امرؤ القيس

500م -540م

 هو الشاعر الجاهلي امرؤ القيس بن حجر الكندي ملك بني أسد. ولد في نجد، وفيها نشأ ميّالاً للترف واللّهو، شأن أولاد الملوك. نظم الشعر فتياً وكان يتهتّك في غزله ويفحش في سرد قصصه الغرامية، فغضب عليه أبوه ونهاه عن ذلك. ثم طرده حين لم يرتدع عن غوايته، فراح يطوف أحياء العرب في جماعة من أصحابه، يصطاد ويشرب الخمر ويصغي إلى القيان، إلى أن بلغه مقتل والده فهجر حياة اللهو، وشرع يستعد للأخذ بالثأر واستعادة الملك متنقّلا بين القبائل، يدعوها إلى مناصرته فلم تنصره إلا قليلاً.

 

عندما بلغه مصرع أبيه، قال: "طردني أبي صغيراً وحمّلني دمه كبيرًا... لا صحوة اليوم ولا سكر غدًا. اليوم خمر وغداً أمر".

 

سافر إلى بلاد الروم يستنجد بـيوستنيانوس قيصر على أعدائه، لكنه أُصيب بمرضٍ قضى عليه، بعد أن تقرّح جسمه فعُرِف بذي القروح، كما لُقّب بالملك الضِلّيل.

 

امرؤ القيس من أصحاب المعلقات في الجاهلية، ويُعتَبر مؤسس مدرسة الوقوف على الأطلال التي اتّبعها شعراء الجاهلية وشعراء صدر الإسلام. ومطلع معلقته:

 

قفا نبك من ذكرى حبيبٍ ومنزل                بسِقط اللِّوى بين الدَّخولِ فَحَومَلِ

 

وقد سبق امرؤ القيس شعراء عصره في أنه أوّل من بكى واستبكى، ومَن أبدع في وصف الجواد. وهو أوّل من شبه قرون الماعز بالعصيّ: "كأن قرون جلَّتها العصيّ". وهو رائد في الأقصوصة الغزلية الإباحية التي بثّها في قصائده؛ وقد قيل فيه: "بُدئ الشعر بملك وانتهى بملك"، إشارة إليه وإلى أبي فراس الحمداني.

 

جاء في كتاب "الأغاني" لأبي الفرج الأصفهاني: ((نسبه من قبل أبويه: قال الأصمعي: هو أمرؤ القيس بن حجر بن الحارث بن عمر وبن حجر آكل المرار بن معاوية بن ثور وهو كندة. وقال ابن الأعرابي: هو أمرؤ القيس بن حجر بن عمرو ابن معاوية بن الحارث بن ثور وهو كندة. وقال محمد بن حبيب: هو أمرؤ القيس بن حجر بن الحارث الملك بن عمرو بن حجر آكل المرار بن عمرو بن معاوية بن الحارث بن يعرب بن ثور بن مرتع بن معاوية بن كندة. وقال بعض الرواة: هو أمرؤ القيس بن السمط بن أمرئ القيس بن عمرو بن معاوية بن ثور وهو كندة. وقالوا جميعاً: كندة هو كندة بن عفير بن عدي بن الحارث بن مرة بن أدد بن زيد بن يشجب بن عريب بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان بن عابر بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح. وقال ابن الأعرابي: ثور هو كندة بن مرتع بن عفير بن الحارث بن مرة بن عدي بن أدد ابن زيد بن عمرو بن مسمع بن عريب بن عمرو بن زيد بن كهلال.

 

وأم أمرئ القيس فاطمة بنت ربيعة بن الحارث بن زهير أخت كليب ومهلهل ابني ربيعة التغلبيين. وقال من زعم أنه أمرؤ القيس بن السمط: أمه تملك بنت عمرو بن زبيد بن مذحج رهط عمرو بن معد يكرب.

 

قال من ذكر هذا وأمه تملك: قد ذكر ذلك امرؤ القيس في شعره فقال:

 

ألا هل أتاها والحوادث جـمةٌ

 

بأن امرأ القيس بن تملك بيقرا

بيقر أي جاء العراق والحضر. ويقال: بيقر الرجل إذا هاجر. وقال يعقوب بن السكيت: أم حجر أبي امرئ القيس أم قطام بنت سلمى امرأةٌ من عنزة.

 

كنيته ولقبه: ويكنى امرؤ القيس، على ما ذكره أبو عبيدة، أبا الحارث. وقال غيره: يكنى أبا وهب. وكان يقال له الملك الضليل، وقيل له أيضاً ذو القروح وإياها عنى الفرزدق بقوله:

 

وهب القصائد لي النوابغ إذ مضوا

 

وأبو زيد وذو القروح وجـرول

يعني بأبي يزيد المخبل السعدي، وجرول الحطيئة.

 

مولده ومنزله: قال: وولد ببلاد بني أسد. وقال ابن حبيب: كان ينزل المشقر من اليمامة. ويقال: بل كان ينزل في حصن بالبحرين.

وقال جميع من ذكرنا من الرواة: إنما سمي كندة لأنه كند أباه أي عقه. وسمي مرتعٌ بذلك لأنه كن يجعل لمن أتاه من قومه مرتعاً له ولماشيته. وسمي حجرٌ آكل المرار بذلك لأنه لما أتاه الخبر بأن الحارث بن جبلة كان نائماً في حجر امرأته هند وهي تفليه جعل يأكل المرار " وهو نبت شديد المرارة " من الغيظ وهو لا يدري. ويقال: بل قلت هند للحارث وقد سألها: ما ترين حجراً فاعلاً؟ قالت: كأنك به قد أدركك الخيل وهو كأنه بعيرٌ قد أكل المرار.

 

قال: وسمي عمرو المقصور لأنه قد قصر على ملك أبيه أي أقعد فيه كرهاً.

 

