الجزء الأول - كتاب الجمانة في الوفود - وفود العتابي على المأمون

وفود العتابي على المأمون

الشيباني قال‏:‏ كان كلثوم العتابي أيام هارون الرشيد في ناحية المأمون فلما خرج إلى خراسان شيعه إلى قومس حتى وقف على سنداد كسرى فلما حاول وداعه قال له المأمون‏:‏ لا تدع زيارتنا إن كان لنا من هذا الأمر شيء‏.‏

فلما أفضت الخلافة إلى المأمون وفد إليه العتابي زائراً فحجب عنه فتعرض ليحيى بن أكثم فقال‏:‏ أيها القاضي إن رأيت أن تذكر بي أمير المؤمنين فقال له يحيى‏:‏ ما أنا بالحاجب قال له‏:‏ قد علمت ولكنك ذو فضل وذو الفضل معوان‏.‏

فدخل على المأمون فقال‏:‏ يا أمير المؤمنين أجرني من العتابي ولسانه فلم يأذن له وشغل عنه فلما رأى العتابي جفاءه قد تمادى كتب إليه‏:‏ ما على ذاكنا افترقنا بسندا دولا هكذا رأينا الإخاء تضرب الناس بالمثقفة السم ر على غدرهم وتنسى الوفاء فلما قرأ أبياته دعا به فلما دنا منه سلم بالخلافة ووقف بين يديه فقال‏:‏ يا عتابي بلغتنا وفاتك فغمتنا ثم انتهت إلينا وفادتك فسرننا فقال‏:‏ يا أمير المؤمنين لو قسم هذا البر على أهل منى وعرفات لوسعهم فإنه لا دين إلا بك ولا دنيا إلا معك قال‏:‏ سل حاجتك قال‏:‏ يدك بالعطية أطلق من لساني بالمسألة‏.‏

فأحسن جائزته وانصرف وفود أبي عثمان المازني على الواثق أبو عثمان بكر بن محمد قال‏:‏ وفدت على الواثق فلما دخلت وسلمت قال‏:‏ هل خليت وراءك أحداً يهمك أمره قلت‏:‏ أخية لي ربيتها فكأنها بنتي قال‏:‏ ليس شعري‏!‏ ما قالت حين فارقتها قلت‏:‏ أنشدتني قول الأعشى‏:‏ تقول ابنتي يوم جد الرحيل أرانا سواء ومن قد يتم أبانا فلا رمت من عندنا فإنا نخاف بأن تخترم أرانا إذا أضمرتك البلا د نجفى وتقطع منا الرحم ثقي بالله ليس له شريك ومن عنده الخليفة بالنجاح قال‏:‏ أتاك النجاح وأمر له بعشرة آلاف درهم‏.‏

ثم قال‏:‏ حدثني حديثاً ترويه عن أبي مهدية مستظرفاً قلت‏:‏ يا أمير المؤمنين حدثني الأصمعي قال‏:‏ قال لي أبو مهدية‏:‏ بلغني أن الأعراب والأعزاب سواء في الهجاء قلت‏:‏ نعم قال‏:‏ فاقرأ‏:‏ الأعراب أشد كفراً ونفاقاً ولا تقرأ الأعراب ولا يغرنك العزب وإن صام وصلى‏.‏

فضحك الواثق حتى شغر رجله وقال‏:‏ لقد لقي أبو مهدية من العزبة شراً وأمر له بخمسمائة دينار‏.‏