الجزء الثاني: من السنة 1870 إلى 1900 - الفصل الثاني: الآداب العربية من السنة 1880 إلى ختام القرن التاسع عشر - أدباء الإسلام في ختام القرن التاسع عشر

أدباء الإسلام في ختام القرن التاسع عشر

أدباء الشام

كان التقدم بين المسلمين في رفع لواء الآداب في ختام القرن التاسع عشر لأهل الشام فقد أشتهر بينهم بعض الأفراد اللذين لا يزال أسمهم إلى يومنا شريفاً مكرماً فنذكرهم إقراراً بفضلهم.

الشيخ يوسف الأسير

ولد الشيخ يوسف ابن السيد عبد القادر الحسيني الأسير في صيداء سنة 1230 (1815) فتلقى في وطنه مبادئ العلوم العقلية والنقلية عن علماء الأزهر. وبعد سبع سنين عاد إلى الشام وسكن في كثير من مدنها يتعاطى العلوم الفقهية وتولى في الأستانة رئاسة التصحيح في دائرة نظارة المعارف لكنه آثر العود إلى وطنه وتفرغ للتأليف في الفرائض والأبحاث الفقهية وخرج في الفقه كثيرين من الأحداث وعلم مجدة في مدرسة الحكمة وكان زكي الفؤاد فصيح اللسان يجيد النثر والنظم ومن آثاره الأدبية التي خلفها شرح أطواق الذهب للزمخشري وكانت وفاته سنة 1307 2 كانون الأول 1889 وللشيخ يوسف الأسير موشحات وقصائد متفرقة وأبيات حكمية جمعها في ديوانه الروض الأريض الذي في بيروت سنة 1306. ومن حسن أقواله ما وصف به الشعر الجيد وناظمه.

خليليَّ كم قد جدَّ في الناس شاعرُ

 

وليس لهُ بيتٌ من الشعر عامرُ

وأحسنُ شعر ما نراهُ مـهـذَّبـاً

 

بليغاً بهِ يلتذُّ بـاد وحـاضـرُ

بهِ تطرب الأسماع من كل مُنشدٍ

 

وتجري بهِ الأمثالُ وهي سوائرُ

ولم ير غبناً من شراهُ بـمـالـهِ

 

وفيهِ بلا شكُ تُسرُّ الـسـرائرُ

وله في وصف له بعد أن فاز بالدستور بعد مذابح سنة 1860:

ترى لبنان أهـلاً الـتـهـانـي

 

فقد نال الأمان مـع الأمـانـي

وأضحى جـنةً مـن حـلَّ فـيهِ

 

قريرَ العين مسرور الجـنـانِ

وجـدّت الـعـلـوم بـهِ دروسٌ

 

وكانت في الدروس وفي التواني

وللأخبار قـد وُجـدت سـلـوك

 

كذاك طبع ذي الصحف الحسان

ومَن ورَدَ الشريعة فـيهِ يصـدرْ

 

بحـقّ كـامـلَ فـي ذا الأوانِ

وذاك بهمّة الشهم الـمـسـمّـى

 

بداودِ سـلـيمـان الـرمــان

عظيم الشأن ذو همة العـوالـي

 

وذي الرأي المصيب بكل شـأنِ

سديد الحزم ممدوح المـعـالـي

 

شديد العزم محمود المعـانـي

ومن مدحه قوله في أسرة بني العطار في دمشق:

يا بني العطَّار يا عطـرَ دَمـشـقٍ

 

قد ملكتم بمزيد اللـطـف رّقـي

فاحَ في الكـون شـذاكـم فـائقـاً

 

طيبَ ورْد الروض في نشر ونشق

أسَماء المـجـد سـامٍ فـرعُـكـم

 

ولكم أصل نما من خـير عـرقٍ

طفْلُكم نـجـمٌ وبـدرٌ كـهـلـكـم

 

ثم أن الشيخ منكم شـمـسُ أُفـق

يا بدور الـشـام يا أهـل الـعـلا

 

ضوءكم لاح بغـرب وبـشـرقِ

سدتُم الـنـاس بـعـلـم وتُـقـىً

 

وبمعـروف وإحـسـان ورفـقِِ

فإذا رام مـجـاراةً لـــكـــم

 

ذو اعتلاءِ فلكم أَقصـاب سـبـق

حبَّذا الأسرة أنـتـم فـي الـورى

 

يا سَراةً أحـرزوا كـل تـرّقـي

أنا لا أبرح أشـدو بـنـاسـمـكـم

 

حاكياً في ورَقـي تـغـريد وُرْقِ

زادكـم ربـي عـلـومـاً وهُـدى

 

مع رغيد العيش في أوسع رزقي

وأفتتح رثاء شريفٍ بقوله:

إنما موقتي كإطـلاق أَسْـري

 

حيث أي لرحمة الله اسـري

إنَّ أكدار هـذه الـدار يتـلـو

 

بعضُها البَعْضَ كأمواج بحـرِ

ألفَت أنفسُ الـبـرَّية أجـسـا

 

ماً ودنيا قد فارقتها بـحَـبْـرِ

همُ فيها مثل الأجـنّة فـي الأر

 

حامِ يُستخرجون منها بقَسْـرِ

وهي كالفُلْك قد أُعدَّ لـنـقـلِ

 

أو هي الجسر قد أُعدَّ لعَبـرِ

أنس الغافلون فيهـا وأُنـسـوا

 

إنها لا تـكـون دارَ مـقِـرّ

لو درى الغافلون فيهـا بـقـاءَ

 

أيقنوا أنهم بأعظـم خـسـرٍ

هي دار السلام ما تشتهي الأنف

 

سُ فيها من كل خـير وبـرٍّ

لا يَملُّ الإنسانُ فيها مـقـامـاً

 

إذ تخلَّت من كل شرٍّ وضـرّ

وللشيخ يوسف مراسلات نثرية وشعرية مع أدباء زمانه تجدها في تآليفهم كالشيخ إبراهيم الأحدب وأحمد أفندي الشدياق. وقد مدحه الشيخ ناصيف بقصيدة يقول فيها.

أسيرَ الحقّ في ُحكْـمٍ تـسـاوى

 

فما يُدرَي الحبيبُ من البغـيضِ

يقلبُ في المسائل كـلّ طَـرْفِ

 

ويَلقي الناسَ بالطَرْفِ الغضيضِ

إمام الشعر يبتـدع الـقـوافـي

 

ويأمن من دونّها حَوْل القَريضِ

يقلّ لهُ الـثـنـاء ولـو أخـذنـا

 

قوافَيهُ من الـروضِ الأريضِ

ولما توفي قال فيه الشعراء مراثي عديدة جمعها الشيخ قاسم الكستي في مجوع نشر بالطبع.

الشيخ إبراهيم الأحدب

كان مولده في طرابلس الشام سنة 1242 (1826) وطلب العلوم اللسانية والأدبية منذ نعومة أظافره فبرع فيها. ثم عكف على التدريس في طرابلس وبيروت فعد فيها من نوابغ عصره فتأب إليه الأدباء وأقبل عليه الأعيان والحكام وقلدوه المناصب الخطيرة كنيابة الأحكام ورئاسة الكتابة. ثم تعين كرئيس لكتاب محكمة بيروت فتعاطى شؤونها نيفاً وثلاثين سنة. وكان أحد أعضاء مجلس المعارف في الثغر فامتاز فيه بسعة آدابه وحسن ذوقه. وقد حرر مدة ثمرات الفنون فأودعها كثيراً من أثمار آدابه. وكانت وفاته في رجب في سنة 1308 (1891م). وقد أبلغ تآليفه الأدبية نحو العشرين نشر منها في مطبعتنا الكاثوليكية كشف المعاني والبيان عن رسائل بديع الزمان وكتاب فرائد اللآل في مجمع الأمثال الذي نظم فيها أمثال الميداني وقد أتقن طبعه فجاء كطرفة بين المطبوعات العصرية. وكان الشيخ إبراهيم الأحدب قريحة شعرية غريبة حتى أن مجموع أبيات قصائد يكاد يبلغ ثمانين ألف بيت. فله ثلاثة دواوين ومقامات جارى فيها العلامة الحريري عددها 80 مقالة وألّف عدة تآليف كروايات أدبية ومناظرات ورسائل ومجاميع حكمية ومقالات مسجعة وغير ذلك مما عدده نجلاه الأديبان في مقدمة مجمع الأمثال. ومن شعره ما قاله يمدح الأمير عبد القادر الجزائري:  

إني بمدح ابن محبي الدين ذو همـمٍ

 

غدا نظامي بها في أرفع الـدرج

وفي مآثر عبد الـقـادر أطَّـردت

 

أبياتُ شعري فراقت كلَّ مبتهـجِ

غوث الثريل وغيثٌ فيضُ نـائلـهِ

 

من الأناملُ يجري الدرَّ في خلُـجِ

شمس أنارت بلاد الشرق فابتهجـت

 

سورَّية بسناها الفـائق الـبَـهَـجِ

في الكون آثارهُ كالمك قد نفـحـت

 

إلاّ لمزكومِ طبعٍ عُدَّ في الهـمـجِ

لله غربُ حسامٍ منهُ قـد شُـهـدت

 

في الغربُ آثاره كالصبح في البلجِ

لا زلتَ تهدى لك الأمداح ما طَلعتْ

 

شمسٌ بنورك تغنينا عن السُّـرجِ

وقال في الرجز ناظماً بعض أمثال رويت لأبي بكر الصدّيق:

يقرنُ رّبي الوَعْد بالـوعـيد كـي

 

يضرْهَبَ عبدٌ راغبٌ في كل متي

ليست مع الـعـزا مـصـيبةٌ إلا

 

تَعزَّ يا سامي بـمـا قـد نـزلا

الـمـوتُ مـمَّـا قـبـلَـهُ أشـدُّ

 

مع أنَّـهُ أهـونُ مـمَّـا بَـعْـدُ

قد ذلَّ قـومٌ أَسْـنـدوا أْمـرَهـم

 

لاِمرأةٍ حيث جـنَـوا ضُـرَّهـمُ

إنَّ عـلـيك أبـداً عــيونـــاً

 

تراك ممن جـلَّ فـالْـزَم دينـا

ورِحـم الـلـه أمـرنـا أعـانـا

 

أخاهُ بالـنـفـس ومـا أهـانـا

والنفسَ أَصْلحْ يصْلح الناسُ لـكـا

 

وافعل جميلاً يَغدُ خيراً فعلـكـا

أبو الحسن الكستي

هو الشيخ أبو الحسن قاسم بن محمد الكستي أصله من بيروت وفيها اشتهر نحو أربعين سنة في النصف الثاني من القرن التاسع عشر كان مولده نحو السنة 1840 أخذ الآداب عن أئمة زمانه فلما رسخت فيها قدمه صار مرشداً لغيره وتعاطى التدريس مدة بين مواطنيه من أهل ملته. وقد مات الكستي في منتصف السنة 1909 لكنا أتبعناه بالشيخين السابقين إذ اشتهر معهما وجاراهما في الأدب ومعظم كتاباته في عهدهما. ومن آثار فضله ديوانان أحدهما ديوان مرآة الغريبة طبع على نفقة السيد سليم رمضان سنة 1279 (1880) افتتحه بقصيدة ابتهالية هذا أولها:

إليك رفعنا الأمر يا من لـهُ الأمـرُ

 

فمن فضلك الإحسان والنفعُ والضرُّ

تعطَّف وجُد بالخير يا خَير مـنـعـمٍ

 

على كَسْرنا يا من به يحصُل الجَبرُ

عليك اعتمادُ الخلـق فـي كـل أمةٍ

 

وبابك مقصودٌ به الفتحْ والنـصـرُ

فقلت لنا ادْعوني دعـونـاك ربـنـا

 

أجب سؤالنا بالـخـير يا ربُّ بـرُّ

والديوان ترجمان الأفكار طبع سنة 1299. ومن شعره ما مدح به سعيد باشا عزيز مصر لما قدم إلى بيروت:

عزيز مصرٍ سعيدْ الوقت ذو شرف

 

إلى علاهُ تناهى المجدُ والحسـبُ

يتيمةَ العقد أضحى في العُلى ولـذا

 

قد صاغ مدحّ علاهُ العُجّمُ والعربُ

إنَّا لنشهد مـنـهُ كـل مـكـرمةٍ

 

لها المحامدُ دون الناس تنتـسـبُ

عن وصفهِ ومـزاياهُ وأَنُـعـمـهِ

 

تقاصر الدرُّ والأزهارُ والسحُـبُ

مآثر العزّ في عـلـياه مـشـرقةٌ

 

كالشمس لكن سناه ليس يحتجـب

من معشر لهـم فـي كـل كـائنةٍ

 

ذكرٌ تولّد من أسبابـهِ الـطـرب

وقال في الحكم:

وعالم لا نَفْع في علمـه

 

ولم تكن أعمالهُ صالحَة

فهو بحُكم العقل بين الملا

 

كوردة ليس لها رائحة

وله مضمناً الشطر الأخير:

أيها الإنسانُ لا تَجْنَـحْ إلـى

 

طُرقاتِ الغيّ والزمْ ورعَكْ

وافْطمِ النفس عن الشرّ تجـدْ

 