قصة جده الحارث بن عمرو مع قباذ وابنه أنو شروان: أخبرني بخبره، على ما قد سقته ونظمته. أحمد بن عبد العزيز الجوهري قال حدثنا عمر بن شبة ولم يتجاوزه، وروى بعضه عن علي بن الصباح بن هاشم بن الكلبي، وأخبرنا الحسن بن علي قال حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه، قال حدثنا عبد الله بن أبي سعد عن علي بن الصباح عن هشام بن الكلبي، قال ابن أبي سعد وأخبرني دارم بن عقال بن حبيب الغساني أحد ولد السموأل بن عادياء عن أشياخه، وأخبرنا إبراهيم بن أيوب عن ابن قتيبة، وأخبرني محمد بن العباس اليزيدي قال حدثني عمي يوسف عن عمه إسماعيل ،وأضفت إلى ذلك رواية ابن الكلبي مما لم أسمعه من أحد ورواية الهيثم بن عدي ويعقوب بن السكيت والأثرم وغيرهم، لما في ذلك من الاختلاف، ونسبت رواية كل راوٍ إذا خالف رواية غيره إليه، قالوا: كان عمر بن حجر وهو المقصود ملكاً بعد أبيه، وكان أخوه معاوية وهو الجون على اليمامة، وأمهما شعبة بنت أبي معاهر بن حسان بن عمرو بن تبع. ولما مات ملك بعده ابنه الحارث، وكان شديد الملك بعيد الصيت. ولما ملك قباذ بن فيروز خرج في أيام ملكه رجل يقال له مزدك فدعا الناس إلى الزندقة وإباحة الحرم وألا يمنع أحد منهم أخاه ما يريده من ذلك. وكان المنذر بن ماء السماء يومئذ عاملاً على الحيرة ونواحيها. فدعاه قباز إلى الدخول معه في ذلك فأبى. فدعا الحارث بن عمرو فأجابه؛ فشدد له ملكه وأطرد المنذر عن مملكته وغلب على ملكه. وكانت أم أنو شروان بين يدي قباذ يوماً، فدخل عليه مزدك. فلما رأى أم أنو شروان قال القباذ: ادفعها لي لأقضي حاجتي منها؛ فقال: دونكها. فوثب إليه أنو شروان فلم يزل يسأله ويضرع إليه أن يهب له أمه حتى قبل رجله فتركها له؛ فكانت تلك في نفسه. فهلك قباذ على تلك الحال، وملك أنو شروان فجلس في مجلس الملك. وبلغ المنذر هلاك قباذ فأقبل إلى أنو شروان وقد علم خلافه على أبيه فيما كانوا دخلوا فيه. فأذن أنو شروان للناس، فدخل عليه مزدك ثم دخل عليه المنذر. فقال أنو شروان: إني كنت تمنيت أمنيتين أرجو أن يكون الله قد جمعهما لي. فقال مزدك: وما هما أيها الملك؟ قال: تمنيت أن أملك فأستعمل هذا الرجل الشريف يعني المنذر وأن أقتل هؤلاء الزنادقة. فقال له مزدك: أو تستطيع أن تقتل الناس كلهم ؟! قال: إنك لها هنا يأبن الزانية ! والله ما ذهب نتن ريح جوربك من أنفي منذ قبلت رجلك إلى يومي هذا ! وأمر به فقتل وصلب، وأمر بقتل الزنادقة فقتل منهم ما بين جازر إلى النهروان إلى المدائن في ضحوة واحدة مائة ألف زنديق وصلبهم؛ وسمي يومئذ أنو شروان. وطلب أنو شروان الحارث بن عمرو؛ فبلغه ذلك وهو بالأنبار، وكان بها منزله - وإنما سميت الأنبار لأنه كان يكون بها أهراء الطعام وهي الأنابير - فخرج هارباً في هجائنه وماله وولده فمر باللثوية ؛ وتبعه المنذر بالخيل من تغلب وبهراء وإيادٍ، فلحق بأرض كلب فنجا، وانتهبوا ماله وهجائنه. وأخذت بنو تغلب ثمانيةً وأربعين نفساً من بني آكل المرار؛ فقدم بهم على المنذر فضرب رقابهم بحفر الأملاك في ديار بني مرينا العباديين بين دير هند والكوفة. فذلك قول عمرو بن كلثوم:

 

فآبوا بالنهاب والسبـايا

 

وأبنا بالملوك مصفدينا

وفيهم يقول امرؤ القيس:

 

ملوكٌ من بني حجر بن عمرو

 

يساقون العشية يقـتـلـونـا

فلو في يوم معركةٍ أصيبـوا

 

ولكن في ديار بني مـرينـا

ولم تغسل جماجمهم بغـسـل

 

ولكن في الدماء مرملـينـا

تظل الطير عاكفةً علـيهـم

 

وتنتزع الحواجب والعـيونـا

 

قالوا: ومضى الحارث فأقام بأرض كلب. فكلب يزعمون أنهم قتلوه. وعلماء كندة تزعم أنه خرج إلى الصيد فألظ بتيس من الظباء فأعجزه، فآلا أليةً ألا يأكل أولاً إلا من كبده. فطلبته الخيل ثلاثاً فأتي بعد ثالثة وقد هلك جوعاً، فشوي له بطنه، فتناول فلذةً من كبده فأكلها حارة فمات. وفي ذلك يقول الوليد بن عدي الكندي في أحد بني بجيلة:

 

فشووا فكان شواؤهم خبطاً له

 

إن المنية لا تجـل جـلـيلا

 

وزعم ابن قتيبة أن أهل اليمن يزعمون أن قباذ بن فيروز لم يملك الحارث بن عمرو وأن تبعاً الأخير هو الذي ملكه. قال: ولما أقبل المنذر إلى الحيرة هرب الحارث وتبعته خيلٌ فقتلت ابنه عمراً وقتلوا ابنه مالكاً بهيت. وصار الحارث إلى مسحلان فقتلته كلب. وزعم غير ابن القتيبة أنه مكث فيهم حتى مات حتف أنفه.

 

الحارث بن عمرو وتمليكه أولاده على قبائل العرب: وقال الهيثم بن عدي حدثني حماد الراوية عن سعيد بن عمرو بن سعيد عن سعية بن عريض من يهود تيماء قال: لما قتل الحارث بن أبي شمر الغساني عمرو بن حجر ملك بعده ابنه الحارث بن عمرو، وأمه بنت عوف بن محلم بن ذهل بن شيبان ونزل الحيرة. فلما تفاسدت القبائل من نزار أتاه أشرافهم فقالوا: إنا في دينك ونحن نخاف أن نتفانى فيما يحدث بيننا، فوجه معنا بنيك ينزلون فينا فيكفون بعضنا عن بعض. ففرق ولده في قبائل العرب، فملك ابنه حجراً على بني أسدٍ وغطفان وملك ابنه شرحبيل قتيل يوم الكلاب على بكر بن وائل بأسرها وبني حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم والرباب. وملك ابنه معد يكرب وهو غلفاء " سمي بذلك لأنه كان يغلف رأسه " على بني تغلب والنمر بن قاسط وسعد بن زيد مناة وطوائف من بني دارم " بن مالك " بن حنظلة والصنائع وهم بنو رقية قوم كانوا يكونون مع الملوك من شذاذ العرب. وملك ابنه عبد الله على عبد القيس، وملك ابنه سلمة على قيس.

 

مقتل حجر أبي امرئ القيس: وقال ابن الكلبي حدثني أبي: أن حجراً كان في بني أسد، وكانت له عليهم إتاوة في كل سنة مؤقتة؛ فغبر ذلك دهراً. ثم بعث إليهم جابيه الذي كان يجبيهم، فمنعوه ذلك وحجرٌ يومئذ بتهامة - وضربوا رسله وضرجوهم ضرجاً شديداً قبيحاً. فبلغ ذلك حجراً؛ فسار إليهم بجند من ربيعة وجند من جند أخيه من قيس وكنانة، فأتاهم وأخذ سراتهم، فجعل يقتلهم بالعصا - فسموا عبيد العصا - وأباح الأموال، وصيرهم إلى تهامة وآلى بالله ألا يساكنوهم في بلد أبداً، وحبس منهم عمرو بن مسعود بن كندة بن فزارة الأسدي وكان سيداً، وعبيد بن الأبرص الشاعر. فسارت بنو أسد ثلاثاً. ثم إن عبيد بنم الأبرص قام فقال: أيها الملك اسمع مقالتي:

 

يا عين فابكي مـا بـنـي

 

أسدٍ فهم أهل الـنـدامـه

أهل القباب الحمر والـن

 

عم المؤبل والـمـدامـه

وذوي الـجـياد الـجـرد

 

والأسل المثقفة المقامـه

حلاً أبـيت الـلـعـــن

 

حلا إن فيما قلـت آمـه

في كـل وادٍ بـــين يث

 

رب فالقصور إلى اليمامه

تطـريب عـانٍ أوصـيا

 

ح محرقٍ أو صوت هامه

ومنعتهـم نـجـداً فـقـد

 

حلوا على وجلٍ تهـامـه

برمت بنـو أسـدٍ كـمـا

 

برمت ببيضتها الحمامـه

جعلت لهـا عـودين مـن

 

