك وأقبل على النسك والانفراد.

قال الثعالبي: أخبرني أبو سعيد بن دوست قال: أخبرني الوليد بن بكر الفقيه: أن أبا بكر يحيى بن هذيل الشاعر زار يوماً ابن القوطية في ضيعة له بسفح جبل قرطبة وكان منفرداً فيه عن الناس فألفاه خارجاً منها فلما رآه ابن القوطية استبشر به. فبادره يحيى بن هذيل ببيت حضرة على البديهة فقال:

من أين أقبلت يا من لا شبيه له

 

ومن هو الشمس والدنيا له فلك

فتبسم وأجابه مسرعاً بقوله:

من منزل يعجب النساك خلوته

 

وفيه ستر على الفتاك إن فتكوا

قال ابن هذيل: فما تمالكت أن قبلت يده إذ كان شيخي وأستاذي، وكان الشعر أقل صنائعه لكثرة علومه وغرائبه. سمع أبو بكر ابن القوطية من قاسم بن أصبغ وابن الأغبش وأبي الوليد الأعرج ومحمد بن عبد الوهاب ابن مغيث، وسمع بقرطبة من طاهر بن عبد العزيز، وسمع بإشبيلية من محمد بن عبد الله بن الفرق وسعيد بن جابر وحسن ابن عبد الله الزبيدي وغيرهم، ولقي أكثر مشايخ عصره بالأندلس فأخذ عنهم وأكثر النقل من فوائدهم، وروى عنه الشيوخ والكهول وطال عمره، فسمع الناس منه طبقة بعد طبقة، ومن تصانيفه: كتاب تصاريف الأفعال وهو أول مصنف في ذلك، ثم تبعه ابن القطام السعدي فوضع كتابه على منواله، كتاب المقصور والممدود جمع فيه فأوعى فأعجز من بعده عن أن يأتوا بمثله، وفاق به من تقدمه، وله شرح أدب الكتاب، وتاريخ الأندلس وغير ذلك.

مات ابن القوطية يوم الثلاثاء لسبع بقين من ربيع الأول سنة سبع وستين وثلاثمائة بمدينة قرطبة، ودفن يوم الأربعاء وقت صلاة العصر بمقبرة قريش، والقوطية نسبة إلى القوط، وهم ينسبون إلى قوط بن حام بن نوح، كانوا بالأندلس من أيام إبراهيم عليه السلام، ومن شعر أبي بكر بن القوطية:

ضحى أناخوا بوادي الكلح عيسهـم

 

فأوردوهـا عـشــاء أي إيراد

أكرم به وادياً حل الحـبـيب بـه

 

ما بين رند وخابـور وفـرصـاد

يا وادياً سار عنه الركب مرتحـلاً

 

بالله قل أين سار الركب يا وادي؟

أبالغضا نزلوا أم للـوى عـدلـوا

 

أم عنك قد رحلوا خلفاً لميعـادي؟

بانوا وقد أورثوا جسمي الضنا وكأن

 

كان النوى لهم أولى بـمـرصـاد

وقال:

ضحك الثرى وبدا لك استبشاره

 

واخضر شاربه وطر عـذاره

 

ورنت حدائقه وآزر نـبـتـه

 

وتبسمت أنـواره وثـمـاره

واهتز قد الغصن لما أن كسى

 

ورقاً كديبـاج يروق وإزاره

وتعممت صلع الربى بنيانهـا

 

وترنمت في لحنها أطـياره