كلَّ خيرٍ ترتجيهِ تَـبَـعـكْ

وبحال الفقر أو حال الغنـى

 

كُنْ مع الله ترَ الله مَـعَـكْ

وسمع يوماً شاكر بك يدق العود فاستفزه الطرب فقال بديهاً:

بشاكر هذا العصر طابت نفوسنا

 

وثغرُ ألهنا أمسى بهِ يتبـسـمُ

ترى كلّ عودٍ من جمادٍ وعودُهُ

 

يحسُّ وعن سرّ القلوبُ يترجمُ

وللشيخ القاسم الكستي عدة أراجيز طويلة حسنة منها أرجوزة تنيف على مائة بيت وصف فيها مكارم الأخلاق في النساء الصالحات. ومن أراجيزه الحكمة قوله:

لم يخلُ في الدنيا كريمٌ من أذى

 

ولو توارى في مغارات الخفا

ومن يظنُّ أنهُ يبـقـى بـهـا

 

وإنهُ منها يفوزُ بالـمُـنـى

وإن يكون ناجياً من ضـرّهـا

 

فقُل له أخطأتَ يا هذا الفتى

فتانةٌ تُضحكـنـا لـكـنّـهـا

 

تُخرج من أعيننا الضحك بكا

فلم نجد لعـفـوهـا سـبـبٍ

 

ولا لدائها سوى الصبـر دوا

ونظم أرجوزة فكاهية وصف فيها الملوخية على سبيل المداعبة:

سُبحانَ من أنبت في الوجـودِ

 

حشيشةَ كجوهرُ الـعُـقـودِ

وقد سقاها من غيوث الرحمةْ

 

فحملَتْ لكن ثمار الحـكـمةْ

هيَ الملوخَّية ذات الشـهـرةْ

 

ومَنْ بها المعسورُ يَلقى يُسرهْ

بحسنها كل النفوس ابتهـجـت

 

وأَلسن الناسِ بها قد لهجـتْ

كم هطلت من فوقها الغمـائمُ

 

وصُبغت بلونها الـعـمـائمُ

وكم مشى يأكلـهـا كـسـيحُ

 

وصحَ من ترياقهـا جـريحُ

خيوطها بيضاءُ كـالـلُّـجَـين

 

تظهر كالصبح لذي عينَـينِ

فاقت على الرّيحان بالـروائحِ

 

صالحةٌ لمـدح كـل مـادحِ

لو أنَّها قد نبَتـت فـي الـلـدّ

 

يشمُّها مَنْ في بلاد الهـنـد

يحرسها الناطورُ في البستـانِ

 

خوفاً عليها من يدٍ الـزمـانِ

بُخارها يصعـد بـالـهـبـاء

 

كمصعد البالون في الهـواء

كأنها قد نزلت من الـسـمـا

 

فأصبحَ الكونُ بها منسَّـمـا

وطعمُها يجلـبُ لـلإفـهـامِ

 

بسُكـرهِ حـلاوةَ الـمُـدامِ

ميَّاسةُ الأَعطاف في الـرياضِ

 

يأكلها كـلُّ شـريف راضِ

عنها سَلُوا مِصْرَ وتلك الخطَّةْ

 

فإنهم أدرى بهذه النـقـطة

إذ عندهم لها اعـتـبـارٌ زائدُ

 

وقِدرُها تسمو بهِ الـمـوائدُ

ترى عليها كثرة المـلاعـقِ

 

تُقرعُ بالأسنان كالصواعـقِ

إن مُلئت بها بطون القِـصَـعِ

 

تشرقها الأبصارُ قبل الَمبلـعِ

وترجَمتْ عنها فحولُ المغربِ

 

فملئوا بها بطون الـكـتـبِ

وخصّها بالذكـر أفـلاطـونُ

 

وقال منها يُصنعُ المعجـونُ

كانت للقمانَ الحكيم مـأكَـلا

 

وجوفهُ لها استقرَّ مـنـزلا

وكان يوصي سـائرَ الأطـبـا

 

بقراطُ أن يستعملوها شربـا

كذا ابن سينا قال في القانـونِ

 

لا تبخلوا بها على البطـونِ

وهي طويلة تفنن فيها الشاعر ما شاء ومن فكاهاته ما رثى به طائراً من نوع الكنار مات لأحد أصحابه فقال يعزيه:

يا صاحبي عُزّيتَ بـالـكـنـارِ

 

فإَّنهُ مـن أحـسـن الأطـيار

قد صدحَت بمدحِـه الأخـبـارُ

 

وحُـمـدتْ لـذاتـهِ الآثـارُ

ولم تقصّر في أداء مـا وجـبْ

 

من حقّه وقُمتَ بالذي طلـبْ

من أمّهِ كنتَ علـيهِ أَشـفـقـا

 

ومن أبيهِ يا رفيقـي أَرفـقـا

ما مات من جوع ولا من قلَّـهْ

 

لكن رمـاهُ ريشـهُ بـعـلَّـهْ

لا يُرتـجـي لـدائهِ شـفــاءُ

 

والموت إن حلَّ فمـا الـدواءُ

عليه لا تحزنْ وكن صَـبـورا

 

والتزمِ الشكرَ تكن مـأجـورا

لو كان يُفدى بالنفيس الغـالـي

 

فديتهُ من طارق الـلـيالـي

لكن إذا ما حادثُ الموتِ نـزلْ

 

لا ينفعُ الحزمُ ولا تُغْني الحَيلْ

عوَّضك الرحمن عنـهُ طـيراً

 

يكون بالتغريدِ مـنـهُ خـيرا

فما رأينا قبـلـهُ مـن طـائرٍ

 

يشنَف الأسماع بالـجـواهـرِ

يُغني عـن الـمُـدام والـنـديمِ

 

إذا شدا بصـوتـهِ الـرخـيمِ

أين الكَمنَجْا منهُ صوتاً إن شـدا

 

ورَّبما استُغنيَ عنهـا إن بـدا

فيا لـهُ مـن طـائرٍ صـدوحِ

 

يدعو إلى الغَبوق والصَبُـوح

ذو ذَنَبٍ فاقَ وللـهِ الـعـجـبْ

 

على اللُّجَين وهو بالحُسن ذهبْ

مزَّينٌ بالتـاج كـالـطـاووسِ

 

ملَّون الـرداء كـالـعـروسِ

للهِ حسـنُ ذلـك الـمـنـقـارِ

 

من ذهبٍ قد صيغَ لا من قارِ

قد كان في الدنيا من الـزهَّـاِد

 

ملازمَ الخـلـوة بـانـفـرادِ

وعاش محبوساً ولم يشكُ الضجرْ

 

حتى أبادهُ القضـاءُ والـقـدرْ

فإنّني أهدي إلـيهِ الـفـاتـحةْ

 

وإن يكن من الطيور الصادحةْ

عبد السلام الشطي

واشتهر في طرابلس الشام قبل هؤلاء بزمن قليل الشيخ عبد السلام بن عبد الرحمن المعروف بالشطي الدمشقي. وأصل أسرته من بغداد وولد هو بدمشق سنة 1256 (1840) ثم درس العلوم الدينية والفقهية على علماء الفيحاء وتعبد على الطريقة القادرية وكان صباً للآداب مشهوراً بفرط الذكاء وحسن النظم غلب على شعره اللطف والعذوبة. وله ديوان بهمة حفيده محمد جميل الشطي سنة 1324. وقد سافر المترجم إلى بلاد الروم مرتين ودخل القسطنطينية سنة 1293 ووجه عليه تدريس أدرنه وخصص له راتب سنوي من الصرة السلطانية. توفي فجأة في دمشق في 11 محرم سنة 1295 (منتصف كانون الثاني 1878). ومن شعره ما قاله في وصف بيروت وتهنئتها بسحب ماء نهر الكلب إليها:

بيروت أني في هواهـا أرغـبُ

 

من ثغرها البسَّامِ طابَ المشربُ

يا حسنها من بلدة قد خـصَّـهـا

 

ربُّ العباد بما يسـرُّ ويطـربُ

بين البـلاد بـديعةٌ فـكـأنـهـا

 

شمسٌ على أُفقِ العلى لا تغربُ

يا طالما قد زرُتها فوجـدتـهُـا

 

ظمآنةً من حرّها تـتـلـهَّـبُ

حيرانةً حار الطـبـيب بـدائهـا

 

ودواؤها قد عزَّ فيهِ المطلـبُ

تشكي وتبكي حسرةً وتـأسُّـفـاً

 

من فقدها ما تشتهيهِ وتطـلـبُ

من بعد ذاك أتيتُها فوجـدتُـهـا

 

تحتالُ من عُجْبٍ وذيلاً تسحـبُ

فسألتها عن حالها فتـبـسَّـمـت

 

وانهلَّ من فيها فـراتٌ أعـذبُ

فاستيقنَت نفسي ببرد حميمـهـا

 

فغدوتُ في نعمائها أتـغـلَّـبُ

وأتيت في هذا النظام مـهـنـئاً

 

إذ جاءَهم هذا الطهور الطّـيبُ

ورجوتُ من فضل الإله دوامـهُ

 

في كلّ حين دائماً لا يُسـلـبُ

وكتب رقعةً دعا بها بعض أصحاب الفضل من أصدقائِه:

يا سادةً فـي دُورهـم

 

تسللـت قـومٌ كـرامْ

وزَّينوا بجـمـعـهـم

 

ليل الشتا في كل عامْ

ومتَّعـوا بـقـربـهـم

 

صديقهم عبد السـلامْ

إذا أردتُّـــم إنـــهُ

 

يحظى بكم على الدوامْ

أعطوهُ منه مـوثـقـاً

 

بخطكم على الكـلامْ

في لـيلةٍ لـطـــيفةٍ

 

في دارهِ لكم تـقـامْ

ويرتجي من فضلـكـم

 

أرّخْ بهِ الدور ختـامْ

(1289) وقال مستغفراً عن ذنوب شبابه:

يا ربّ أنَّ العبد عبدٌ مذنـبٌ

 

وهو فقيرٌ ما لهُ عنك غِنى

قد قطف اللذَّات في شبابـهِ

 

بجهلهِ فاغفر لهُ ما قد جنى

محمد الميقاتي

وفي هذا الوقت عرف شاعر آخر فاضل وهو الشيخ محمد أفندي ابن عبد القادر اليقاني وكان طرابلسياً أديباً له النظم الرائق فجمع شعره بعد وفاته سنة 1302 (1884) الأديب عبد الحميد بن محمد حبلص أحد مواطنيه وطبعه في بيروت في المطبعة الأدبية سنة 1304 ودعاه ديوان حسن الصياغة لجوهر البلاغة. فمن قوله يعاتب الدهر:

الدهر شيمُتُهُ يبدي لنا الـعـجـبـا

 

فلا تكن من فِعال الدهر معتجبـا

ولا تثق ْبشرابٍ منهُ وقتٌ صـفـا

 

فيستحيلُ سراباً صَفْـوُه وهَـبَـا

ولا يغرَّك ما يولـيك مـن مَـنـحٍ

 

فغلبُها مِحَن تزكو بـهِ لَـهـبـا

إن يسمحِ الدهرُ يوماً يستـردُ غـداً

 

أو يُحسنِ الدهر يوماً بالأسى انقلبا

هيهاتُ يُجدي الفتى من دهرِ مهربُ

 

ولو سما فوقَ أفلاك السما هربـا

فالصبرُ أجملُ بالحرّ الكريم علـى

 

ما خصَّهُ قلمُ الأقدارِ أو كـتـبـا

ما لي وللدهر يرميني بـكـلـكـهِ

 

كأَّنني قـاتـلٌ أمّـاً لـهُ أو أبـا

ويلاهُ من زمني كم ذا يُقابـلـنـي

 

من جورهِ بالأسى ويلاهُ واحَربَـا

أهل البسيطة قد أثنت علـى أدبـي

 

وأذعنت لي بأنـي سَـيد الأُدبـا

ودأبُ قومي معاداتي ومنقصـتـي

 

ولا أرى ليَ ذنباً لا ولا سـبـبـا

لا ذنب لي غير أني فقُتهم شـرفـاً

 

وإنني فقُتهم بين الـورى رُنـبـا

ما ضرَّني لا أقال اللهُ عثرتَـهـم

 

لو أنَّهم قابلوا فضلي بما وجـبـا

وله مؤرخاً داراً بناها آل كتسفليس في طرابلس:

لكـمُ ألـهـنـــا يا آل كَْ

 

فْليس يا أهلَ الـمـآثـرْ

جدَّدتـمُ فـوق الـعـلـى

 

بيت المكارمِ والمفـاخـرْ

بيتٌ لـحـسـن بـنــائهِ

 

بدرُ المسرَّة فيهِ سـافـرْ

قد شـادَهُ اسـكـنـــدرٌ

 

مَنْ فَضْلُُ في الناس ظاهرُ

والسعدُ حول رِحابِـه

 

بالعزّ والإقبـال دائرْ

وفمُ السعادة قـد غـدا

 

أرّخ لهُ بالشكر فاغرْ

(1868) وقال مخمساً:

لمن أشتكي ضعفي وضنكي وشدَّتي

 

