تكليف”المحارب” والإستعانة ب”ورد” -- الجزء الثالث

ونبدأ.

تكليف”المحارب” والإستعانة ب”ورد”

حساسية الوضع  المستجِدّ بين ملك الجن الأعظم في معرض سعيه لطلب يد "ياسمين" لإبنه“مازر” وبين الملك "مُرداح" والملكة "رونق " اللذين لا يعلمان برغبة“مازر” في خطبة "ياسمين "، إذ لم يتقدم "مازر” ولا أبوه  بطلب يدها لا مباشرة ولا بالواسطة. هذا الوضع إستدعى إبقاء”المحارب” حارسا للأميرة ودعوة ”ورد” لزيارة الجزيرة للمساعدة  وجس نبض الملكين والأميرة " ياسمين" قبل أن يلجأ ملك الجن إلى أساليب أخرى لإقناع الملكين بقبول طلبه. هكذا كانت الأمور والتي لم تُبنَ على معرفة بل على خوف من رفض الطلب.

 

إختيار”ورد” للمهمة إختيار جيد لأنه لَبِقٌ وجميل الصورة وذو خبرة في التعامل بالمهام الحساسة، وقد يتمكن بأن يتَعَرَّف الى”ياسمين" وربما أبويها أيضا ، كأمير ذو حسب ونسب وقد يتنكَّر أيضا بشكل“مازر” بحيث لا تجد فرقا بينه وبين“مازر” إذا نجحت الخطة واستجابت ”الأميرة" لطلبه. سألتُ ”المحارب” إذا كان إدخال ”ورد” في القصة يزعجه فأجاب أن لكل فرد وظيفة في العشيرة، وظيفة يحسن القيام بها ولا فرق بين فرد وآخر إلا بالولاء ،   وإن الشكل يهم البشر ولا يهمهم فلكل شكل حسنات ولكل سنٍّ مركز في هيكلية العشيرة.

 

حساسية المهمة تشوبها بعض التعقيدات وإن كان ”ورد” متأكدا من قدرته على تفاديها. الجزيرة كما قلنا لا يزورها أحد لبعدها عما عداها من ممالك وكونها أيضا بعيدة عن خطوط الملاحة البحرية . لهذا فإن مجرد مجيء شخص من غير أهلها غريب عنها يثير الشكوك والتساؤل ، لهذا كان لملك الجن رأي في أن يستعين ب”ورد”. وهكذا بدأ التحضير وبهذا أيضا بدأت القصة.

 

رحلة”ورد” و”المحارب” من تاناناريف إلى جزيرة الياسمين

يروي ”ورد” لمن إستضافه في مملكة الياسمين أنه  أتى الجزيرة بمركب أبحر فيه من تاناناريف متوجها إلى مملكة أخرى شرق بلده وإن الرحلة كان مقدرا لها أن تستغرق تسعين يوما على وجه التقريب ، ولكن العواصف الشديدة دفعت بمركبه جنوب شرق ولشدة العاصفة وتغيُر الرياح فقدَ طريقه ولم يعُد يعرِف أين هو وزاد الطين بلَة باَّن  المركب تحطّم في عرض البحر لإصطدامه بصخور جزيرة لا يعرف عنها شيئا،  ولا هي على الطريق الذي تسلكه سفينته ،  ولم ينجُ منها أحد.  ولكنه رأى عن بُعد أو هكذا تهيأ له، وهو في نصف غيبوبة ولا يستطيع التأكد مما رأى، رفيقاً له بالسفر وحصانه الأسود الأغر وهما يغالبان الأمواج ثم غاب عن وعيه ولم يعُد يتذكر أي شيء ولم يصحُ من سباته العميق إلاّ عندما وجده صيادان  على الشاطيء الرملي وأيقظاه وقالا فيما بعد أن إيقاظه لم يكن سهلا وانهما ظنّاه ميتا ولكن تبين بعد وقت أنه فقط منهك غائب عن الوعي . كانت فرحتهما عظيمة عندما أفاق وقَعَد ونظر حواليه وكأنه ضائع وأخذ يتحسس جسمه ليتأكد أنه لا يزال حيّا وأنه لم يفقد يدا ولا رجلا وأن جسمه المنهك المتهاوي بسبب التعب الذي أصابه  بعد تحطم مركبه ومحاولاته الخلاص من الأمواج العاتية وتفادي الغرق. وكان  جسمه كاملا وإن ضعيفا.

 

صيادان وجدا”ورد” و”المحارب” واستضافهما

حمَله الصيادان إلى داخل المدينة إلى طبيب يعاينه فأعطاه دواء من بعض النباتات يغليها ويشرب ماءها وطمأنه بأن جسمه سليم وسيتعافى كليا بأقل من أسبوع إنشاءالله،  ونصحه بالراحة طوال فترة النقاهة. وهكذا كان واهتم به الصيادان وأخذاه ضيفا لهما في بيتهما واهتما به وبدواءه وطعامه ونظافة جسمه وأعطوه ثيابا نظيفة يلبسها ولم يقصِّرا أبدا بأيٍ من حاجاته.

