باب الميم - المفضل بن محمد بن يعلى

المفضل بن محمد بن يعلى

أبو عبد الرحمن الضبي، الراوية الأديب النحوي اللغوي، كان من أكابر علماء الكوفة، عالماً بالأخبار والشعر والعربية. أخذ عنه أبو عبد الله بن الأعرابي، وأبو زيد الأنصاري، وخلف الأحمر وغيرهم وكان ثقة ثبتا. قال ابن الأعرابي: سمعت المفضل الضبي يقول: قد سلط على الشعر من حماد الراوية ما أفسده فلا يصلح أبداً، فقيل له وكيف ذلك؟ أيخطئ في روايته أو يلحن؟ قال: ليته كان كذلك، فإن أهل العلم يردون من أخطأ إلى الصواب، ولكنه رجل عالم بلغات العرب وأشعارها ومذاهب الشعراء ومعانيهم، فلا يزال يقول الشعر يشبه به مذهب رجل ويدخله في شعره، ويحمل ذلك عنه في الآفاق فتختلط أشعار القدماء ولا يتميز الصحيح منها إلا عند عالم ناقد، وأين ذلك؟. وعن إبراهيم ابن المهدي قال: حدثني السعيدي الراوية وأبو إياد المؤدب قالا: كنا في دار أمير المؤمنين المهدي بعيسا باذ، وقد اجتمع فيها عدة من الرواة والعلماء بأيام العرب وآدابها وأشعارها ولغاتها إذ خرج بعض أصحاب الحاجب فدعا المفضل الضبي الراوية، فدخل فمكث مليا ثم خرج إلينا ومعه حماد والمفضل جميعاً، وقد بان في وجه حماد الانكسار والغم، وفي وجه المفضل السرور والنشاط، ثم خرج حسين الخادم فقال: يا معشر من حضر من أهل العلم، إن أمير المؤمنين يعلمكم أنه قد وصل حماد الشاعر بعشرين ألف درهم لجودة شعره، وأبطل روايته لزيادته في أشعار الناس ما ليس منها، ووصل المفضل بخمسين ألفاً لصدقه وصحة روايته، فمن أراد أن يسمع شعراً جيداً محدثاً فليسمع من حماد، ومن أراد رواية صحيحة فليأخذها عن المفضل. فسألنا عن السبب فأخبرنا أن المهدي قال للمفضل لما دعا به وحده: إني رأيت زهير أبي سلمى افتتح قصيدته بان قال:

دع ذا وعد القول في هرم

ولم يتقدم له قبل ذلك قول، فما أمر نفسه بتركه؟ فقال له المفضل: ما سمعت يا أمير المؤمنين في هذا شيئاً إلا أني توهمته، كان يفكر في قول يقوله أو يروى في أن يقول شعراً، فعدل عنه إلى مدح هرم وقال: دع ذا، أو كان مفكراً في شيء من شأنه فتركه وقال: دع ذا فأمسك المهدي عنه، ثم دعا بحماد فسأل ه عن مثل ما سأل عنه المفضل فقال: ليس هكذا قال زهير ياأميرالمؤمنين، قال فكيف قال؟ فأنشد:

لمن الديار بقـنة الـحـجـر

 

أقوين مذ حجج ومـذ دهـر

قفر بمندفع النـجـائب مـن

 

ضفوى أولات الضال والسدر

دع ذا وعد القول فـي هـرم

 

خير البداة وسيد الحـضـر

قال فاطرق المهدي ساعة ثم أقبل على حماد فقال له: قد بلغ أمير المؤمنين عنك خبر لابد من استحلافك عليه، ثم استحلفه بأيمان البيعة وكل يمين محرجة ليصدقن عن كل ما يسأله عنه، فحلف له بما توثق منه، فقال له: أصدقني عن حال هذه الأبيات ومن أضافها إلى زهير؟ فأقر له حينئذ أنه قائلها، فأمر له وللمفضل بما أمر به من صلة وشهرة أمرهما وكشفه. وللمفضل من التصانيف: كتاب الاختيارات، كتاب معاني الشعر، كتاب الأمثال، كتاب الألفاظ، كتاب العروض، المفضليات وهي أشعار مختارة جمعها للمهدي وفي بعض نسخها زيادة ونقص، وأصحها التي رواها عنه أبو عبد الله بن الأعرابي.