ومَن يَشْفِ أسقامي ويرحمْ لعبرتي

لجأتُ فما لي غيرَ ذلّ مقـالـتـي

 

إلهي بتقديس النفـوس الـزكّـية

وتجديدها من عالـم الـبـشـرَّية

 

 

وبالنور سرّ الكائناتِ ومن دنا

 

إليك مقاماً لن يُحيط بهـا سـنـا

وناديُتهُ هاأنـت حـبـي وهـاأنـا

 

أزِلْ عن فؤَادي ما ألاقي من العنا

فإني قليل الصبر عند الـبـلـيَّةِ

 

 

عبد الفتاح اللاذقي

ونبغ في اللاذقية في الوقت عينه شاعر متفنن أبو الحسن عبد الفتاح ابن مصطفى بن محمد المحمودي اللاذقي العطار كان مولده سنة 1258 (1842) ونظم الشعر في سبابه ثم جمعه في ديوان ودعاه (سفير الفؤاد) فطبعه في بيروت في مطبعة جمعية الفنون سنة 1297 (1880) وجعله أربعة أركان في المدائح والتوسلات ثم في امتداح السادات ثم في التهاني والمراثي وأخيراً في القدود والموشحات. فمن ذلك قوله مبتهلاً إلى الله عز وجل:

شكوتُك فاقـاتـي وأنـك تـعـلـمُ

 

بحالي ونارُ الفَقْر في القلب تُضرَمُ

وللخَلْق لا أشكو افتقاري وفاقـتـي

 

فمن يشكُ للمخلوق لا شـكَّ ينـدمُ

فجُدْ برزقٍ يملأ الـقـلـبَ عـفَّةً

 

فجودُك لي عزٌّ وكَنزٌ ومـغـنَـمُ

وإلاّ فصّبْرني على ما قسمتَ لـي

 

فأمرُك يا ربَّ الـبـرَّية مُـبـرَمُ

وكتب إلى نائب الحكمة فيض الله أفندي عن لسان شيخ كان خدم جبل الريحان وصلى في أهله فلم يعطوه حقه من الموسم:

أخا الأفضال فَيْضَ الله يا مـن

 

حوى المجد المؤَّثلَ واللطافهْ

فناقلُ شقَّـتـي هـذا فـقـيرٌ

 

وموصوفٌ بأنواع العفـافَـهْ

لقد صلّـى بـأقـوامٍ إمـامـاً

 

وفي محرابهم جعل اعتكافَهْ

وفي شهر الصيام فكم تعـنَّـى

 

وكم قد سار مع بُعد المسافَهْ

لقد جحدوا إمامـتَـهُ وجـادوا

 

لهُ بالهزل جدّاً والكـثـافـهْ

وما جـادوا لـهُ أبـداً بـبـئرٍ

 

ولا عملوا لهُ أبداً ضـيافـهْ

وقد حرموهُ من أكل المحاشي

 

ومن أكل القطائف والكنافـهْ

فهم قومٌ لقد مـكـروا بـهـذا

 

وليس لهم من المولى مخافهْ

وقد رُفَعتْ قضـيَّتـهُ إلـيكـم

 

وفي انتظاركم يرجو انتصافهْ

إنما الأفضال فانظُرْ أمر هـذا

 

فعينُ العدل لم تنظر خلافَـهْ

فهذا قد أضيف إلى عـلاكـم

 

وحاز الفخر في تلك الإضافهْ

ومن محاسن شعره قوله في مولود سنة 1279:

أهلاً بـهِ مـن قـادمٍ

 

في كلّ جاهٍ جاهـرُ

بشراك فـيهِ أيُّهـا ال

 

خلُّ الفخيمُ الفاخـرُ

فاهـنـأ بـهِ لأنــهُ

 

نعمَ الغلامُ الناضـرُ

بيت ألهنا والسعدُ فيه م

 

كلَّ عـامٍ عـامـرُ

والعزُّ فيهِ قـد نـمـا

 

والبشرُ فيهِ ظاهـرُ

والفخرُ نادى منشـداً

 

أرَخْ غلامٌ بـاهـرُ

(1279)

أحمد فارس الشدياق

كان مارونياً لبناني الأصل مولده في عشقوت سنة 1804 ثم انتقل إلى والديه إلى ساحل بيروت سنة 1809 فسكن الحدث ودرس مبادئ العلوم اللسانية في عين ورقة ثم قصد القطر المصري فأتقن فيه العربية وجعل يكتب في أول جريدة ظهرت هناك أي الوقائع المصرية وفي السنة 1834 دعاه المرسلون الأمير كان إلى مالطة وولوه إدارة مطبعتهم فتظاهر بالدين البروتستاني وخدم الرسالة الأميركية بنشاط وطبع في مالطة بعض مصنفاته وألف هناك كتابه الموسوم (بالواسطة في معرفة مالطة) ثم تجول مدة في أنحاء أوربة وخصوصاً في فرنسة وإنكلترا فأكرم أهل تلك البلاد مثواه وصنف حينئذٍ كتابه الفارياق الذي لم يرع فيه جانب الأدب وشفعه بكتاب آخر أجدى نفعاً وأصوب نظراً دعاه (كشف المخبأ عن أحوال أوربا) واشتغل في لندرا في تعريب ترجمة التوراة فزادت بذلك شهرته. ولما جاء باي تونس أحمد باشا زائراً مدينة باريس مدحه الشدياق بلامية جارى فيها لامية كعب ابن زهير فأعجب من حسن نظمه ودعاه إلى خدمة دولته في تونس فلبى دعوته ورحل إلى المغرب وكان هناك يحرر جريدة الرائد التونسي. وفي مدة إقامته في تونس سؤل إليه أعيانها بأن يعتنق الدين الإسلامي فجحد البروتستانية طبعاً بالمناصب كما جحد الكثلكة طمعاً بالمال. وفي السنة 1274 (1857) طلبته الصدارة العظمى إلى الآستانة وعهدت إليه تصحيح مطبوعاتها بضع سنوات. وهناك باشر السنة 1277 (1860) جريدته الشهيرة بالجوائب فظهرت 23 سنة بإنشائه وإنشاء ولده سليم إلى السنة 1884 فأبطلت وحصلت بينه وبين شيوخ الإسلام منافرات فنسبوه إلى المراء في دينه الحديث. وكانت وفاة أحمد فارس بعد ذلك بثلاث سنوات توفي في الآستانة سنة 1887 ثم نقلت رفاته إلى لبنان كما أوصى قبل موته فرثاه شعراء زمانه. وقد هجاه بعض مواطنيه بهذا التاريخ:

يا مَنْ رحلتَ إلى الجحيم مسوكراً

 

لم يبق بعدك للسـفـاهة بـاقٍ

ناداك إبليسُ الرحـيم مـؤرخـاً

 

هنَئت بَأحمدَ فارس الـشـدياقِ

وقد أخبرنا الشيخ المرحوم ظاهر الشدياق أحد انسباء أحمد فارس أن المترجم قبل وفاته طلب أحد كهنة الأرمن الكاثوليك واعترف لديه بخطاياه ومات على الدين المسيحي كما شهد ذلك خليل أفندي يعقوب الذي حضر وفاته وكان يصحبه منذ سنين عديدة. وكانت امرأة فارس الشدياق من بيت صولا تدعى وردة.
ولأحمد فارس مؤلفات جليلة غير التي ذكرناها أخصها سر الليال في القلب والإبدال على شكل معجم لم يتمه. وكتاب منتهى العجب في خصائص لغة العرب أتلفه الحريق قبل أن يطبع. ثم الجاسوس على القاموس انتقد فيه على القامو الفيروزابادي. وكتاب غنية الطالب ومنية الراغب. وكتابان في تعليم اللغتين الإنكليزية (الباكورة الشهية) والافرنسية (السند الراوي) وردود على انتقادات الشيخ إبراهيم اليازجي اللغوية. وبهمة المترجم طبعت في مطبعة الجوائب عدة كتب أدبية قديمة استخرجها من مكاتب الآستانة فنشرها بالطبع بالحرف الاسلامبولي المشرق. ومن مآثره أيضاً عدة قصائد ومنظومات طبع منها نبذة في 219 صفحة سنة 1291. فمن أقواله الحسنة ما وصف به الحرب السبعينية بين فرنسة وألمانية. وهذا مطلع تلك القصيدة التي تزيد عن مائة بيت:

أصيبت فرنسا بالرجـال والـمـالِ

 

فيها ويحها من بعد عزّ وإقـبـالِ

أعدت جيوشاً للقتـال وجـهَّـزت

 

بوارجَ حربٍ في البحار كأجبـالِ

وقالت إلى برلين يا جنديَ انفُـروا

 

فتلك التي قد كدرّت صفو أحوالي

وتلك التي قد زاحمتني على العلى

 

ولم تكُ قبل اليوم تخطرُ بالـبـالِ

وصولوا على جرمانيا كلّها فـقـد

 

أراها بدا منها تـحـاوُلُ إذلالـي

فلي قيصرٌ قرمٌ جلـيلٌ تـهـابـهُ

 

جميع ملوك الأرض هيبة زئبال

إذا أنذر الأملاك حرباً تزلـزلـت

 

ممالكهم من بأسـهِ أيَّ زلـزالِ

وقال في مطاردة الألمان لنابوليون وفي موقعة سيدان وخلع الإمبراطور:

فطاردهُ جيش العـدوّ مـعـقـبـاً

 

قولي إلى شالونَ يمزعُ كـالـرالِ

ومنها إلى سيدانَ بالجـيش كـلّـهِ

 

عقيبَ مُعاناةٍ وبـؤسـى وآجـالِ

وذلك حصنٌ عند بلجـيكَ حـولـهُ

 

ربى وتلالٌ حبّذا الوَزَرُ العـالـي

ولكنهم ناءوا سفاهاً عـن الـربـى

 

فحلَّت بها الجرمان من دون إمهالِ

هنالكَ عمَّ الويلُ والشـرُّ والـرَّدى

 

بترميل أزواجٍ وتيتـيم أطـفـالِ

وتبضيعٍ أرابٍ وتقطـيع أوصـالٍ

 

وتفليقِ هاماتِ وتدمـير أطـلالِ

وبزَّ تْهمُ الجرمانُ فاستسلموا لـهـم

 

ثمانين ألفاً أو يزيدون في الحـال

فلم يبقّ من ذا الجيش أجمعَ راجـلٌ

 

ولا فارسٌ فالجوُّ من ذكرهم خالِ

فلما درت باريس ذا الخطبَ أعولت

 

وضجَّت وباتت في شجون وولوال

وقالت منَتـنـي دولةٌ قـيصـرَّيةٌ

 

بإِهلاك أجنادي وإتلاف أموالـي

وإنَّ صلاحـي دولةٌ جَـمـهُـرَّيةُ

 

تُسدّدُ أعمالي وتُصلحُ أحـوالـي

فنادت بخلع الإمبَراطـور وابـنـهِ

 

وثارت لأَخذ الثار ثورة قسطـالِ

     

وختمها بهذا البيت الحكمي المقتبس من المزامير وهو نعم ختام:

إذا لم يكن للمرء من ربهِ هـدىً

 

فلا شيءَ يهديهِ من القيل والقال

محمد سليم القصاب

ومن فرسان حلبة الأدب بين مسلمي الشام في ختام القرن التاسع عشر الدمشقي محمد سليم بن أنيس الشهير بالقصاب. طبع له ديوان حسن في دمشق في مطبعة الجمعية الخيرية سنة 1298 (1881) فمن أقواله الجيدة ما قاله من قصيدة في السيد عبد القادر الجزائري وأولاده:

لمَّا بأَرض الشام حـلّ ركـابـهُ

 

ناديتُها بَاهي البلادَ وفـاخـري

أمنوَّا بنا فاليوم سباّقُ أصبـحـت

 

دارَ الخلافةِ وهو عبد القـادر

يا دوحةً طابت مغارسها فـلـم

 

تُثمر سوى ليثِ وشبلِ كاسـر

من كل شهم في الأنام محـمَّـدٍ

 

يعنو إلى علياءِ كل مفـاخـر

مولاي محي الدين مصباح الهدى

 

ذاك العلي الشأن أحمد شاكـر

فكأنَّهم لـمـا تـبـدوا حـولـه

 

أقمار تم حول بـدر سـافـر

أكرم به فرعاً يفاخـر فـرعـه

 

بأصوله فلك السمـاء الـدائر

لا زال في أوج المعارج نجمـه

 

يسمو بمجد ما له مـن آخـر

وقال في جنينة شادها مدحت باشا لأهل دمشق دعاها جنينة الملة سنة 1296:

هذه غـرفة أنـس أزلـفـت

 

في ربى الشام تسر الناظرين

قد بدت أزهارها تثني عـلـى

 

مدحت العليا وصدر الأعظمين

شادها للـمـلَّة الـغـرَّاء قُـلْ

 

فادخلوها بـسـلام آمـنـينْ

ومن رثائه قوله في وجيه قومه حسين بيهم لما توفي في بيروت سنة 1298:

هوى الكوكب الدُّرّي من أفُق العلى

 

فجرّ القضا ذيلَ الظلام وأسبـلا

مصابٌ كسا بيروت بُرْدَ حـدادهـا

 

وحقّ لها بالحزن أن تتسـربـلا

فما كان إلا روحَهـا وحـياتـهـا

 

وقد أصبحت من بعدهِ جسداً بلا..