نشيمٍ وآخر من ثمـامـه

إما تركت تركـت عـف

 

واً أو قتلت فلا مـلامـه

أنت المـلـيك عـلـيهـم

 

وهم العبيد إلى القـيامـه

ذلوا لسوطك مـثـل مـا

 

ذل الأشقر ذو الخزامـه

 

قال: فرق لهم حجر حين سمع قوله، فبعث في أثرهم فأقبلوا. حتى إذا كانوا على مسيرة يوم من تهامة تكهن كاهنهم، وهو عوف بن ربيعة بن سواده بن سعد بن مالك بن ثعلبة بن دودان بن أسد بن خزيمة، فقال لبني أسد: يا عبادي ! قالوا لبيك ربنا. قال: من الملك الأصهب، الغلاب غير المغلب، في الإبل كأنها الربرب، لا يعلق رأسه الصخب، هذا دمه ينعثب ، وهذا غداً أول من يسلب. قالوا: من هو يا ربنا؟ قال: لولا أن تجيش نفسٌ جأشيه، لأخبرتكم أنه حجر ضاحية. فركبوا كل صعب وذلول، فما أشرق لهم النهار حتى أتو على عسكر حجر فهجموا على قبته وكان حجابه من بني الحارث بن سعد يقال لهم بنو خدان بن خنثر منهم معاوية بن الحارث وشبيب ورقية ومالك وحبيب، وكان حجر قد اعتق أباهم من القتل. فلما نظروا إلى القوم يريدون قتله خيموا عليه ليمنعوه ويجيروه. فاقبل عليهم علباء بن الحارث الكاهلي، وكان حجر قد قتل أباه، فطعنه من خللهم فأصاب نساه فقتله.

 

فلما قتلوه قالت بنو أسد: يا معشر كنانة وقيس، أنتم إخواننا وبنو عمنا، والرجل بعيد النسب منا ومنكم، وقد رأيتم ما كان يصنع بكم هو وقومه. فانتهبوهم فشدوا على هجائنه فمزقوها ولفوه في ريطة بيضاء وطرحوه على ظهر الطريق. فلما رأته قيس وكنانة انتهبوا أسلابه. ووثب عمرو بن مسعود فضم عياله وقال: أنا لهم جارٌ قال ابن الكلبي: وعدة قبائل من أسد يدعون قتل حجر ويقولون: إن علباء كان الساعي في قتله وصاحب المشورة ولم يقتله هو.

 

قال ابن حبيب: خدان في بني أسد وخدان في بني تميم وفي بني جديلة بالخاء المفتوحة، وخدان مضمومة في الأزد، وليس في العرب غير هؤلاء.

 

قال أبو عمرو الشيباني: بل كان حجر لما خاف من بني أسد استجار عوير بن شجنة أحد بني عطارد بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم لبنته هند بنت حجر وعياله. وقال لبني أسد لما كثروه: أما إذا كان هذا شأنكم فإني مرتحل عنكم ومخليكم وشأنكم؛ فواعدوه على ذلك. ومال على خالد بن خدان أحد بني سعد بن ثعلبة. فأدركه علباء بن الحارث أحد بني كاهل فقال: يا خالد اقتل صاحبك لا يفلت فيعرك وإيانا بشر، فامتنع خالد. ومر علباء بقصدة رمح مكسورة فيها سنانها، فطعن بها في خاصرة حجر وهو غافل فقتله. ففي ذلك يقول الأسدي:

 

وقصدة علباء بن قيس بن كاهلٍ

 

منية حجر في جوار ابن خدان

 

وذكر الهيثم بن عدي أن حجراً لما استجار عوير بن شجنة لبنيه وقطينه تحول عنهم فأقام في قومه مدةً، وجمع لبني أسد جمعاً عظيماً من قومه وأقبل مدلاً بمن معه من الجنود. فتآمرت بنو أسد بينها وقالوا: والله لئن قهركم هذا ليحكمن عليكم حكم الصبي! فما خير عيش يكون بعد قهر وأنتم بحمد الله أشد العرب! فموتوا كراماً.

 

فساروا إلى حجر وقد ارتحل نحوهم فلقوه فاقتتلوا قتالاً شديداً. وكان صاحب أمرهم علباء بن الحارث، فحمل على حجر فطعنه فقتله، وانهزمت كندة وفيهم يومئذ امرؤ القيس فهرب على فرس له شقراء وأعجزهم، وأسروا من أهل بيته رجالاً وقتلوا وملئوا أيديهم من الغنائم، وأخذوا جواري حجر ونساءه وما كان معه من شيء فاقتسموه بينهم. وقال يعقوب بن السكيت حدثني خالد الكربي قال: كان سبب قتل حجر أنه كان وفد إلى أبيه الحارث بن عمرو في مرضه الذي مات فيه وأقام عنده حتى هلك، ثم أقبل راجعاً إلى بني أسد وقد كان أغار عليهم في النساء وأساء ولايته، وكان يقدم بعض ثقله أمامه ويهيأ نزله ثم يجيء وقد هيأ له من ذلك ما يعجبه فينزل، ويقدم مثل ذلك إلى ما بين يديه من المنازل فيضرب له في المنزلة الأخرى. فلما دنا من بلاد بني أسد وقد بلغهم موت أبيه طمعوا فيه. فلما أظلهم وضربت قبابه اجتمعت بنو أسد إلى نوفل بن ربيعة بن الخدان، فقال: يا بني أسد ! من يتلقى هذا الرجل منكم فيقتطعه؟ فإن قد أجمعت على الفتك به فقال له القوم: ما لذلك أحد غيرك. فخرج نوفل في خيله حتى أغار على الثقل فقتل من وجد فيه، وساق الثقل وأصاب جاريتين قينتين لحجر، ثم أقبل حتى أتى قومه. فلما رأو ما قد حدث وأتاهم به عرفوا أن حجراً يقاتلهم وأنه لا بد من القتال، فحشد الناس لذلك، وبلغ حجراً أمرهم، فأقبل نحوهم. فلما غشيهم ناهضوه القتال وهم بين أبرقين من الرمل في بلادهم يدعيان اليوم أبرقي حجر، فلم يلبثوا حجرًا أن هزموا أصحابه وأسروه فحبسوه وتشاور القوم في قتله، فقال لهم كاهن من كهنتهم بعد أن حبسوه ليروا فيه رأيهم: أي قومٍ ! لا تعجلوا بقتل الرجل حتى أزجر لكم. فانصرف عن القوم لينظر لهم في قتله. فلما رأى ذلك علباء خشي أن يتوكلوا في قتله؛ فدعا غلاماً من بني كاهل، وكان ابن أخته وكان حجر قتل أباه زوج أخت علباء، فقال: يا بني، أعندك خيرٌ فتثأر بأبيك وتنال شرف الدهر وإن قومك لن يقتلوك ؟!. فلم يزل بالغلام حتى حربه، ودفع إليه حديدة وقد شحذها وقال: أدخل عليه مع قومك ثم أطعنه في مقتله: فعمد الغلام إلى الحديدة فخبأها ثم دخل على حجر في قبته التي حبس فيها. فلما رأى الغلام غفلةً وثب عليه فقتله، فوثب القوم على الغلام. فقالت بنو كاهل: ثأرنا وفي أيدينا. فقال الغلام: إنما ثأرت بأبي، فخلوا عنه. وأقبل كاهنهم المزدجر فقال: أي قومٍ! قتلتموه! ملك شهر، وذل دهر. أما والله لا تحظون عند الملوك بعده أبداً.