 

لم يسألاه عن إسمه ولا عن المكان الذي  أتى منه فالواضح أنه غريب وهما لم يريا غريبا ولا سمعا  عن غريب زار الجزيرة طوال حياتهما أللهم إلا في القصص الخيالية التي تُروى عن ماضٍ سحيق كما تُروى عندنا قصص الجن وغزوات البدو بنات أفكار الرواة ذوي الخيال الواسع. وتنادم ”ورد” مع الصيادين وأفراد عائلتهما فأخبروه عن المملكة والملك ووالأميرة وكيف تدار شؤون الدولة والعلاقات الإجتماعية التي تحكم تواصل الناس، كل الناس دون إستثتاء، صيادا كان أم وزيرا أو ملكا فالكل سواسية يحترمون بعضهم بعضا ويتشاور أصحاب القرار معهم عند اللزوم وبالتالي كل الأمور تسير على ما يرام،  ولا مشكلة يتذكرها أي فرد نشأت في التاريخ المدوّن. الكل سعيد والكل مرتاح ولا يطمع في أي شيء لأن الكل يحصلون على كل شيء يحتاجونه أو يريدونه.

 

أخبرهم"ورد" عن  رحلته البحرية وأن سفينته كانت من صنع خير بناة السفن ولكن العاصفة الهوجاء لم ترحم وغرق كل من كان عليها عداه وربما شخص آخر ، إذ أنه توهم وهو على الشاطىء قبل أن يسعفوه  أنه رأى رجلا يعرفه ولكنه ليس متأكدا من ذلك. وقال في سفينته قولا حسنا إستقاه من شاعر عربي يعيش في جزيرة العرب فارس مغوار يدعى طرفة وهو يصف ما يقول عن السفينة التي ركب في رحلته والتي ضربتها العواصف وأغرقتها ولم يكن ذلك في الحسبان ، وبالأخص وصفت الأبيات قدرات السفينة وقدرات ملاحيها. قال:

كَأَنَّ حُدوجَ المالِكيَّةِ غُدوَةً........ خلايا سَفينٍ بِالنَواصِفِ مِن دَدِ.

عدولية ٌ أو من سفين ابن يامنٍ..... يجورُ بها المَّلاح طوراًويهتدي

يشقُّ حبابَ الماءِ حيزومها بها.. ...كما قسَمَ التُّربَ المُفايِلُ باليَدِ

 

ومضت الأيام وتعافى ”ورد” فأخذه الصيادان في نزهة ليتعرف الى بعض ما في المملكة وأمضيا يوما بكامله يتنقلون مشياً من بستان إلى آخر ومن شارع إلى آخر واسترعى إنتباهه أشجار الزهور المتعددة الألوان والأشكال مما يفرح القلب ويُحبِبه بالحياة وطبعا كان الياسمين طاغيا وله الحظ الأكبر في التقريظ والإعجاب بشكله وأريجه ورائحته المميزة وعندها عرف ”ورد”  سبب تسمية المملكة بإسمه. والإسم قديم قِدَم ما يتذكرون ويروى، وبالتالي فالياسمين وُجد منذ زمن بعيد وقد نبت على زمن طويل ولهذا فهو ثابت، مزروعاته متجذرة بالأرض المعطاءة وياسمينه إكتسب من عناية الناس به وطقس الجزيرة ما لا يمكن في أي بلد آخر فكان جماله من جمال الجزيرة وطقسها وناسها واستقرار الحكم فيها والسلام الذي لم تعكره حروب ولا حتى مناوشات بين أهلها.

 

وطبعا كان ”ورد” يعرف وضع الجزيرة ومزاج أهلها  قبل أن يأتي إليها ولكن تواصله مع الصيادَين الطيبَين  وعائلتيهما أغناه بتعرفه إلى تفاصيل لمعلومات مهمة لها تأثير على خطته وإمكانات نجاحها. وأصبح من اللزوم إخبار الصيادين بما قال لهما أنه ظن أنه رآه على الشاطيء وهو شخص من ركاب السفينة قبل أن ينقذوه وينقلوه إلى بيوتهم ضيفا عليهم ويعني زميله”المحارب” فطلب منهما مساعدته على إستكشاف الشاطيء والبحث عنه.

 

وهكذا كان وبعد جهد طويل إكتشفا آثار رِجلين لإنسان كما قوائم حصانين فلحقا بهما ووجداهم على بعد أميال وكان الحصانان في حال جيدة . أما ”المحارب” فوجداه بعيدا عن الحصانين مختبئا بين أشجار كثيفة ولم يكن يعرف أنهما نجيا من الغرق أيضا  وكان اللقاء بين ”ورد”  و”الأمير”المحارب” لقاءًا مؤثراً  إذ وجد الصديق صديقَه بعد أن ظن أنه فقده إلى الأبد. هذا ما جرى وسمعه ورآه الصيادان وبالتالي هذا ما سيروِيان لأهل الجزيرة عن هذا اللقاء.

 

عرَّفهم ”ورد” بصاحبه وقال إنه من أمراء تاناناريف  وأنه شريكه في تجاراته وأعماله وإنه قوي البنية جبار وبالتالي فإن حراسته وحراسة أملاكهما وأموالهما تعود إليه .”ورد” أعطاه مُكَنَّى ”المحارب” لأن الإسم يناسب قوته الجسدية والعمل الذي يرتاح اليه. و”المحارب” كان غيَّر شكله فأصبح رجلا طويل القامة ، مفتول العضلات ، أرجله كأنهما جذعا شجرة ويداه قويتان طويلتان مما يوحي لمن يراه بمن هو، فاسمه يدل على جسده.

 

 

الجز التالي وهو الرابع من قصَّتنا الأولى

 ويحدثنا عن

الخيل الاصيلة وشياطين الشعر والمملكة والأمراء والضيوف