عفافٌ وحلمٌ وافتـخـارٌ ورفـعةٌ

 

وجودٌ حكى فيضَ السحاب ترسُّلا

أقيموا بني الآداب واجب نَعْـيمـهِ

 

فلم يبقَ ما النفس أن تتـعـلَّـلا

وختم المرثاة بقوله:

فلما دعاه الـلـه جـل جـلالـه

 

إلى جنة الفردوس ليس مهلـلا

فقال بشير العفو تاريخـه زهـا

 

حسين المعالي قر في جنة العلا

ومن محاسن وصفه قوله في وطنه الشام:

ما الشـام إلا جـنَّة الأمـصـار

 

تزهو بغوطتها على الأقطـار

حصباءها الدرُّ النضيدُ وتربُهـا م

 

الكافورُ والبلَّوْرُ فيهـا جـاري

فيها الرياضُ الراهرات محاسنـاً

 

فانهض بنا ننشّقْ شذا الأزهـارِ

قد هبَّ فيها الريحُ يرقص غصنها

 

والطيرُ غنَّى في عُلى الأشجارِ

وتفجَّرت فيها المنـابـع إنَّـهـا

 

ذَوْبُ اللجُّينَ بجدولِ الأنـهـارِ

هي موطني دون البلاد وبغيتـي

 

فيها انتعاشي وانقضـا أوطـار

السيد محمود حمزة الحسيني

هو العالم الدمشقي العريق النسب من عائلة أصلها من حران ترقي نسبها إلى الحسين. كان مولده في دمشق سنة 1236 وفيها توفي سنة 1305 (1820 - 1887) واكب منذ صغره على العلوم اللغوية ثم انقطع إلى العلوم الفقهية فأصبح فيها إماماً ومعظم مصنفاته في الدين وفي كل أبواب الشرع إلا القليل منها كإعلام الناس والبرهان على بقاء دولة آل عثمان. وله قصائد حسنة وقد شرح بديعية لوالده وعرف بحسن الخط. وكان السيد محمود رجلاً مهيباً جليل القدر كريم الطباع تولى الإفتاء في دمشق دهراً طويلاً وقد أظهر نحو المسيحيين في نكبة دمشق سنة 1860 مروءة أجازته عنها الدولة الفرنسوية بهبة سنية. وقد اجتمعنا مع السيد محمود في دمشق غير مرة فلقينا منه شيخاً واسع المدارك غزير الآداب. وله في تقريظ كتابنا مجاني الأدب رسالة تنبئ بحسن ذوقه وتقديره للمشروعات الأدبية. وفيه يقول محمد القصاب بمدحه:

مفتي الأنام سليل المجد ملجـأنـا

 

تاج الفخام فخار الفخر ذو الهمم

ماضي العزائم لا ند يضـارعـه

 

بالأمر والنهي والإحسان والكرم

بحر المعارف بالأمواج زاخـره

 

يلقي لنا جوهر الإرشاد والحكم

في كل فن له بـاع يصـيد بـه

 

ما شت إدراكه عن حاذق فهـم

الأمير عبد القادر الجزائري

ونظم إلى أدباء إسلام الشام في آخر القرن التاسع عشر حسينياً آخر عاش زمناً طويلاً في دمشق وإن لم يكن أصله منها نريد السيد الأجل والأمير العظيم عبد القادر الجزائري فإنه وإن كان من رجال السيف إلا أنه كان أيضاً من فرسان القلم. كان مولد هذا الأمير في القيطنة من قرى أيالة وهران في بلاد الجزائر سنة 1222 (1807م) درس العلوم اللسانية في حداثته على أساتذة وهران. ثم رافق والده في رحلته إلى الحجاز والشام والعراق وعاد إلى وطنه فعكف على العلوم الخاصة كالفلسفة والفلك والتاريخ حتى حمل الفرنسيس على الجزائر سنة 1830 تلافياً لإهانة لحقت هناك بسفير ملكهم كرلوس العاشر واحتلوا جهاتها. فانتشبت الحرب بين أهلها والفرنسيس وبايع الجزائريون للأمير عبد القادر فقاموا معه قيام الأبطال للدفاع عن أوطانهم. وكانت تلك الحرب سجالاً تارة لهم وتارة عليهم ودامت خمس عشرة سنة ألجأ الأمير بعدها إلى التسليم فسلم ولقي من الفرنسويين كل احتفاء ورعاية وجعلوا له راتباً سنوياً ثم تنقل مدة في مدن فرنسا وغيرها إلى أن اتخذ له دمشق سكناً في أواسط سنة 1271 (1855م) فطبت له هناك السكنى وفيها توفي في 19 رجب سنة 1300 (حزيران 1883). ومن مبراته جازاه الله خيراً دفاعه عمن احتمى في داره من نصارى دمشق في مذابح سنة 1860 وكان عددهم نحو أربعة آلاف. وكان الأمير عبد القادر مغرى بالعلوم محباً للعلماء يعظمهم ويحسن إليهم. قيل إنه كان يبلغ ما يوزع عليهم وعلى الفقراء مائتي ليرة في كل شهر. وله تآليف مفيدة في التصوف وعلم الكلام وبعض كتب أدبية منها (ذكر العاقل وتنبيه الغافل) أتمه سنة 1271 (1854). وقد نقله إلى الفرنسوية المستشرق غوستاف دوغا (G. Dugat) فطبعه في باريس سنة 1858 وكان للأمير سليقة جيدة في نظم القريض. ومن قصائده راثية أولها:

أمسعودُ جاءَ السعد والخيرُ واليسرُ

 

وولَّت ليالي النحس ليس لها ذكرُ

ومنها قصيدة حماسية كان يتمثل في معارفه بأحد أبياتها الفخرية:

ومن عادة السادات بالجيش تحتمـي

 

وبي يحتمي جيشي وتُحرسُ أبطالي

ومن أبياته الفخرية قوله يذكر فيها أحد أيامه لما حارب الفرنسويين:

ونحـن لـنـا دينٌ ودنـيا تـجـمـعًّـا

 

ولا فخر إلا ما لـنـا يرفـع الـلّـوا

منـاقـب مـخـتــارَّية قـــادرَّيةٌ

 

تسامت وعباسية مجـدهـا احـتـوى

فإن شئت علماً تلقـنـي خـير عـالـمٍ

 

وفي الروع أخباري غدت تُوهن القوى

ونحن سقينا البيض في كـل مـعـركٍ

 

دماءَ العدى لما وهت منهم الـقـوى

ألم ترى في خنق النطاح نـطـاحـنـا

 

غداة التقيناهم شـجـاعٌ لـهـم لـوى

وكم هامة ذاك الـنـهـار قـددُتـهـا

 

بحد حسامي والقنا طـعـنـهُ شـوى

وأشقر تحتي كلـمَـتـهُ رمـاحُـهـم

 

ثمانٍ ولم يشك الوحي بل ولا الـتـوى

بيومٍ قضى نحباً أخي فـارتـقـى إلـى

 

جنانٍ له فيها نـبـي الـرضـى أوى

فما ارتد من وقع السـهـام عـنـانـهُ

 

إلى أن أتاه الفوز رغماً لمـن عـوى

ومنها في وصف الحرب:

وأسيافنا قد جردّت من جفـونـهـا

 

ولا رُد إلا بعد ورد بـهِ الـروى

ولما بدا قرنـي بـيمـنـاهُ حـربةٌ

 

وكفي بها نارٌ بها الكبشُ قد ثـوى

فأيقن إني قابض الروح فانـكـفـا

 

يولي فوافاه حسامي بمـا هـوى

شددتُ عليهـم شـدَّة هـاشـمـيَّة

 

وقد وردوا وِردَ المنايا على الغوى

وقد مدح الشعراء الأمير عبد القادر بقصائد يبلغ مجموعها كتاباً ضخماً. ومما قيل فيه لأحدهم:

بحر المعارف والعوارف والندى

 

ذو الحكمة العليا الكريم العنصر

مولى يتيهُ بهِ الزمان وحسـبُـهُ

 

أن لم يفز بنظيرهِ مذ أعصـرِ

وفي طرابلس الشام قضى نحبه في العقد الأخير من القرن التاسع عشر نحو 1210ه (1892م).

الشيخ محمد الشهال الطرابلسي

كان له في نظم الشعر حظ وافر سلك فيه منهج الرقة واللطف. فجمع ابنه عبد الفتاح قصائده في ديوان دعاه (عقد اللآل من نظم الشهال) وطبعه في طرابلس سنة 1312ه. فمن حسن أقواله ما قاله مراسلاً بعض أصدقائه:

متى يجمعُ الرحمنُ شملي بُمنْيتـي

 

وأحظى بطيب الوصل بعد تشتُّتي

أأحبابنا كـم ذا أبـثُّ شـكـايتـي

 

ولم تسمعوا دعوى حليفِ المحبةِ

قضى الله بالهُجران بيني وبينـكـم

 

فيا ليت قبل الهجرْ كانت منيَّتـي

تحجّبتم عن ناظريَ وشخصُـكـم

 

مقيمٌ بقلبي أينما كان وجهـتـي

وذكركُم ما زال وسط ضمـائري

 

يخامـرُ فـي كـل يومٍ ولـيلةِ

نأيتم فخلَّفْتم جـفـونـي قـريحةً

 

فباهت بأسرار الشجون الخفـيةِ

عسى الله أن يمحو دحى البُعد باللقا

 

ويجمعني فيهِ بأحـسـن حـالةِ

وقال يهنئ أحد أصحابه بقدومه إلى الفيحاء بغتةً:

خليل العلى والمجد عن غير موعد

 

لقد واصل الفيحا فطابت به نثرا

وأضحى لسان العز عند قدومـه

 

ينادي لقد وافى الخليل فيا بشرى

وممن يجب نظمه بين شعراء أواخر القرن التاسع عشر (الشيخ محمد الهلالي) هو محمد بن هلال بن حمود المولود في حماة السنة 1235 (1819م) والمتوفى في 29 ذي الحجة 1311 (حزيران 1894) نشأ بحماة ودرس على علماء أهل ملته العلوم الدينية ثم انقطع لدرس الآداب ونظم الشعر فقصد القصائد على نمط ذلك العهد ومدح كثيرين من وجهاء بلاده ثم ارتحل إلى دمشق سنة 1298 (1881م) فاستوطنها ونعم في سكناها وأنس بأهلها وعاشر أدباءها وكرام أهلها وأمراءها فنال الحظوة من فضلهم ولم يزل في هناء عيش إلى وفاته في الفيحاء فقال الشيخ عبد المجيد الخاني يؤرخ سنة موته:

لقد تُوُفي الهلالـي سـيدُ الـشـعـرا

 

وكوكبُ الأدب العالي الذي اشتـهـرا

فلا غـريبٌ إذا نـادى مـؤَرخـــه

 

ألا توّفي الهلالي سيدُ الشعرا (1311)

وقد جمع بعض مواطنيه ديوانه فطبعوه في حماة سنة 1329 وقسموه أبواباً على حسب معاني الشعراء من مديح وتهاني ورثاء وتواريخ. فمما قاله لما هاجر من حماة إلى دمشق بأهله يستمنح فضل الأمير السيد عبد القادر الجزائري:

هاجرتُ من بلدي بأهلـي غـازياً

 

بعساكر الآمـالِ خـير هـمـامِ

ورميتُ سهم الظنّ عن قوس الرجا

 

طمعاً وحاشا أن تطيش سهامـي

وبجيش فَقري قد أتيتُ إلى حِمـىً

 

أغنى وأندى كل بَحْر طـامـي

مستمطياً حسن الطـوَّيةِ راكـبـاً

 

فرَسَ الفراسةِ ناشراً أعـلامـي

مستبشراً مـن سـيدي بـعـنـايةٍ

 

عنّي يزولُ بها عَـنـاهُ أوامـي

مولاي عبد القادري الحَسنَي الـذي

 

في ظل نعمتهِ نصبتُ خـيامـي

الكاشف الفاقات ماحي لـيلَـهـا

 

بسناءِ صبح الجـود والإنـعـامِ

وافيتُ جنَّة قـربـهِ لأفـوزَ مـن

 

مأوى مكـارمـهِ بـدار سـلامِ

ولما أؤمَّل من عـوائد فـضـلـهِ

 

طال انتظاري في دمشق الشـامِ

ماذا جوابي إن رجعتُ إلى حمـا

 

ة بزوجتي من بعد غـربة عـامِ

فأمر له الأمير بجائزة سنية. ومن ظريف قوله يؤرخ إنشاء سبيل في دمشق سنة 1304:

بادر لأَعذب سلسبيلِ فـيه مـا

 

بمعينه يشفي العليلَ من الظمأ

لله فاعـلُ خـيرٍ فـعـلٍ دائمٍ

 

لينال من مولاهُ أجراً أعظمـا

حوضٌ لواردهِ الصفا منهُ شـدا

 

أرخْ ونادِ أسقِ العطاش تكرُّما

وقال أيضاً مؤرخاً وفاة والده هلالاً سنة 1880:  

لَنِعْمَ عُقْبى الدارِ دارُ البقـا

 

وحبَّذا إلى النعيم الـمـآلْ

يا زائراً هذا الضريح الـذي

 

حوى هلالاً فاز بالانتقـالْ

لِنصفْ ذي الحجَّة قُلْ أرَخوا

 

عاماً به آنَ غيابُ الهـلالْ

أدباء مصر

لم يبلغ أدباء مصر من المسلمين في ختام القرن التاسع عشر ما بلغه ذوو دينهم في الشام وأشرنا إلى سبب ذلك في ما تقدم على أن مدرسة الأزهر بعد الاحتلال الإنكليزي كانت لا تزال ضابطة لرئاسة تعليم العربية نائلة لقصبات السبق في القطر المصري على الرغم مما أصابها من التأخر في ذلك الزمن كما أقر به أرباب الأمر ومن ثم أنشئوا سنة 1212 (1894) مجلساً ليتدارك الخلل في ذلك وتصلح طرق التعليم.