 

قال ابن السكيت: ولما طعن الأسدي حجراً ولم يجهز عليه، أوصى ودفع كتابه إلى رجل وقال له: أنطلق إلى ابني نافع - وكان أبر ولده - فإن بكى وجزع فاله عنه، واستقرهم واحداً واحداً حتى تأتي امرأة القيس - وكان أصغرهم - فأيهم لم يجزع فدفع إليه سلاحي وخيلي وقدوري ووصيتي. وقد كان بين في وصيته من قتله وكيف كان خبره. فأنطلق الرجل بوصيته إلى نافع ابنه: فأخذ التراب فوضعه على رأسه. ثم استقراهم واحداً واحداً فكلهم فعل ذلك، حتى اتى امرأ القيس فوجده مع نديم له يشرب الخمر ويلاعبه بالنرد؛ فقال له: قتل حجر. فلم يلتفت إلى قوله، وأمسك نديمه فقال له امرؤ القيس: أضرب فضرب. حتى إذا فرغ قال ما كنت أفسد عليك دستك. ثم سأل الرسول عن أمر أبيه كله فأخبره. فقال: الخمر علي والنساء حرام حتى أقتل من بني أسد مائة وأجز نواصي مائة. وفي ذلك يقول:

 

أرقت ولم يأرق لما بي نـافـع

 

وهاج لي الشوق الهموم الروادع

 

وقال ابن الكلبي: حدثني أبي عن ابن الكاهن الأسدي أن حجراً كان طرد امرأ القيس وآلي ألا يقيم معه أنفةً من قوله الشعر، وكانت الملوك تأنف من ذلك، فكان يسير في أحياء العرب ومعه أخلاط من شذاذ العرب من طيء وكلب وبكر بن وائل، فإذا صادف غديراً أو روضة أو موضع صيد أقام فذبح لمن معه في كل يوم، وخرج إلى الصيد فتصيد ثم عاد فأكل وأكلوا معه وشرب الخمر وسقاهم وغنته قيانه. ولا يزال كذلك حتى ينفد ماء ذلك الغدير ثم ينتقل عنه إلى غيره. فأتاه خبر أبيه ومقتله وهو بدمون من أرض اليمن، أتاه به رجلٌ من بني عجل يقال له عامر الأعور أخو الوصاف. فلما أتاه بذلك قال:

 

تطاول الليل على دمون

 

دمون إنا معشرٌ يمانون

وإننا لأهلها محبـون

   

 

ثم قال: ضيعني صغيراً وحملني دمه كبيراً. لا صحو اليوم ولا سكر غداً. " اليوم خمرٌ، وغداً أمر " فذهبت مثلاً. ثم قال:

 

خليلي لا في اليوم مصحىً لشاربٍ

 

ولا في غدٍ إذ ذاك ما كان يشرب

 

ثم شرب سبعاً. فلما صحا آلي ألا يأكل لحماً، ولا يشرب خمراً، ولا يدهن بدهن، ولا يصيب امرأة، ولا يغسل رأسه من جنابة، حتى يدرك بثأره. فلما جنة الليل رأى برقاً فقال:

 

أرقت لبرقٍ بلـيلٍ أهـل

 

يضيء سناه بأعلى الجبل

أتاني حديثٌ فكـذبـتـه

 

بأمر تزعزع منه القلـل

بقتل بني أسـدٍ ربـهـم

 

ألا كل شيءٍ سواه جلـل

فأين ربيعة عن ربـهـا

 

وأين تميمٌ وأين الخـول

ألا يحضرون لدي بـابـه

 

كما يحضرون إذا ما أكل

 

وروى الهيثم عن أصحابه أن امرأ القيس لما قتل أبوه كان غلاماً قد ترعرع، وكان في بني حنظلة مقيماً لأن ظئرة كانت امرأة منهم. فلما بلغه ذلك قال:

 

يا لـهـف هـنـدٍ إذ خـطـئن كـــاهـــلاً

 

الـقـاتـلـين الـمـلـك الـحـــلاحـــلا

تالـلـه لا يذهـب شـيخـــي بـــاطـــلاً

 

يا خـير شـيخ حـــســـبـــاً ونـــائلاً

وحي صعبٍ والوشيج الذابلا

 

مسـتـثـفـراتٍ بـالـحـصـى جـوافـــلا

 

 

 

 

يعني صعب بن علي بن بكر بن وائل. معنى قوله مستثفرات بالحصى: يريد أنها أثارت الحصى بحوافرها لشدة جريها حتى ارتفع إلى أثفارها فكأنها استثفرت به.

 

وقال الهيثم بن عدي: لما قتل حجر انحازت بنته وقطينه إلى عوير بن شجنه. فقال له قومه: كل أموالهم فإنهم مأكولون، فأبى. فلما كان الليل حمل هنداً وقطينها وأخذ بخطام جملها وأشأم بهم في ليلة طخياء مدلهمة. فلما أضاء البرق أبدى عن ساقيه وكانت حمشتين. فقالت هند: ما رأيت كالليلة ساقي وافٍ. فسمعها فقال يا هند: هما ساقا غادرٍ شرٍ. فرمى بها النجاد حتى أطلعها نجران، وقال لها: إني لست أغني عنك شيئاً وراء هذا الموضع، وهؤلاء قومك، وقد برئت خفارتي. فمدحه امرؤ القيس بعدة قصائد، منها قوله في قصيدة له:

 

ألا إن قوماً كنتم أمس دونـهـم

 

هم منعوا جاراتكم آل غـدران

عويرٌ ومن مثل العوير ورهطه

 

أبر بميثاقٍ وأوفـى بـجـيران

هم أبلغوا الحي المضيع أهـلـه

 

وساروا بهم بين الفرات ونجران

وقوله:

ألا قبح الله البراجم كـلـهـا

 

وجدع يربوعاً وعفر دارمـا

فما فعلوا فعل العوير ورهطه

 

لدى باب حجرٍ إذ تجرد قائما

 

وقال ابن قتيبة في خبره: إن القصة المذكورة عن عوير كانت مع أبي حنبل وجارية ابن مر. قال ويقال: بل كانت مع عامر بن جوين الطائي وإن ابنته أشارت عليه بأخذ مال حجر وعياله، فقام ودخل الوادي ثم صاح: ألا إن عامر ابن جوين غدر، فأجابه الصدى مثل قوله، فقال ما أقبح هذا من قول! ثم صاح: ألا إن عامر بن جوين وفى، فأجابه الصدى بمثل قوله، فقال: ما " أحسن هذا! ثم دعا ابنته بجذعةٍ من غنم فاحتلبها وشرب واستلقى على قفاه وقال: والله لا أغدر ما أجزأتني جذعة. ثم نهض وكانت ساقاه حمشتين، فقالت ابنته: والله ما رأيت كاليوم ساقي وافٍ. فقال: وكيف بهما إذا كانتا ساقي غادرٍ! هما والله حينئذٍ أقبح.