وممن نالوا بعض الشهرة في أواخر القرن التاسع عشر من شيوخ الأزهر وأساتذته الشيخ (مصطفي العروسي) الذي تولى ست سنين (1281 - 1287) رئاسة الأزهر وله ما خلا الكتب الإعتقادية أحكام المفاكهة في أنواع الفنون والمتفرقات توفي سنة 1293 (1876). ومنهم الشيخ (محمد المهدي العباسي) ولد سنة 1244 (1828) واشتهر في العلوم الدينية وصارت إليه رئاسة الإفتاء في الديار المصرية مع شياخة الإسلام واختارته عمدة الأزهر لمشيخة تلك المدرسة فتقلدها سنة 1287 إلى 1299 وعاش إلى سنة 1315 (1897) قال بعضهم مؤرخاً لوفاته:

عليهِ دمع الفتاوى باتَ مـنـحـدراً

 

وللمحابر حزنٌ ضـاق عـن حـدّ

فيها المسائل قد بـاتـت تـؤرّخـهُ

 

مات المجيب الإمام المقتدى المهدي

ومن تآليفه الفتاوى المنسوبة إليه المعروفة بالفتاوى المهدية في الوقائع المصرية ومنهم الشيخ (محمد الأنبابي) ألف عدة كتب في الصرف والنحو وآداب البحث وقد تخرج على يديه كثير ممن تصدروا للتدريس. وتولى مشيخة الأزهر مرتين. كان مولده سنة 1240 ووفاته سنة 1313 (1824 - 1896).

ومنهم (الشيخ عليش) أحد مشايخ السادة المليكة في مصر ولد بالقاهرة سنة 1217 وبها توفي سنة 1299 (1802 - 1882) اشتغل بالعلم في الأزهر حتى أدرك الجهابذة وأخذ عنه جل الأزهريين له تآليف عديدة في الفقه والبيان والمنطق وكتاب مواعظ. نكب في آخر حياته بسبب الثورة العسكرية العرابية.

ومنهم (حسين بن أحمد المرصفي) كان مكفوفاً وبلغ باجتهاده إلى أن يدرس في الأزهر ومن تآليف الوسيلة الأدبية في العلوم العربية والكلم الثمان في الأدب توفي سنة 1307 (1889م).

واشتهر غير الأزهريين رجال يعدهم المصريون كأركان النهضة العلمية في وطنهم في العشرين الأخيرين من القرن السابق نختصر هنا أخبارهم.

عبد الله باشا فكري

هو أحد نوابغ الناشئة المصرية في القرن الأخير ولد في مكة إذ كان أبوه محمد مرافقاً في الحجاز للجنود المصرية سنة 1250 (1834) ثم نشأ في مصر وشاب في حضانة المعارف حتى تضلع في كل علم. وقلدته الحكومة المصرية للمناصب الجليلة كنظارة المدارس ووزارة المعارف. وكان سار معها في رفقة الخديوي إسماعيل باشا إلى استنبول سنة 1861 ثم عهد إليه تهذيب ولي العهد محمد توفيق باشا مع أخويه الحسن والحسين فقام بتلك المهمة أحسن قيام. ولما ولي نظارة المعارف سعى في تنظيم الدروس وصنف للدارسين كتباً يدرسون فيها ومن خدمه الطيبة أنه لم يزل يحض الحكومة حتى أنشأت المكتبة الخديوية التي تعهد من أغنى الخزائن الكتبية بالمخطوطات والمآثر العربية. ولما حدثت الثورة العرابية سنة 1882 ألقي القبض على عبد الله باشا فكري وبقي مدة تحت الاستنطاق إلى أن عرفت برارته وبرئت ساحته وكان الخديوي قد قطع معاشه فكتب إليه من قصيدة:

مليكي ومـولاي الـعـزيز وسـيدي

 

ومن أرتجي آلاءَ معروفهِ العمـرا

لئن كان أقـوامٌ عـلـيَّ تـقـوَّلـوا

 

بأمر فقد جاؤوا بما زوروا نـكـرا

فما كان لي في الـشـرْ بـاعٌ ولا يدٌ

 

ولا كنتُ من يبغي مدى عمره الشرا

فعفوا أبا العـبـاس لا زلـت قـادراً

 

على الأمر أن العفو من فادر أحرى

وحسبي ما قد مر من ضنك أشـهـرُ

 

تجرعتُ فيه الصبر أطعمُـهُ مـراً

يعادل منها الشهرُ في الطول حـقـبةً

 

ويعدل منها اليومُ في طوله شهـرا

أيجعل فـي دين الـمـروءة أنَّـنـي

 

أكابد في أيامك البؤس والعـسـرا

فما لبث أن أعاده الخديوي إلى مقامه السابق فقال يشكره من قصيدة طويلة:

ألا أنَّ شكر الصنع حقُّ لـمـنـعـمٍ

 

فشكراً لآلاء الخديوي المـعـظَّـمِ

مليكُ له في الجود فضلٌ ومـفـخـرٌ

 

على كل منهلٍ من السحب مرهـمِ

سأشكرهُ النعماءَ ما عـانـقـت يدي

 

يراعي أو استولى على منطقي فمي

فلا زال محروسَ الحمى متمـتـعـاً

 

مع الخيرة الأشبال في خير أنـعـم

وتجول عبد الله باشا بعد ذلك في جهات الحجاز والشام. ولما عقد في استوكهلم مؤتمر المستشرقين سنة 1888 أوفدته الحكومة لنيابة عنها وزار معظم الحواضر الأوربية وكتب تفاصيل رحلته في كتاب دعاه (إرشاد الألباء إلى محاسن أوربا) لكن الموت عاجله فتوفي قبل إتمامه في أواخر سنة 1307(1890م) فأنجزه نجله بعد وفاته. وقد خلف عبد الله باشا فكري آثاراً أدبية جليلة كنظم اللآل في الحكم والأمثال والمقامة الفكرية في المملكة الباطنية والفوائد الفكرية للمكاتب المصرية جمع فيه ابنه كثيراً من كتاباته وقصائده في كتاب دعاه الآثار الفكرية (وصفناه في المشرق 1(1898): 189) وكان المترجم بارعاً بالنظم والنثر راسخ القدم في بلاغة التعبير وكان بالخصوص إماماً في الإنشاءات الديوانية فاستخدمه خديوياً مصر سعيد باشا وإسماعيل باشا في اشتغال الكتابة عنها باللغتين التركية والعربية إلى الملوك والسلاطين. ومن حكمه قوله:

إذا رُمتَ المروءةَ والمعالي

 

وأن تلقى إله العرش بَـرّا

فلا تقرب لدى الخَلوات سراً

 

من الأفعال ما تخشاهُ جهراً

وقال يصف ثامن مؤتمر المستشرقين في استوكهلم من قصيدة:

ناد بهِ احتفل الأفاضـلُ حـفـلةً

 

بحديثها تتـقـادَمُ الإعـصـارُ

جمعت لثامـن مـرَّةٍ مـعـدودةٍ

 

في الدهر لا يُنسَى لها تـذكـارُ

متآلفين بعـيدهـم بـقـريبـهـم

 

والفضلُ أقربُ وصلة تمـتـارُ

من كل فياض الـقـريحة وردهُ

 

عذبٌ وبحرُ علـومـهِ زخـارُ

ومؤزَّر بالفضل مشـتـمـل بـهِ

 

منـهُ شـعـارٌ زانـهُ ودثـارُ

لا زال ملك الفضل معمور الذرى

 

بذويهِ ممـدوداً لـهُ الأعـمـارُ

وكان لعبد الله باشا ولد تقصى آثار والده اسمه (أمين باشا فكري) درس الحقوق في فرنسا ثم عاد إلى بلده فتعاطى فن الدعاوى وبرز فيه حتى رقّته الحكومة المصرية إلى رئاسة النيابة سنة 1888 ثم ولته قضاء محكمة الاستئناف ثم محافظة الإسكندرية حتى انتدبته لنظارة الدائرة السنية لكن الموت اهتصر غصن حياته فمات سنة 1899 وكان مولده سنة 1856. ومن تركته العلية كتب مطول في جغرافية مصر والسودان. وكان رافق إياه مع الوفد المصري إلى استوكهلم عاصمة بلاد اسوج فأنجز أخبار رحلة أبيه فدعاه (إرشاد الالباء إلى محاسن أوربا) كما أنه جمع مآثره المتفرقة على ما ذكر وله أيضاً فضلاً تقدم رسائل وقصائد لم ينشر منها إلا النزر القليل.

علي باشا مبارك

هو أحد أركان النهضة المصرية ولد من عائلة فقيرة في قرية برنبال من مديرية الدقهلية سنة 1239 (1823) فتقلبت به الأحوال إلى أن توفق إلى دخول مدرسة القصر المعيني وأرسل إلى باريس فدرس فيها فن الحرب ثم ألحق بالجيش المصري وحضر حرب القريم سنة 1854. ثم انتدبته الحكومة المصرية لوكالات ونظارات ودواوين مختلفة أبدى في جميعها عن مقدرة عظيمة. وقد خدم الآداب العربية بتنظيم مكاتب القاهرة والبنادر وإنشاء مدارس جديدة أخصها مدرسة دار العلوم وفتح المكتبة الخديوية وتولى نظارة المعارف فأجرى فيها إصلاحات مهمة. وفي آخر حياته اعتزل الأعمال إلى سنة وفاته 1311 (1893) وله تآليف ذات شأن اجلها الخطط التوفيقية حذا فيها حذو الخطط المقريزية فوصف الخطط الجديدة التي أنشئت في القاهرة ومدنها القديمة والشهيرة في ستة مجلدات. ومنها كتاب نخبة الفكر في تدبير نيل مصر وكتاب الميزان في الاقيسة والأوزان وكتاب علم الدين في عدة أجزاء على طرز رواية أدبية عمرانية أودعها كثيراً من المعارف والفنون كالتاريخ والجغرافية والهندسة والطبيعيات وغير ذلك مما قرب إلى قرائه فهمه بمعرض شهي.

الشيخ الأبياري

هو الشيخ عبد الهادي نجا الابياري أحد الكتبة المعدودين في أواخر القرن السابق. ولد في أبيار في جهات مصر السفلى سنة 1236 (1821) وأخذ عن والده مبادئ الآداب ثم حضر دروس أساتذة الأزهر كالشيخ البيجوري والشيخ الدمنهوري وغيرهما. ولم يزل يكد ويجد في تحصيل العلوم حتى نال منها ما لم ينله إلا القليلون من معاصريه فعهد إليه الخديوي إسماعيل باشا تثقيف أولاده. وتصدر للتعليم في الجامع الأزهر فذاع صيته في أنحاء القطر المصري وجعله الخديوي توفيق باشا أمام المعية ومفتيها فقام بمهام رتبته إلى وفاته سنة 1306 (1888) وكان يجله الأدباء ويراسله فضلاء عصره وقد جمعت مكاتباته للشيخ إبراهيم الأحدب في كتاب الوسائل الأدبية في الرسائل الاحدبية. ومن تآليفه الشهيرة كتاب سعود المطالع في مجلدين ضمنه كلاماً واسعاً في ضروب العلوم العربية. ومنها كتابه نفح الأكمام في مثلثات الكلام كمثلثات قطرب. وكتاب الفواكه في الآداب. واتخذه صاحبا الجوائب والبرجيس كحكم ليفصل المناظرات اللغوية التي قامت بينهما فكتب كتابه النجم الثاقب في المحاكمة بين البرجيس والجوائب فنظم أحمد فارس قصيدتها الدالية التي يقول فيها شاكراً:

أبدى لنا في مصرَ نجماً ثـاقـبـاً

 

لكن ثناهُ بكـل مـصـرٍ هـادِ

فيهِ الفوائد والفـرائد فُـصّـلـت

 

موصولةَ البرهانِ بـالإسـنـادِ

إن قال لم يتـرك لـقـوالٍ مـدىً

 

أو صالَ هالَ وطال كلَّ مـعـادِ

هو فَيْصلُ في الفكر يرضى فصلهُ

 

من لم يقـنـع مـن الأشـهـادِ

لولاهُ لم يُقَطع لسانُ المـفـتـري

 