 

امرؤ القيس يستعدي بكراً وتغلب على بني أسد: وقال ابن الكلبي عن أبيه ويعقوب بن السكيت عن خالد الكلابي: إن امرأ القيس ارتحل حتى نزل بكراً وتغلب، فسألهم النصر على بني أسد. فبعث العيون على بني أسد فنذروا بالعيون ولجئوا إلى بني كنانة. وكان الذي أنذرهم بهم علباء بن الحارث. فلما كان الليل قال لهم علباء: يا معشر بني أسد تعلمون! والله إن عيون امرئ القيس قد أتتكم ورجعت إليه بخبركم، فارحلوا بليل ولا تعلموا بني كنانة، ففعلوا. وأقبل امرؤ القيس بمن معه من بكر وتغلب حتى انتهى إلى بني كنانة وهو يحسبهم بني أسد فوضع السلاح فيهم وقال: يا لثارات الملك! يا لثارات الهمام! فخرجت إليه عجوزٌ من بني كنانة فقالت: أبيت اللعن! لسنا لك بثأر، نحن من كنانة، فدونك ثأرك فاطلبهم فإن القوم قد شاروا بالأمس. فتبع بني أسد ففاتوه ليلتهم تلك -فقال في ذلك:

 

ألا يا لهف هندٍ إثـر قـومٍ

 

هم كانوا الشفاء فلم يصابوا

وقاهم جدهم ببني أبـيهـم

 

وبالأشقين ما كان العقـاب

وأفلتهن علبـاءٌ جـريضـاً

 

ولو أدركنه صفر الوطاب

 

يعني ببني ابيهم بني كنانة، لأن أسداً وكنانة ابني خزيمة أخوان.

 

أخبرني أبو خليفة عن محمد بن سلام قال: سمعت رجلاً سأل يونس عن قوله " صفر الوطاب "، فقال: سألنا رؤبة عنه فقال: لو أدركوه قتلوه وساقوا إبله فصفرت وطابه من اللبن. وقال غيره: صفر الوطاب أي أنه كان يقتل فيكون جسمه صفراً من دمه كما يكون الوطاب صفراً من اللبن.

 

" وأدركهم " ظهراً وقد تقطعت خيله وقطع أعناقهم العطش، وبنو أسد جامون على الماء، فنهد إليهم فقاتلهم حتى كثرت الجرحى والقتلى فيهم، وحجز الليل بينهم، وهربت بنو أسد. فلما أصبحت بكر وتغلب أبوا أن يتبعوهم وقالوا له: قد أصبت ثأرك. قال: والله ما فعلت ولا أصبت من بني كاهل ولا من غيرهم من بني أسد أحداً. قالوا: بلى، ولكنك رجل مشئوم. وكرهوا قتالهم بني كنانة وانصرفوا عنه. ومضى هارباً لوجهه حتى لحق بحمير.

 

يلجأ إلى عمرو بن المنذر: وقال ابن السكيت حدثني خالد الكلابي: أن امرأ القيس لما أقبل من الحرب على فرسه الشقراء لجأ إلى ابن عمته عمرو بن المنذر وامه هند بنت عمرو بن حجر بن آكل المرار، وذلك بعد قتل أبيه وأعمامه وتفرق ملك أهل بيته، وكان عمرو يومئذٍ خليفةً لأبيه المنذر ببقة وهي بين الأنبار وهيت فمدحه وذكر صهره ورحمه وأنه قد تعلق بحباله ولجأ إليه. فأجاره، ومكث عنده زماناً. ثم بلغ المنذر مكانه عنده فطلبه، وأنذره عمرو فهرب حتى أتى حمير.

 

وقال ابن الكلبي والهيثم بن عدي وعمر بن شبة وابن قتيبة: فلما امتنعت بكر بن وائل وتغلب من اتباع بني أسد خرج من فوره ذلك إلى اليمن فاستنصر أزد شنوءة، فأبوا أن ينصروه وقالوا: إخواننا وجيراننا.

 

ومرثد الخير الحميري: فنزل بقيلٍ يدعى مرثد الخير بن ذي جدن الحميري، وكانت بينهما قرابة، فستنصره واستمده على بني أسد، فأمده بخمسمائة رجل من حمير؛ ومات مرثد قبل رحيل امرئ القيس بهم.

 

وقرمل بن الحميم: وقام بالمملكة بعده رجلٌ من حمير يقال له قرمل بن الحميم وكانت أمه سوداء، فردد امرأ القيس وطول عليه حتى هم بالانصراف وقال:

 

وإذ نحن ندعو مرثد الخير ربنا

 

وإذ نحن لا ندعى عبيداً لقرمل

 

فأنفذ له ذلك الجيش؛ وتبعه شذاذٌ من العرب، واستأجر من قبائل العرب رجالاً، فسار بهم إلى بني أسد. ومر بتبالة وبها صنم للعرب تعظمه يقال له ذو الخلصة ؛ فاستقسم عنده بقداحة وهي ثلاثة الآمر والناهي والمتربص، فأجالها فخرج الناهي، ثم أجالها فخرج الناهي، ثم أجالها فخرج الناهي، فجمعها وكسرها وضرب بها وجه الصنم وقال: مصصت بظر أمك ! لو أبوك قتل ما عقتني. ثم خرج فظفر ببني أسد ويقال: إنه ما استقسم عند ذي الخلصة بعد ذلك بقدح حتى جاء أمر الله بالإسلام وهدمه جرير بن عبد الله البجلي.

 

 قالوا: وألح المنذر في طلب امرئ القيس ووجه الجيوش في طلبه من إياد وبهراء وتنوخ ولم تكن له طاقة، وأمده أنو شروان بجيش من الأساورة فسرحهم في طلبه. وتفرقت حمير ومن كان معه عنه. فنجا في عصبة من بني آكل المرار حتى نزل بالحارث بن شهاب من بني يربوع بن حنظلة، ومع امرئ القيس أدراعا خمسة: الفضفاضة والضيافة والمحصنة والخربق وأم الذيول كن لبني آكل المرار يتوارثونها ملكاً عن ملك. فقلما لبثوا عند الحارث بن شهاب حتى بعث إليه المنذر مائة من أصحابه يوعده بالحرب إن لم يسلم إليه بني آكل المرار فأسلمهم؛ ونجا امرؤ القيس ومعه يزيد بن معاوية بن الحارث وبنته هند بنت امرئ القيس والأدرع والسلاح ومال كان بقي معه. فخرج على وجهه حتى وقع في أرض طيء.

 

ثم نزل على سعد بن الضباب الإيادي: وقيل: بل نزل قبلهم على سعد بن الضباب الإيادي سيد قومه فأجازه.

 

قال ابن الكلبي: وكانت أم سعد بن الضباب تحت حجرٍ أبي امرئ القيس فطلقها وكانت حاملاً وهو لا يعرف، فتزوجها الضباب فولدت سعداً على فراشه، فلحق نسبه به. فقال امرؤ القيس يذكر ذلك:

 

يفاكهنا سعدٌ وينـعـم بـالـنـا

 

ويغدو علينا بالجفان وبالجـزر

ونعرف فيه من أبيه شـمـائلاً

 

ومن خاله ومن يزيد ومن حجر

سمـاحة ذا وبـر ذا ووفـاء ذا

 

ونائل ذا إذا صحا وإذا سـكـر

 

ثم تحول عنه فوقع في أرض طيء فنزل برجل من بني جديلة يقال له المعلى بن تيم. ففي ذلك يقول:

 

كأني إذ نزلت على المعـلـى

 

نزلت على البواذخ من شمـام

فما ملك العراق على المعلـى

 

بمقتـدرٍ ولا مـلـك الـشـآم

أقر حشى امرئ القيس بن حجرٍ

 

بنو تيمٍ مصـابـيح الـظـلام

 

قالوا: فلبث عنده واتخذ إبلاً هنالك. فغدا قومٌ من بني جديلة يقال لهم بنو زيد فطردوا الأبل. وكانت لأمرئ القيس رواحل مقيدة عند البيوت خوفاً من أن يدهمه أمر ليسبق عليهن. فخرج حينئذٍ فنزل ببني نبهان من طيء، فخرج نفر منهم فركبوا الرواحل ليطلبوا له الأبل فأخذتهن جديلة، فرجعوا إليه بلا شيء. فقال في ذلك:

 

وأعجبني مشي الحزقة خـالـدٍ

 

كمشي أتانٍ حلئت بالمنـاهـل

فدع عنك نهباً صيح في حجراته

 

ولكن حديثاً ما حديث الرواحل

 

ففرقت عليه بنو نبهان فرقاً من معزى يحلبها. فأنشأ يقول:

 

إذا ما لم تجد إبلاً فمعـزى

 

كأن قرون جلتها العصـى

إذا ما قام حالبـهـا أرنـت

 

كأن القوم صبحهم نـعـي

فتملأ بيتنا أقطاً وسـمـنـاً

 

وحسبك من غنى شبعٌ وري

 

ثم نزل بي عامر بن جوين: فكأن ما عندهم ما شاء الله. ثم خرج فنزل بعامر بن جوين وأتخذ عنده إبلاً، وعامرٌ يومئذٍ أحد الخلعاء الفتاك قد تبرأ قومه من جرائره، فكان عنده ما شاء الله، ثم هم أن يغلبه على أهله وماله، ففطن امرؤ القيس بشعر كان عامر ينطق به وهو قوله:

 

فكم بالصعيد من هجان مـؤبـلة

 

تسير صحاحاً ذات قيد ومرسلـه

أردت بها فتكاً فلم أرتمـض لـه

 

ونهنهت نفسي بعد ما كدت أفعله

 

وكان عامر أيضاً يقول يعرض بهند بنت امرئ القيس:

 

ألا حي هنداً وأطلالـهـا

 

وتظعان هندٍ وتحلا لـهـا

هممت بنفسي كل الهموم

 

فأولى لنفسي أولى لـهـا

سأحمل نفسي عـلـى آلةٍ

 

فإما عليهـا وإمـا لـهـا

 

هكذا روى ابن أبي سعد عن دارم بن عقال. ومن الناس من يروي هذه الأبيات للخنساء في قصيدتها:

 

ألا ما لعيني ألا ما لهـا

 

لقد أخضل الدمع سربالها

 

ثم بحارثة بن مر: قالوا: فلما عرف امرؤ القيس ذلك منه وخافه على أهله وماله، تغفله وأنتقل إلى رجل من بني ثعل يقال له حارثة بن مر فاستجار به. فوقعت الحرب بين عامر وبين الثعلي، فكانت في ذلك أموٌر كثيرة. قال دارم بن عقال في خبره: فلما وقعت الحرب بين طيء من أجله، خرج من عندهم فنزل برجل من بني فزارة يقال له عمرو بن جابر بن مازن، فطلب منه الجوار حتى يرى ذات عيبه . فقال له الفزاري: يأبن حجر، إني أراك في خلل من قومك وأنا أنفس بمثلك من أهل الشرف، وقد كدت بالأمس تؤكل في دار طيء، وأهل البادية أهل بر لا أهل حصون تمنعهم، وبينك وبين أهل اليمن ذؤبانٌ من قيس، أفلا أدلك على بلد! فقد جئت قيصر وجئت النعمان فلم أر لضيف نازل ولا لمجتدٍ مثله ولا مثل صاحبه. قال: من هو وأين منزله؟ قال: السموأل بتيماء، وسوف أضرب لك مثله، هو يمنع ضعفك حتى ترى ذات عيبك، وهو في حصن حصين وحسبٍ كبير. فقال له امرؤ القيس: وكيف لي به؟ قال: أوصلك إلى من يوصلك إليه؛ فصحبه إلى رجل من بني فزارة يقال له الربيع بن ضبع الفزاري ممن يأتي السموأل فيحمله ويعطيه. فلما صار إليه قال له الفزاري: إن السموأل يعجبه الشعر. فتعال نتناشد له أشعاراً. فقال امرؤ القيس: قل حتى أقول. فقال الربيع:

 

قل للمنية أي حينٍ نـلـتـقـي

 

بفناء بيتك في الحضيض المزلق

 

وهي طويلة يقول فيها:

 

ولقد أتيت بني المصاص مفاخراً

 

وإلى السموأل زرته بالأبلـق

فأتيت أفضل من تحمل حـاجةً

 

إن جئته في غارمٍ أو مرهـق

عرفت له الأقوام كل فـضـيلةٍ

 

وحوى المكارم سابقاً لم يسبـق

 

قال: فقال امرؤ القيس:

 

طرقتك هندٌ بعد طول تجنبٍ

 

وهناً ولم تك قبل ذلك تطرق

 

وهي قصيدة طويلة، وأظنها منحولة لأنها لا تشاكل كلام امرئ القيس، والتوليد فيها بين، وما دونها في ديوانه أحد من الثقات؛ وأحسبها مما صنعه دارم لأنه من ولد السموأل ومما صنعه من روى عنه من ذلك فلم تكتب هنا . قال فوفد الفزاري بأمرئ القيس إليه. فلما كانوا ببعض الطريق إذا هم ببقرة وحشية مرمية. فلما نظر إليها أصحابه قاموا فذكوها. فبينما هم كذلك إذا هم بقوم قناصين من بني ثغل . فقالوا لهم: من أنتم؟ فانتسبوا لهم، وإذا هم من جيران السموأل فانصرفوا جميعاً وقال امرؤ القيس:

 

رب رامٍ من بني ثغـلٍ

 

مخرج كفيه من قتره

عارضٍ زوراء من نشمٍ

 

مع بأناة علـى وتـره

 

هكذا في رواية ابن دارم. ويروى غير بأناة وتحت بأناة:

 

إذ أتته الـوحـش واردةً

 

فتثنى النزع في يسـره

فرماها في فرائصـهـا

 

بإزاء الحوض أو عقره

برهيشٍ من كـنـانـتـه

 

كتلظي الجمر في شرره

راشه من ريش ناهـضةٍ

 

ثم أمهاه عل حـجـره

فهو لا تنمـي رمـيتـه

 

ماله لا عد مـن نـفـر

 

طلب إلى السموأل أن يكتب له إلى الحارث ليوصله إلى قيصر: قال: ثم مضى القوم حتى قدموا على السموأل، فأنشده الشعر، وعرف لهم حقهم، فأنزل المرأة في قبة أدم وأنزل القوم في مجلس له براحِ؛ فكان عنده ما شاء الله. ثم إنه طلب إليه أن يكتب له إلى الحارث بن أبي شمر بن الغساني بالشأم ليوصله إلى قيصر؛ فاستنجد له رجلاً، واستودع عنده المرأة والأدراع والمال، وأقام معها يزيد بن معاوية بن الحارث ابن عمه. فمضى حتى انتهى إلى قيصر؛ فقبله وأكرمه وكانت له عنده منزلة.