عني ولم ُيفصـل جـدالُ بـلادِ

فلذاك كان على الجوائب مـدحُـهُ

 

حقـاً وإيجـابـاً مـدى الآبـاد

الشيخ علي الليثي

كان من أشعر شعراء العصر السابق. ولد نحو السنة 1830 وصرف همه إلى العلوم اللغوية والأدبية فصار منشئا بليغاً وشاعراً مفلقاً حتى نظمه أولو الأمر في سلك رؤساء المعية السنية. ورافق الخديوي إسماعيل باشا في سفره إلى الأستانة سنة 1290 ومدح السلطان عبد العزيز. وكان الأدباء يتسابقون إلى مطارحة الليثي ويتفاخرون بمكاتبته. وقد طال عمره حتى توفي مأسوفا عليه في 25 ك2 سنة 1896 (1313 ه). وله منظومات جمة يجمع منها ديوان إلا أنها لا تزال متفرقة. فمن محاسن أقواله رثاؤه لعبد الله باشا فكري:

نذمُّ المنايا وهي في النَّقـد أعـدلُ

 

غداة انتقت مولى به الفضلُ يكملُ

كأنَّ المنايا في انتقـاهـا خـبـيرةٌ

 

بكَسْب النفوس العاليات تُعـجّـلُ

فتمَّ لها من منتقـى الـدُّر حـلـيةٌ

 

بها العالمُ العلـويُّ أنـا يهـلـلُ

ومنها في وصف الفقيد:

لقد كان ذابرٍ عطوفـاً مـهـذَّبـاً

 

سجاياهُ صفوُ القَطر بل هي أمثلُ

رقيق حواشي الطبع سهلٌ محبَّب

 

إلى كل قلبٍ حيث كان مبجَّـلُ

كريم السجايا لا الدنايا تـشـينـهُ

 

عظيم المزايا إذ يقولُ ويفـعـلُ

شمائلهُ لو قُسّمت في زمـانـنـا

 

على الناس لازدانوا بها وتجمَّلوا

فقدنا محـياهُ ولـكـنَّ بـينـنـا

 

بديع مزاياهُ بـهـا نـتـمـثَّـلُ

وقال يمدح السلطان عبد العزيز في عيد جلوسه سنة 1290:

دَعْ ذكرى كسرى وقصَرْ إن أردت ثنا

 

عن قيصر الروم حيث النفعُ مفقودُ

وأشرحْ مآثر من سارت بـسـيرتـهِ

 

ركائبُ المجد تحدوها الـصـنـاديدْ

مولى الملوك الذي من يُمن دولـتـهِ

 

ظلُّ العدالةِ في الآفـاقِ مـمـدودُ

عبدُ العزيز الـذي آثـارهُ حُـمـدت

 

أبُ الألى جدُّهم في المجد محمـودُ

أجاد نظم أمور الملك فـي نـسـقٍ

 

لا يعتريهِ مـدى الأزمـان تـبـديدُ

وشاد فوق العلى أركـانـهُ فـغـدا

 

له على هامةِ الـجـوزاء تـشـييدُ

فلا تقسهُ بـأسـلافٍ لـه كـرُمـتْ

 

والشبلُ من هؤلاء الأسد مـولـودُ

ففخرُهم عـقـدُ درٍ وهـو واسـطةٌ

 

في جيد آل بني عثمانَ مـعـقـودُ

وله اللامية المشهورة قالها بعد الفتنة العرابية مستعطفاً مستصفحاً عن الجناة:

كل حـال لـضـدَهِ ينـحـوَّلْ

 

فالزمِ الصبرَ إذ عليهِ المعوَّلْ

يا فؤادي استرحْ فما الصبرُ إلا

 

ما به مظهر القضاء تنـزل

قدرٌ غالبُ وسـرُّ الـحـفـايا

 

فوق عقل الأريب مهما تكمَّلْ

رُب ساعٍ لحتفهِ وهو مَّمـن

 

ظنَّ بالسعي العلى يتوصَّلْ

السيد عبد الله نديم

هو كاتب بليغ نبغ في مصر وسعى في تحرير وطنه فأنشأ عدة جرائد سياسية كان يزرع فيها بذور آماله وينهض همم مواطنيه حتى لقب بخطيب الشرق. ولما ثارت الفتنة العرابية نفي من وطنه ثم صفح عنه وبعد قليل اضطر إلى مغادرة بلاده فتوجه إلى الآستانة ونال الحظوة لدى السلطان وما لبث أن توفي في القسطنطينية سنة 1314ه. وكان مولده بالإسكندرية سنة 1261 (1844 - 1896).

وكان عبد النديم خطيباً لسناً متوقد الذهن صافي القريحة شديد العارضة متفنناً في الكتابة نظماً ونثراً له ثلاثة دواوين كبيرة ورسائل وتآليف لغوية وأدبية طبع منها قسم في كتاب سلافة النديم في منتخبات السيد عبد الله نديم وهو في نثره سهل العبارة قريب المعاني يتحاشى كل تصنع. فمن أقواله ما ذم به الخمرة:

طافَ النديمُ بكأسهِ فـي ألـحـانِ

 

ومشى بزفُّ البكرَ بـالألـحـان

برزتْ تُقَهقهُ بين ندمـانِ الـطـلا

 

فخجلتُ إذ ضحكتْ على الأذقانِ

ذلّت لدولةُ حكمـهـا دُوّل الـورى

 

من غير ما حرب ولا أعوانأعوانِ

خَفت فطارت بالعقولِ وخلَّـفـت

 

تلك الجسومِ بحـالةِ الـحـيْران

أيُّ المحاسن أبصروا في وجههـا

 

وهي العتيقة مـن قـديم زمـانِ

أمُّ الخبائث بنتُ عُسْلوج الـهـوى

 

أخت الحشائش زوجة الشيطـانِ

من زفّها من خـدرهـا لـفـؤاده

 

صرعتهُ عند مزالـق الأطـيان

وإذا تستر في ترشُّـفـهـا بـدتْ

 

من فيهِ تفضحهُ لـدى الإخـوان

وإذا مشى لعبت به عن مكـرهـا

 

فيقال هذي مشية الـسـكـران

ومن أوصافه الحسنة قوله يصف قطاراً بخارياً:

نظر الحكيم صفاتـه فـتـحَّـيرا

 

شكلاً كطَوْد بالبخار مُـسـيّرا

دوماً يحن إلـى ديار أصـولـهِ

 

بحديد قلب باللهيب تـسـعّـرا

ويظلُّ يبكي والـدمـوع تـزيدهُ

 

وحُبذا ويجري في الفضاء تسُّترا

تلقاهُ حال السير أفعى تـلـتـوي

 

أو فارس الهيجـا الـعـشْـيرا

أو سبعَ غلبِ قد أحسَّ بـصـائدٍ

 

في غابهِ فمدا عليه وزمـجـرا

أو إنها شهبٌ هوت من أفقـهـا

 

أو قبة المنطادِ تنبذ بـالـعـرا

وله في الفخر والحماسة:

إذا ما المجدُ نادانا أجـبـنـا

 

فيظهر حين ينظرنا حنينـا

فإنا في عداد النـاس قـومٌ

 

بما يرضي الإلهُ لنا رضينا

إذا طاش الزمان بنا حَلُمنـا

 

ولكنَّا نُهينـا أن نـهـينـا

وإن شئنا نثرنا الـقـول درّاً

 

وإن شئنا نظمناهُ ثمـينـا

وإن شئنا سلبنـا كـلّ لـبٍّ

 

وإن شئنا سحرنا المنشئينـا

محمد عثمان جلال

هو ابن يوسف الحسني الونائي ولد سنة 1245 (1829) ودرس في صغره اللغات في مدرسة الألسن في حي الأزبكية ثم دخل سنة 1261 (1844) في قلم الترجمة ثم انتدبته الحكومة لأشغال الكتابة في وزاراتها إلى أن استوزره توفيق باشا الخديوي واتخذه لصحبته في رحلته إلى جهات القطر المصري فكتب تأليفه (السياحة الخديوية) ثم تقلد القضاء في محكمة الاستئناف وأحيل على المعاش سنة 1895 وكانت وفاته في 16 كانون الثاني سنة 1898. وللمترجم عدة تآليف نقل بعضها من الافرنسية كرواية بول وفرجيني وكأمثال لافونتين نظمها بالشعر ودعاها العيون اليواقظ في الأمثال والمواعظ دونك مثالاً منها وهو مثل البخيل والدجاجة:

كان البخـيل عـنـده دجـاجةْ

 

تكفيهِ طولَ الدهر شرَّ الحاجةْ

في كل يوم مَر تُعطيهِ العجـبَ

 

وهي تبيضُ بيضة من الذهَبْ

فظن يوماً أن فـيهـا كـنـزاً

 

وإنـهُ يزداد مـنـهُ عــزاً

فقبضَ الدجاجةَ المـسـكـينُ

 

وكان في يمـينـهِ سـكـينُ

وشقتَّها نصَفينِ من غفـلـتـهِ

 

إذ هي كالدجاج في حضرتهِ

ولم يجـد كـنـزاً ولا لَـقـيَّهْ

 

بل رُمَّةً في حُجْرهِ مرمـيَّةْ

فقال: لا شكَ بأنَّ الطـمـعـا

 

ضيع للإنسان ما قد جمـعـا

وكان محمد عثمان يحب اللغة المصرية العامية فنقل إليها عدة روايات تمثيلية عن الشاعرين راسبن وموليار تصرف فيها بعض التصرف. ومن ظريف شعره قوله يمدح الحضرة الخديوية العباسية سنة 1309:

من يضاهيكَ في العلى مَنْ بُداني

 

يا عزيزاً لـهُ عـلـينـا يَدانِ

يدُ حكمٍ بالعدلِ لا يَعـتـريهـا

 

عارضُ الميل فهي كالميزانِ

ويدٌ العطاء كالنـيل قـد فـا

 

ض بإنعامهِ على البـلـدانِ

وله في رثاء عبد الله باشا فكري:

همامٌ على فوق السماء بـفـكـرهِ

 

فمن ثمَّ سمتهُ الأفاضلُ بالفكـري

فتى غاص في بحر المدارس رأيهُ

 

فأخرج من حصبائه غالي الـدرّ

وسال غديرٌ من عذوبة لفـضـلـهِ

 

فأنضج أثماراً على يانع الزهـرِ

زها نجمهُ دهراً بمصرٍ فلـم يَجـدْ

 

قريناً ولكن لا أمانَ إلى الـدهـرِ

ثلاثُ لغاتٍ كالعـرائس حـازهـا

 

بهمَّته لا بالجهاز ولا الـمُـهْـرِ

من العرب العرباء كان إذا حكـى

 

وحرّر بالنظم البديع أو الـنـثـر

وكان لأهل الـفـارسَّـية تـحـفةٌ

 

بمعلومهِ الوهبيّ يحكي ليزّدْجـر

ونال بديوان الـمـعـارف رفـعةً

 

مفضلةً من فضل زيد على عمرو

فوا أسفاً وأراهُ قـبـرٌ ولـو درى

 

لآثر سوداءَ القلوب على القـبـرِ

وما مات ليثٌ أورث الغابَ شبـلـهُ

 

ولا كان هذا الغابُ يخلو من الزأرِ

وممن جمع في مصر بين الآداب التركية والعربية (حسن حسني الطويراني) ولد في مصر 1266ه (1850م) وتوفي الآستانة سنة 1315 (1897) نشط منذ حداثته إلى العلم والأدب حتى برز بين كتاب زمانه وقضى قسماً من عمره في السياحة في أفريقية وآسية وبلاد الروملي وأنشأ عدة جرائد كالزمان والإنسان والنيل والعدل ومجلة المعارف والمجلة الزراعية. وألف تآليف عديدة دينية واجتماعية وأدبية بعضها تركية وبعضها عربية. وله ديوان شعر دعاه ثمرات الحياة اختار منه قسماً عبد الغني العريسي وطبعه في مصر سنة 1325. فهذه بعض أمثال نقتطفها منه قال مفتخراً:

إن كنتَ محتقراً حالي وتجهلُـهـا

 

سَلْ عارفاً عن شأني فتعرفنـي

أنا الذي ما سَمعتْ بي للخَنا قـدَمٌ

 

ولا شكا همَّتي من كان يصحبُني

لي جانبٌ لصديقـي هَـينٌ أبـداً

 

وجانبٌ لعـدوّي ثـم لـم يلـنِ

ولي لسانٌ أرى أن تبقى بضاعتـهُ

 

ولي فؤاد بحب الباقياتِ فـنـي

وقال أيضاً:

غيري تغيرُهُ الصـروفْ

 

وسِوايَ تُفْزعهُ الحتوفْ

وأنا الذي لا عـيبَ لـي

 

إلا اقتحامي للمَخـوفْ

لا أتقي بـأس الـقـوي

 

ولا يَرى بأسي الضعيفْ

حسبي يُقال: سـكـوتـهُ

 

أدبٌ ومَنطِقهُ شـريفْ

لا تـقـلْ إنـي صـديقٌ

 

أو فلانٌ لـي صـديقْ

إنـمـا أنـت وهـــذا

 

لرفـيقٍ فـي طـريقْ

فاجتمـاعُ فـي اتـسـاع

 

وافتراقٌ وقـت ضـيقْ

ومن محاسن أقواله:

إن الحياة وطيبها ونـعـيمـهـا

 

ممَّا يؤمَّلُ في الزمان ويُعْشـقُ

غاياتنا فـيهـا بـدايةٌ غـيرنـا

 

كالشمس مَغْرُبها لغيرك مشرقُ

وقد اشتهر في مصر غير هؤلاء ممن تخصصوا ببعض الفنون ونالوا السبق في بعض الأعمال فصنفوا فيها المصنفات المفيدة. منهم (محمود باشا الفلكي) ولد سنة 1220 في مديرية الغربية وتوفي في مصر سنة 1303 (1805 - 1881) تقلب في المناصب الخطيرة وتولى وزارة المعارف وقد عرف خصوصاً بتآليفه الفلكية ورسم الخرائط وضبط التقاويم التاريخية لا سيما العربية ووصف مقياس النيل. وله أيضاً بعض التآليف الأثرية كرسالته في الإسكندرية القديمة وفي الأهرام وغير ذلك وقد صنف يعض هذه التآليف في الافرنسية فحل بين علماء الإفرنج محلاً أثيراً.