 

لما وصل إلى قيصر دس له عنده الطماح حتى سمه بحلة خلعها عليه: فاندس رجل من بني أسد يقال له الطماح، وكان امرؤ القيس قد قتل أخاً له من بني أسد، حتى أتى إلى بلاد الروم فأقام مستخفياً ثم إن قيصر ضم إليه جيشاَ كثيفاً وفيهم جماعة من أبناء الملوك. فلما فصل قال لقيصر قوم من أصحابه: إن العرب قوم غدر ولا تأمن أن يظفر بما يريد ثم يغزوك بمن بعثت معه. وقال ابن الكلبي: بل قال له الطماح: إن امرأ القيس غويٌ عاهرٌ وإنه لما انصرف عنك بالجيش ذكر أنه كان يراسل ابنتك ويواصلها، وهو قائل في ذلك أشعاراً يشهرها بها في العرب فيفضحها ويفضحك. فبعث إليه بحلة وشيٍ مسمومة منسوجة بالذهب وقال له: إني أرسلت إليك بحلتي التي كنت ألبسها تكرمةٌ لك، فإذا وصلت إليك فالبسها باليمن والبركة، واكتب إلى بخبرك من منزلٍ. فلما وصلت إليه لبسها واشتد سروره بها؛ فأسرع فيه السم وسقط جلده؛ فلذلك سمي ذا القروح، وقال في ذلك:

 

لقد طمح الطماح من بعد أرضه

 

ليلبسني مما يلـبـس أبـؤسـا

فلو أنها نفسٌ لـمـوت سـويةً

 

ولكنها نفسٌ تساقط أنـفـسـا

 

قال: فلما صار إلى بلدة من بلاد الروم تدعى أنقرة احتضر بها؛ فقال:

 

رب خطبةٍ مسحنفره

 

وطعنةٍ مثعنجـره

وجفنةٍ مـتـحـيره

 

حلت بأرض أنقره

 

ورأى قبر امرأة من أبناء الملوك ماتت هناك فدفنت في سفح جبل يقال له عسيب؛ فسأل عنها فأخبر بقصتها، فقال:

 

أجارتنا إن المزار قـريب

 

وإني مقيمٌ ما اقام عسـيب

أجارتنا إنا غريبان ها هنـا

 

وكل غريبٍ للغريب نسيب

 

ثم مات فدفن إلى جنب المرأة، فقبره هناك.

 

عبد الملك بن عمير يحدث عمر بن هبيرة بحديث عنه فيسر به ويجيزه: أخبرني محمد بن القاسم عن مجالد بن سعيد بن عبد الملك بن عمير قال: قدم علينا عمر بن هبيرة الكوفة، فأرسل إلى عشرة أنا أحدهم من وجوه الكوفة فسمروا عنده، ثم قال: ليحدثني كل رجل منكم أحدوثة وابدأ أنت يا أبا عمر . فقلت أصلح الله الأمير ! أحديث الحق أم حديث الباطل؟ قال: بل حديث حق. قلت: إن امرأ القيس آلى بألية ألا يتزوج امرأة حتى يسألها عن ثمانية وأربعة وثنتين؛ فجعل يخطب النساء، فإذا سألهن عن هذا قلن أربعة عشر. فبينما هو يسير في جوف الليل إذا هو برجل يحمل ابنةً له صغيرة كأنها البدر ليلة تمامه، فأعجبته. فقال لها: يا جارية ! ما ثمانية وأربعة واثنتان؟ فقالت: أما ثمانية فأطباء الكلبة. وأما الرابعة فأخلاف الناقة. وأما اثنتان فثديا المرأة. فخطبها إلى أبيها فزوجه إياها. وشرطت هي عليه أن تسأله ليلة بنائها عن ثلاث خصال، فجعل لها ذلك، وأن يسوق لها مائة من الإبل وعشر أعبد وعشرة وصائف وثلاثة أفراس ففعل ذلك. ثم أن بعث عبداً له إلى المرأة وأهدى إليها نحياً من سمن ونحياً من عسل وحلة من عصب. فنزل العبد ببعض المياه فنشر الحلة ولبسها فتعلقت بعشرة فانشقت، وفتح النحيين فطعم أهل الماء منهما فنقصا. ثم قدم على حي المرأة وهم خلوفٌ . فسألها عن أبيها وأمها وأخيها ودفع إليها هديتها. فقالت له أعلم مولاك أن أبي ذهب يقرب بعيداً ويبعد قريباً، وأن أمي ذهبت تشق النفس نفسين، وأن أخي يراعي الشمس وأن سماءكم انشقت، وأن وعاءيكم نضبا. فقدم الغلام على مولاه فأخبره. فقال: أما قولها إن أبي ذهب يقرب بعيداً ويبعد قريباً، فإن أباها ذهب يحالف قوماً على قومه. وأما قولها ذهبت أمي تشق النفس نفسين، فإن أمها ذهبت تقبل امرأة نفساء.

وأما قولها إن أخي يراعي الشمس فإن أخاها في سرح له يرعاه فهو ينتظر وجوب الشمس ليروح به. وأما قولها: إن سماءكم انشقت، فإن البرد الذي بعثت به انشق. وأما قولها إن وعاءيكم نضبا، فإن النحيين الذي بعثت بهما نقصا، فأصدقني. فقال: يا مولاي، إني نزلت بماء من مياه العرب، فسألوني عن نسبي فأخبرتهم إني ابن عمك، ونشرت الحلة فانشقت وفتحت النحيين فأطعمت منهما أهل الماء. فقال: أولى لك.

 

ثم ساق مائةٍ من الإبل وخرج نحوها ومعه الغلام، فنزلا منزلاً. فخرج الغلام يسقي الإبل فعجز؛ فأعانه امرؤ القيس؛ فرمى به الغلام في البئر، وخرج حتى أتى المرأة بالإبل وأخبرهم أنه زوجها. فقيل لها: قد جاء زوجك. فقالت: والله ما أدري أزوجي هو أم لا ! ولكن انحروا له جزوراً وأطعموه من كرشها وذنبها ففعلوا. فقالت: اسقوه لبناً حارزاً وهو الحامض فسقوه فشرب. فقالت: افرشوا له عن الفرث والدم، ففرشوا له فنام فلما أصبحت أرسلت إليه: إني أريد أن أسألك. فقال: سلي عما شئت. فقالت: مما تختلج شفتاك؟ قال: لتقبيلي إياك. قالت: فمم يختلج كشحاك؟ قال: لالتزامي إياك. قالت: فمما يختلج فخذاك؟ قال: لتوركي إياك. قالت: عليكم العبد فشدوا أيديكم به، ففعلوا. قال: ومر قومٌ فاستخرجوا امرأ القيس من البئر، فرجع إلى حيه، فاستاق مائة من الإبل وأقبل إلى امرأته. فقيل لها قد جاء زوجك. فقالت: والله ما أدري أزوجي هو أم لا، ولكن انحروا له جزوراً فأطعموه من كرشها وذنبها ففعلوا. فلما أتوه بذلك قال: وأين الكبد والسنام والملحاء ! فأبى أن يأكل. فقالت: اسقوه لبناً حازراً. فأبى أن يشربه وقال: فأين الصريف والرثيئة !. فقالت: افرشوا له عند الفرث والدم. فأبى أن ينام وقال: افرشوا لي فوق التلعة الحمراء، واضربوا عليها خباء. ثم ارسلت إليه: هلم شربطتي عليك في المسائل الثلاث. فأرسل إليها أن سلي عما شئت. فقالت: مما تختلج شفتاك. قال: لشرب المشعشعات. قالت: فمما يختلج كشحاك، قال: للبسي الحبرات. قالت: فمما تختلج فخذاك؟ قال: لركضي المطهمات. فقالت: هذا زوجي لعمري! فعليكم به، واقتلوا العبد، فقتلوه. ودخل امرؤ القيس بالجارية. فقال ابن هبيرة: حسبكم! فلا خير في الحديث في سائر الليلة بعد حديثك يا أبا عمرو؛ ولن تأتينا بأعجب مه فقمنا وانصرفنا. وأمر لي بجائزة.