ومنهم (محمد باشا مختار) كان مولده في بولاق مصر سنة 1835 وتوفي في 20 تشرين الثاني سنة 1897 تعلم في مدرسة دار العلوم وانتظم في الجندية وترقى فيها إلى رتبة لواء سنة 1886 وقد اشتهر في حروب السودان. وكان متضلعاً بالعلوم الفلكية والرياضية ألف فيها عدة تآليف بالعربية والافرنسية. وله ما خلا ذلك تراجم لبعض الخاصة كمحمود باشا الفلكي والجنرال ستون الأميركي وكتب في وصف بلاد السودان والحبشة رسائل حسنة.

ومنهم (محمد علي باشا الحكيم) ولد سنة 1228 في مديرية المنوفية درس العلوم الطبية فنال منها حظاً وافراً إلى أن تعين رئيساً للمدرسة الطبية في مصر وقد رافق سعيد باشا في رحلته إلى أوربا. ولما انتشبت الحرب المصرية مع الحبشة سنة 1877 سار في رفقة الحملة إلى تلك البلاد وفيها توفي سنة 1293 (1813 - 1877) وله تآليف طبية في فنون الجراحة وقانون طبي ورسائل مختلفة. وقد اشتهر مثله في الطب والجراحة (الدكتور دري باشا) الذي ولد وتوفي في القاهرة (1257 - 1318 - 1841 - ?1900) ودرس في مدرسة القصر العيني وألف التآليف المشهورة في الطب كتذكار الطبيب ورسالة في الهيضة. وصنف غير ذلك أيضاً كترجمة حياة علي باشا مبارك والتحفة الدرية في مآثر العائلة الخديوية. وفيه قال الشيخ علي أبو يوسف الأزهري يمدحه:

لو نلتُ في الدهر ما أبغيهِ لم ترَنـي

 

في مدح من شئت إلا ناظـم الـدُّرّ

أو كنتُ أدلجتُ في المسرى فليس إلى

 

شيء يكون سوى الكوكب الـدري

أو أن ألمت بي الإسقامُ فـي زمـنٍ

 

لم استطبْ سوى بالماهـر الـدري

فهو الحكيم الذي لم يشكُ ذو مـرضِ

 

إلا ونادى به يا كاشـف الـضـرِ

وممن له حصل شهرة في طب في مصر (حسين بك عوف الكحال) المتوفى سنة 1301 (1883) و(محمد بك حافظ) المتوفى سنة 1305 (1887) درسا أمراض العيون في القصر العيني ثم في أوربا. ونشر الأول كتاباً في الرمد والثاني في تشخيص أمراض العين. وفاق عليها شهرة (سالم باشا سالم) في العلوم الجراحية التي أتقنها في مدارس ألمانية ثم أسندت إليه رئاسة مدرسة الطب في القاهرة فنشر عدة تآليف طبية أشهرها وسائل الابتهاج إلى الطب الباطني والعلاج. توفي 1311 (1893). ونال في الصيدلة نصيباً حسناً (علي بك رياض الصيدلي) المتوفى سنة 1317 (1899) له تأليف في الأعمال الاقرباذينية والمادة الطبية والتاريخ الطبيعي.

وقد اشتهر في فن الدعاوى وعلم القوانين والرياضات والموسيقى الشرقية (شفيق بك) ابن منصور باشا يسكن ولد في القاهرة 1856 ومات في عز شبابه سنة 1890 يعد أن خدم العلم مدة بالتعليم والتصنيف. ومن تآليفه كتاب التفاضل والتكامل وكتاب في أصول الحساب والجبر والهندسة والهينة ورسالة في الموسيقى عرب تأليف مختار باشا (رياض المختار) من التركية ونقل تاريخ مصر الجبرتي إلى الافرنسية. ونقل من الافرنسية بعض المؤلفات إلى غير ذلك مما أثار الأسف على فقده قبل بلوغه الكهولية.

وقد كان لغير هؤلاء المصريين بعض الشهرة أيضاً في فنون شتى كالشيخ (إبراهيم ابن عبد الغفار الدسوقي) الذي ولد سنة 1226 وتوفي سنة 1301 (1811 - 1882م) ثم بعد أن درس في الأزهر تولى فيه تعليم العربية ثم نقل إلى الهندسخانة الخديوية واشتغل في الرياضيات وسعى بطبع الروضة السندسية في الحسابات المثلثية. وتعين مدة لتصحيح مطبوعات بولاق وأنشأ جريدة الوقائع المصرية. ومن تآليفه حاشية على المغني. وعليه درس العربية المستشرق الإنكليزي لان (E. W. Lane) الشهير بمصنفاته الشرقية ولا سيما معجمه العربي الإنكليزي الواسع.

ومنهم الأديب عبده حمولي (1845 - 1901) نبغ بالموسيقى العربية وأعاد لها شيئاً من رونقها المطموس بما وضعه من الأنغام وأحدثه من أصول الفن.

أدباء العراق

أصاب قطر العراق بعض الخمول غفي أواخر القرن التاسع عشر فلم ينل فيه الشهرة في الكتابة إلا القليلون. هذا إلى انقطاع أخبارهم عنا وندرة المدارس والمطبوعات في تلك الجهات.

وممن اتصلت بنا منظوماته (الملا حسن الموصلي البزاز) اشتهر في أواسط القرن التاسع عشر وتوفي في عشره الأخير. له ديوان شعر طبع بمصر سنة 1305 بهمة تلميذه الحاج محمد شيث الجومرد الموصلي الذي ذيّل الديوان بنبذ من شعره. وقد اتسع حسن البزاز في قصائده بمدح أصحاب الطرائق المتصوفين. ومن شعره ما وصف به اشتداد البرد وسقوط الثلوج في الموصل في أواخر رجب سنة 1277 (كانون الثاني 1861):

تجلى علينا عارضٌ غيرُ مـاطـر

 

ولكنهُ بالـثـلـج عـمَّ نـواحـيا

فأصبحت الخضراء بيضاء قد زهت

 

وعادت رباها والبطاحُ كـواسـيا

وكم بسمات منهُ يدُ البرد والشـتـا

 

بساطاً على وجه البسيطة باهـيا

وكم جبل راس يقولُ مُـفـاخـراً

 

ألم تنظروا وقد عَّمم الثلجُ راسـيا

فقلت به إذ كـان شـاذاً وقـوعـهُ

 

ليذكرهُ من بعدُ من كـان بـاقـيا

غمامٌ مكانـون مـدانـا مـؤرخـاً

 

حبا مصرَنا برداً من الثلج زاهـيا

(1277) ومن ظريف قوله في حبه تعالى وعمل الصالحات لوجههِ عز وجل:

لئن لم يكن في الصالحات مَثُوبةُ

 

وليس على العصيان منهُ عقابُ

إطاعُتُه عنـدي نـعـيمٌ وجـنةٌ

 

وعصيانهُ قبل العذاب عـذابُ

وقال يرثي أخويه علياً ومصطفى:

يكينَ حماماتُ الأراك لغربتي

 

ونحنَ على فقدان ما أنا فاقدُ

لقد غاب عني فرقدٌ بعد فرقدٍ

 

وقد بات عني ماجدُ ثمَّ ماجدُ

وما لي عزاءٌ عنهم غير أنني

 

بهم ملحقٌ يوماً وما أنا خالدُ

ومن أدباء العراقيين (إبراهيم فصيح الحيدري) كان مولده في بغداد سنة 1235 (1820) من بيت علم وفضل وسافر إلى دار الخلافة وحصلت له رتبة الحرمين مدة وتولى نيابة القضاء في بغداد وله بعض التآليف وفيها الغث والسمين توفي سنة 1299 (1881م).

ومنهم السيد (صالح القزويني) هو ابن السيد مهدي الحسيني. ولد في النجف في أواسط شهر رجب 1208 (1793) وبها توفي في 5 ربيع الأول سنة 1301 (أوائل كانون الثاني سنة 1883م انقطع منذ حداثته إلى درس العلوم الدينية والدنيوية على مشايخ وطنه فتضلع منها ثم نبغ بالشعر فقصد القصائد وتعنن في المنظومات. وقد جمع شعره في ديوانين واسعين. وانتقل في شبابه إلى بغداد فوجد بين أهلها أطيب مثوى إلى آخر حياته. فمن شعره قوله في وصف بغداد:

تالله مـا الـزوراء إلا جـنَّة

 

الفردوس فيها وافرُ النعماءِ

ما الترْب إلا عنبرٌ ما الماءُ إلا

 

كوثرُ يَبري عُضـالَ الـداء

وكأن بين رياضها وحسانهـا

 

دررُ على ديباجةِ خضـراء

ومن حكمه قوله:

لم يَشْرَبْ الصفو من لم يشرب الكدرا

 

وليس يَخُطرُ من يركب الخـطـرا

ولم يَفُزْ بالمنـى مـن ذلَّ جـانُـبـهُ

 

ولم يَطُلْ في الورى من باعُهُ قصُرا

أولى الورى بالعُلى من أكْـرَمـهـا

 

كفاً وأشرَفـهـا ذكـرا إذا ذُكـرا

جردْ لنيل المعالي صـارمـاً ذكـراً

 

من العزائم يبري الصارمَ الـذكـرا

ومُدَّ كفاً إلى الـعـلـياء بـاسـطةً

 

لمجد بُرْداً بطَي البيدِ مـنـتـشـرا

شمر من اعـزم أذيالاً وكـن رجـلاً

 

بالحزم يَملأ سماعَ الدهِر والبصـرا

ومنهم (الشيخ إسماعيل الموصلي) ولد في الموصل وجاء إلى بغداد في أبان شبابه ودرس في مدرسة الصاغة عدة سنن حتى وفاته في 28 ذي الحجة سنة 1302 (1884) حنفي المذهب على الطريقة النقشبندية. وكان إماماً في العلوم اللدنية وبرز في النحو وفي الفنون النقلية والعقلية. وقد أعقب جملة من الأبناء كلهم من طلبة العلم أكبرهم محمد راغب خلف أباه في التدريس. ولأحمد فارس الشدياق قصيدة يمدح فيها الشيخ إبراهيم ويثني على معارفه منها:

كل ما لذهم فذلـك عـنـدي

 

ألمٌ غير ذكر إبـراهـيمـا

عبقريٌ مهذبٌ قد حوى فـي

 

صدرهِ قبل أن يشبَّ العلوما

ولهذا يُدعى فصيحاً وقد جـا

 

ء وأجاد المنثورَ والمنظوما

وقوافٍ من كل بحرٍ إذا مـا

 

سُردت خلتهنَّ دراً نظيمـا

عن أبيه وجده مستـفـيضٌ

 

كلُّ فضلٍ فكان إرثاً مقيما

ومنها في شكر الشيخ لمدافعته عنه وانتصاره له:

رد عني السنيةَ بالنظم والنثر م

 

فكانا لذا الرجيم رجـومـا

علم الناس إبرهـيمَ خـلـيلاً

 

وصديقاً لي أن دعوت حميما

هذه مدحتي فإن كنت قصـر

 

تُ فإني مدحتُ براً حليمـا

ومنهم (عبد الله أفندي العمري الموصلي) من أدباء وطنه المعدودين وأحد رؤساء علماء العراق. له فضول نثرية وأشعار متفرقة لم تجمع حتى اليوم وقد مدحه علماء زمانه منهم عبد الباقي العمري نسيبه حيث قال:

ليت شعري ماذا أقول بمولـى

 

قد أقرَّت بفـضـاء الأعـداءُ

فيه قرَّت عيونُنا واسـتـنـارت

 

وازدهت في وروده الخضراءُ

يا أديباً سما سماءً المـعـالـي

 

كيف ترقى رُقيَّتـك الأدبـاءُ

نلتَ حدَّ الإعجاز نظماً لـهـذا

 

خرستْ دون نطقك الفصحاءُ

أنت يا سـيدي بـغـير رثـاء

 

خُتمَ النظمُ فـيك والإنـشـاء

ورثاء حسن البزاز فقال من قصيدة:

قضى الحبرُ الذي للعلم جـبـرٌ

 

به فرجاء أهل الـعـلـم يأس

كفى ما قد جرى إن غاض بحرٌ

 

وغابت من سماء المجد شمس

أساء الموتُ فيهِ كـل نـفـسٍ

 

وطابت منهُ في الفردوس نفسُ

هو التاج الشهير بكل فـضـلٍ

 

تباهى فيه لـلـعـلـياءِ رأسُ

كأن المـوت نـقَّـاد بـصـيرُ

 

أحسَّ بما يحاولُ منـهُ حـسُّ

تفرَّد فانتـقـى مـنـا نـقـيًّا

 

تحسَّرَ بعدهُ عـربٌ وفٌـرْسُ

جارى عبد الله أفندي العمري في معارفه وبلاغة كتاباته (شهاب الدين العلوي) أحد رجال وطنه المقدمين يعده العراقيون كفارس حلبة الآداب في زمانه. له ديوان شعر لم ينشر بالطبع وكان يكاتب علماء عصره ويناوبهم الرسائل الأدبية والقصائد الرنانة ومن شعره الذي قاله في الوصف قصيدته التي رويناها في المشرق (740:10) يصف فيها طغيان دجلة أولها:

طغيان دجلة خطـبٌ

 

من الخطوب المخلةْ

ومن شعره أبيات قالها في مدح مقامات مجمع البحرين للشيخ ناصيف اليازجي:

حديقة أثمرتْ أوراقُـهـا حـكـمـاً

 

لنا شماريخُها امتدَّت وقـد ينـعـتْ

فمن يشأ يتفكه فـي مـنـاقـبـهـا

 

ومن يشأ يتفقهْ بـالـذي شـرعـتْ

طالع تُقابلك مهـاه الـزمـان بـهـا

 

وانظر إلى صورة الدنيا وقد نصعتْ

كم أودعت نبذ اللسـع قـد عـذُبـت

 

ورداً ومن قلب ذاك الصدر قد نبعت

على الكمالات طبعُ اللطف أرخـهـا

 

لطفاً مقاماتُ ناصيف التي طبعـت

(1885) وله قصيدة في رثاء السيد الجليل اقليميس يوسف داود رئيس أساقفة دمشق على السريان سنة 1890 أولها:

من قوم عيسى جانبٌ تهدمـا

 

والدهرُ قد نكس منهُ علمـا

حطبٌ جسيم ومصابٌ عظما

 

بموت من أبكى عليه الأمما

قد فقدوا منه حكيماً حكـمـا

 

وكان ذا علم بطب الحركا

وممن مدح الشيخ شهاب الموصلي صاحب الجوائب فقال فيه من أبيات:

شهابُ العصر خلاقُ المعاني

 

فهل من ذاكر للأرجانـي

عزيز الشأن تفتخر المعانـي

 

به فخر المعالي والمعاني

ولعمرك أن ما يلقـيه قـولاً

 

ليمسكي ما ينمق بالبـنـانِ

فذاك الدرٌّ للأسماعِ حـلـيٌ

 

وهذا الشذرُ نورٌ للـعـيانِ

وصفتُ حلاهُ عن بُعدٍ كأنـي

 

أراهُ في علاهُ على التداني

ولا نعلم سنة توفي الشهاب الموصلي. كما أننا لم نقف على تفاصيل أخباره.

ونلحق بشعراء العراق ذكر كاتبين آخرين اشتهروا في الهند أحدهما (السيد صديق حسن خان) وهو أبو الطيب القنوجي البخاري ولد سنة 1248 (1834) في قنوج واتصل بخدمة ملوك الهند خان بهادر وأفاد مالاً كثيراً حتى تزوج بملكة بهوبال في الإقليم الهندي المسمى دكان وجمع مكتبة واسعة واشتغل بالعلم ونشر عدة مصنفات زعم البعض أنها ليست له وإنما كلف العلماء بتصنيفها فعزاها لنفسه كفتح البيان في مقاصد القرآن وكتاب العبرة مما جاء في الغزو والشهادة والهجرة والبلغة في أصول اللغة والعلم الخفاق في الاشتقاق ولف القماط على تصحيح بعض ما استلمته العامة من المعرب والدخيل والمولد والأغلاط وكتاب أبجد العلوم. وقد جمع في كتاب دعاه قرة الأعيان ومسرة الأذهان ما أثنى به عليه أدباء الزمان. توفي صديق حسن خان سنة 1889 بعد أن تجول في البلاد وصارت له سمعة واسعة.

والأديب الثاني هو السيد (حيدر الحلي) ولد سنة 1246 (1831) وتوفي سنة 1304 (1887) برز بنظم الشعر منذ شبابه فدعي بشاعر العراق. طبع له ديوان في بمباي في الهند معظم قصائده في النسيب والفخر والمديح. وهذه أبيات من محاسن قوله في الرثاء:

أأحبابنـا هـل عـائدٌ بـكـمٌ الـدهـرٌ

 

طواكم وعندي من شمائلكـم نـشـرُ

سلامُ على تلك الـمـحـاسـن أنـهـا

 

مضى فمضى في إثرها الزمنُ النضرُ

ليَ الله بعد اليوم من لـي بـقُـربـكـم

 

وأبعدُ غاد من أتـى دونـه الـقـبـرُ

قفـوا زَودونـا إنـمـا هـي سـاعةٌ

 

ووعدُ التلاقي بيننا بعدها الـحـشـر

رحلتم وقلبي شطُرهُ في ظـعـونـكـم

 

وللوجدُ باقٍ منه في أضلعي شـطـرُ

وشيعـتُـكـم والـدمـعُ يوم نـواكـمُ

 

غريقان فيه خلفَكم أنـا والـصـبـرُ

فكم خَلفَكم لي أنـه مـا لـوتْ بـكـم

 

على أنها قد لان شجوّا لها الصـخـرُ

سأبكيكم ما ناحَ فـي الـوكـر طـائرٌ

 

فطائرُ قلبي بعدكـم مـا لـهُ وكـرُ

وقال يمدح صرعى العلويين:

سقياً لثاوين لم تبللْ مضـاجـعـهـم

 

إلا الدماءُ وإلا الأدمـعُ الـسُّـجُـمُ

أفناهمُ صبرُهم تحت الظُّبـا كـرمـاً

 

حتى مضَوا ورِداهم مِـلـوه كـرَمُ

مشَوا إلى الحرب مشَيَ الضاريات لها

 

فصارَعوا الموتَ فيها والقنـا أجُـمُ

فالحربُ تعلمُ إن ماتوا بهـا فَـلَـقـدْ

 

ماتَتْ بها منهم الأسيافْ إلا الهمـمُ

عهدي بهم قِصَرُ الأعمارِ شأنُهُم

 

لا يهرَمونَ وللهيّابةِ الـهَـرَمُ

         

واشتهر كذلك في العراق السيد (جعفر الحلي) المولود في أعمال الحلة سنة 1277 والمتوفى في عز شبابه في النجف سنة 1315 (1860 - 1897). كان شاعراً مكثراً في شعره الحسن والسقيم وقد طبع في شعره في صيداء سنة 1331 مدح أشراف القوم وخصوصاً أمراء نجد. ومن لطيف قوله يهنئ شاه العجم مظفر الدين بعد قتل سلفه ناصر الدين:

حل المظفر لما الناصـرُ ارتـحـلا

 

فما خلا الدستُ حتى قيل فيه حلا

وجه تخفَّى ووجـهُ بـان رونـقـه

 

كالـنـيرَين بـدا هـذا وذا أفـلا

نحسٌ وسعدٌ بآفاق العلى اعتـركـا

 

فالحمدُ لله إذ نجم السـعـودِ عـلا

مالت جوانبُ تختِ الملك واعتدلـتْ

 

سرعان ما مال تختُ الملك واعتدلا

ما جرَّعَ الدين صاباً فقـدُ نـاصـره

 

حتى دعاه ابنهُ أن يحتسي العسـلا

كذي يَدين أمـد الـلـهُ واحـــدةً

 

بقوةِ البطش والأخرى التوت شللا

فسلم الـلـه لـلإسـلام حـارسـهُ

 

ويرحمِ الله من في نصره قـتـلا

قام الزمان سريعاً مـن تـعـشَّـره

 

كبا على وجهه ثم استوى عَـجَـلا

لقد بكينا على من قد مضى حـزنـاً

 

كما ضحكنا بمن أبقى لنـا جـذلا

ومن شعراء العراق في أواخر القرن التاسع عشر (الشيخ ملا كاظم الأوزي) تفنن أيضاً في الشعر فعد من فحوله ونشر ديوانه في بمباي. ومما استحسنا له من الحكم قوله:

إن رُمتَ توطئةَ المـرامِ الأصـعـبِ

 

فاركَبْ من الإقدامِ اخشنَ مـركَـبِ

إربا بنفـسـك أن تَـذُودك شـهـوةٌ

 

دون انتصابِكَ فوق أشرفِ منصـبِ

لا تكثرنّ مـن الـشـبـاب وذكـرهِ

 

أنت ابنْ يوْمك لا ابنُ ماضي الأحقبُ

ومنها:

كم من أخٍ لك غير أُمك أمـهُ

 

تُنسيك سيرتهُ إخاء الّمئنَسـبْ

من لم تُؤذَيه خلائقُ طـبـعـهِ

 

ألفيتهُ بالسيف غـيرَ مـؤدَّب

فأحذر عداواتِ الرجال ودارها

 

إن لم تكن جَدَّتْ لديك فرِّحبِ

وافطنْ لأدويةِ الأمور فإنـمـا

 

سمٌُّ الأفاعي غيرْ سمّ العَقْربِ

وإذا تنكبُهُ من مـكـان ريحُـهُ

 

فتخط منهُ إلى المكانِ الأطيبِ

وفي هذه الحقبة أزهر في مكة شيخ علمائها (أحمد بن زيني المعروف بدحلان) ولد في حاضرة الحجاز وتولى الإفتاء للشافعيين واشتغل بالعلوم مدة وفي زمانه أنشئت في مكة أول مطابعها فكان السيد دحلان متولياً نظارتها ونشر فيها تآليف من قلمه كالجداول المرضية في تاريخ الدول الإسلامية وكتاب الفتوحات الإسلامية في جزأين كبيرين. وكان طبع في مصر قبل ذلك كتباً أخرى كالسيرة النبوية والفتح المبين في فضائل الخلفاء الراشدين وخلاصة الكلام في بيان أمراء البلد الحرام طبعه في مصر ثم أضاف إليه ملحقاً طبعه في مكة. توفي الشيخ دحلان سنة 1886 في المدينة بعد أن سار إليها في رفقة الشيخ عون الرفيق لما خرج هذا من وجه حاكمها عثمان باشا.

ونختم هذا الفضل في أدباء المسلمين بذكر أحد مشاهير رجال الدولة التركية الذي رفع في أمته لواء الآداب فضلاً عما أحرزه من المجد في تدبير الأمور وحسن السياسة نعني به الوزير الخطير (أحمد جودت باشا). ولد في لوفجة في ولاية الطونة سنة 1238 (1822) وانكب منذ حداثته على درس العلوم الدينية والدنيوية وبرع في اللغتين الفارسية والعربية فضلاً عن لغته التركية. وليس من غايتنا أن نتقفى آثار المترجم في المأموريات التي تولاها والمناصب التي تقلب فيها في كل الدواوين منها الأحكام العدلية ونظارة المعارف إلى أن بلغ رتبة الوزارة السامية وانتظم في سلك شورى الدولة. وإنما نكتفي بذكر مؤلفاته فأعظمها شأناً تاريخه لآل عثمان في تسعة مجلدات عرب جزؤه الأول جناب عبد القادر أفندي الدنا فطبعه في بيروت سنة 1308. وله رسائل عربية وتعليقات. ونقلاً قسماً من مقدمة ابن خلدون إلى التركية وصنف عدة كتب مدرسية للأحداث ظهر بعضها في العربية. وكان جودت باشا أحد الأتراك القليلين الذين بلغوا من آداب العرب مبلغاً واسعاً. أما معارفه في اللغة التركية فيعد فيها إماماً وحجة. كانت وفاتته سنة 1312 (1894). ومن أدباء الإسلام في تونس (الشيخ محمد بيرم) ولد فيها سنة 1256 وتوفي في مصر سنة 1307 (1840 - 1889) تقلب في بلاده في المناصب الخطيرة كنظارة الطابع ونظارة الأوقاف وقد لعب دوراً مهماً في مناهضة الحكم الاستبدادي في وطنه وعضد الشورى إلا أن آماله خابت بعد فرنسة سيطرتها على بلاد تونس فانتقل إلى مصر وخدم فيها السياسة الإنكليزية وولي القضاء في محكمتها الابتدائية. وله آثار أدبية أخطرها كتابه صفوة الأخبار بمستودع الأمطار ضمه تاريخ تونس وأخبار سياحاته في أنحاء أوربا. وله رد على بيتان في ما كتبه عن الإسلام وكتاب في فن العروض ومقالات اجتماعية حاول فيها بيان طرق إصلاح الإسلام وتقريبهم من عوامل التمدن الحديث.