 

مفاوضات امرئ القيس وقبائل أسد بعد موت حجر: نسخت من كتاب جدي يحيى بن محمد بن ثوابه بخطه رحمه الله حدثني الحسن بن سعيد عن أبي عبيدة قال: أخبرني سيبويه النحوي أن الخليل بن أحمد أخبره قال: قدم على امرئ القيس بن حجر بعد مقتل أبيه رجالٌ من قبائل بني أسد كهولٌ وشبان، فيهم المهاجر بن خداش ابن عم عبيد بن الأبرص، وقبيصة بن نعيم، وكان في بني أسد مقيماً وكان ذا بصيرة بمواقع الأمور ورداً وإصداراً يعرف ذلك له من كان محيطاً بأكناف بلده من العرب. فلما علم بمكانهم أمر بإنزالهم وتقدم بإكرامهم والإفضال عليهم، واحتجب عنهم ثلاثاً. فسألوا من حضره من رجال كندة فقال: هو في شغل بإخراج ما في خزائن حجر من السلاح والعدة. فقالوا: اللهم غفراً، إنما قدمنا في أمر نتناسى به ذكر ما سلف ونستدرك به ما فرط، فليبلغ ذلك عنا. فخرج عليهم في قباء وخف وعمامةٍ سوداء؛ وكانت العرب لا تعتم بالسواد إلا في التراث. فلما نظروا إليه قاموا له، وبدر إليه قبيصة: إنك في المحل والقدر والمعرفة بتصرف الدهر وما تحدثه أيامه وتتنقل به أحواله بحيث لا تحتاج إلى تبصير واعظٍ ولا تذكرة مجرب. ولك من سؤدد منصبك وشرف أعراقك وكرم أصلك في العرب محتمل يحتمل ما حمل عليه من إقالة العثرة، ورجوع عن هفوة. ولا تتجاوز الهمم إلى غاية إلا رجعت إليك فوجدت عندك من فضيلة الرأي وبصيرة الفهم وكرم الصفح في الذي كان من الخطب الجليل الذي عمت رزيته نزاراً واليمن، ولم تخصص كندة بذلك دوننا للشرف البارع. كان لحجرٍ التاج والعمة فوق الجبين الكريم وإخاء الحمد وطيب الشيم. ولو كان يفدى هالك بالأنفس الباقية بعده لما بخلت كرائمنا على مثله ببذل ذلك ولفديناه منه، ولكن مضى به سبيل لا يرجع أولاه على أخراه ولا يلحق أقصاه أدناه. فأحمد الحالات في ذلك أن تعرف الواجب عليك في إحدى خلال: إما أن اخترت من بني أسد أشرفها بيتاً، وأعلاها في بناء المكرمات صوتاً فقدناه إليك بنسعه تذهب مع شفرات حسامك قصدته فيقول رجلٌ امتحن بهلك عزيز فلم تستل سخيمته إلا بتمكينه من الانتقام، أو فداءً بما يروح من بني أسد من نعمها فهي ألوف تجاوز الحسبة فكان ذلك فداءً رجعت به القضب إلى أجفانها لم يردده تسليط الإحن على البراء؛ وإما أن توادعنا حتى تضع الحوامل فنسدل الأزر ونعقد الخمر فوق الرايات. قال: فبكى ساعة ثم رفع رأسه فقال: لقد علمت العرب أن لا كفء لحجر في دم، وإني لن أعتاض به جملاً أو ناقةً فأكتسب بذلك سبة الأبد وفت العضد. وأما النظرة فقد أوجبتها الأجنة في بطون أمهاتها، ولن أكون لعطبها سبباً، وستعرفون طلائع كندة من بعد ذلك، تحمل القلوب حنقا وفوق الأسنة علقا:

 

إذا جالت الخيل في مأزقٍ

 

تصافح فيه المنايا النفوسا

 

أتقيمون أم تنصرفون؟ قالوا: بل ننصرف بأسوأ الاختيار، وأبلى الاجترار لمكروه وأذية، وحرب وبلية. ثم نهضوا عنه، وقبيصة يقول متمثلاً:

 

لعلك أن تستوخم الموت إن غدت

 

كتائبنا في مأزق الموت تمطر

 

فقال امرؤ القيس: لا والله لا أستوخمه، فرويداً ينكشف لك دجاها عن فرسان كندة وكتائب حمير. ولقد كان ذكر غير هذا أولى بي إن كنت نازلاً بربعي؛ ولكنك قلت فأجبت. فقال قبيصة: ما نتوقع فوق قدر المعاتبة والإعتاب. قال امرؤ القيس: فهو ذاك.

 

أصوات معبد المعروفة بألقابها وهي خمسة أصوات معبد الخمسة وألقابها: أخبرني محمد بن مزيد بن أبي الأزهر قال حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه، وأخبرني إسماعيل بن يونس الشيعي قال حدثنا عمر بن شبة عن إسحاق، وأخبرني الحسين بن يحيى عن حماد بن إسحاق عن أبيه، وأخبرني علي بن عبد العزيز عن ابن خرداذبة عن إسحاق: أن معبد كان يسمي صوته:

هريرة ودعها وإن لام لائم

الدوامة لكثرة ما فيه من الترجيع. ويسمى صوته:

عاود القلب من تذكر جملٍ

المنمنم. ويسمى صوته:

أمن آل ليلى بالملا متربع

معقصات القرون أي يحرك خصل الشعر. ويسمي صوته:

"جعل الله جعفراً لك بعلاً

المتبختر. ويسمي صوته:

ضوء برقٍ بدا لعينيك أم شبت بذي الأثل من سلامة نار

مقطع الأثفار.

نسبة هذه الأصوات وأخبارها

 

هريرة ودعهـا وإن لام لائم

 

غداة غدٍ أم أنت للبين واجـم

لقد كان في حولٍ ثواءٍ ثويته

 

تقضى لبانات ويسـأم سـائم

مبتلةٌ هيفاء رودٌ شبـابـهـا

 

لها مقلتا ريمٍ وأسود فاحـم

ووجهٌ نقي اللون صافٍ يزينه

 

مع الحلي لباتٌ لها ومعاصم

 

الواجم: الساكت المطرق من الحزن، يقال: وجم يجم وجوما. وقوله: لقد كان في حول ثواء ثويته: قال الكوفيون: أراد لقد كان في ثواء حول ثويته، فجعل ثواء بدلاً من حول. فأخبرنا أبو خليفة عن محمد بن سلام عن يونس قال: كان أبو عمرو بن العلاء يعيب قول الأعشى:

لقد كان في حول ثواء ثويته

جداً ويقول: ما أعرف له معنى ولا وجهاً يصح. قال أبو خليفة: وأما عبيدة فإنه قال: معناه لقد كان في ثواء حول ثويته. والبانات والمآرب والحوائج والأوطار واحد. والمبتلة: الحسنة الخلق. والهيفاء: اللطيفة الخصر. والرئم: الظبي. والفاحم: الشديد السواد. وقال: لباتٌ لها وإنما لها لبة واحدة ولكن العرب تقول ذلك كثيراً؛ يقال: لها لباتٌ حسانٌ، يراد اللبة وما حولها. والمعاصم: موضع الأسورة، وواحدها معصم.

الشعر للأعشى. والغناء لمعبد، وله فيه لحنان، أحدهما وهو الملقب بالدوامة خفيف ثقيل أول بالسبابة في مجرى الوسطى عن إسحاق، والأخر ثقيل عن الهشامي وابن خرداذبة)).

 

 المرجع: كتاب الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني

من قصائده:..