"ياسمين" والوحش الأسود -- الجزء السابع

"ياسمين" والوحش الأسود

في باكر صباح اليوم التالي إعتلى كل من”ورد” و”المحارب” صهوة جواده وتوجَّها إلى مناطق بعيدة عن المدينة التي هي عاصمة "جزيرة الياسمين"  ظاهريا للتنزه ولكن بالواقع، وهذا ما روى "المحارب" لي في أحلامي الكثيرة، كانا في مهمة صعبة وكبيرة الأهمية. وكان الطريق الذي ساروا فيه جميلا، جوانبه مليئة بالزهور التي بالكاد تفتَّحت وروائحها المختلفة تعبق في الهواء الطلق، وكان الصباح رطبا من الندى الذي تساقط ليلا والشمس تشرُق  والطقس رائع دافئء ربيعي . وكانا وكأنهما على موعد مع حدث مهم ولم يفُتهما أن ينتبها لما قد يُكَدِّر عليهما نزهتهما ويمنع عنهما إنجاز المهمة ، ونجاحها قد يعني الكثير في الوصول إلى الغاية المنشودة  والتي جاءت بهما إلى "جزيرة الياسمين".

 

وبعد مسيرة ساعتين أو أقلُّ قليلا شاهدا عن بُعد موكب الأميرة ”ياسمين" متوجها إلى مكان قريب ملتَفُّ الحدائق أخضر فلحقا بالموكب.  ولم تمضِ إلاّ  دقائق قليلة حتى سُمِع صوت رهيب وكأنه رعد قوي يجلجل ويشتم ويتوعد،  ولما رأيا مصدره وجداه وحشا كبير الجسم قبيحه ، طويل ربما  زاد على طول فيلٍ من الأفيال في تاناناريف،  ولونه أسود كالليل ويداه طويلتان عريضتان وكأن كل منهما جذع شجرة كبيرة. كان يمشي وخطوات أرجله تهز الأرض وكأن زلزالاً يثور وهو متوجه نحو الأميرة "ياسمين".  وقد حاول أحد مرافقيها أن يَسُل السيف ليواجهه فأمسك  الوحش به ورماه وكأنه حشرة صغيرة وبدأ حراس الأميرة يحاولون إبعاده عنها دون فائدة والوحش يقترب منها  أكثر فأكثر وكل من إقترب منه واجه مصير المرافق الأول الذي رُمي به إلى غير مكان. لم يبق مع "ياسمين" إلاّ القليل من الحراس فأقدم "المحارب" على النزال وذلك حال وصوله إلى حيث كان الوحش يهاجم ولم يكن من النزال  ذلك بُدٌّ.

 

وكما أسلفنا لم يكن من”المحارب و ”ورد” تفادي دخول الحلبة،  فداعب ”المحارب” خاصرة جواده "عمران" بمهمازه الفضي فطار فوق خيل المرافقين ، واستَلّ سيفه ونهر الوحش وأمره بالخضوع والركوع في حضرة الأميرة ولكن الوحش لم يأبه به ولا بأوامره وقبل أن تحتدم المواجهة إذا ب”ورد” يطير بجواده "أركان"  إلى جانب رفيقه ”المحارب” وكرر أمر ”المحارب” للوحش فتردد برهة ثم هَزَّ رأسه رافضا الخضوع رغم أنه على ما يظهر عرف من أمَرَه  بذلك. ويظهر أن للوحش وظيفة كلفه بها سيدهما "الملك عبد الله المذهب" لإظهار قوة وبسالة  "ورد" و"المحارب" . ولما رفض الوحش،  أعمل" المحارب "  المهماز في خاصرة جواده "أركان"  فقفز مباشرة إلى صدر الوحش وضربه بالسيف فصاح صيحة عظيمة وهجم عليه مرة ثانية بشراسة وغضب ، وكان ”ورد” له بالمرصاد فباشر بالهجوم مجددا وعالج الوحش  بضربة أصابت يد الوحش اليمنى فوقعت على الأرض تاركة صاحبها يحارب بيد واحدة . ولم يترك له مجالا للمناورة ، لا "ورد" ولا "المحارب"فأطبقا عليه بضربات متتالية شرسة لم تعطه فرصة للهجوم مجددا ولا حتى الدفاع  وكانت هذه الضربات قاتلة وخّرَّ على الأرض يتضرج بدماء رائحتها عفنة وأشلاء شديدة تتحرك إلى أن توقفت وماتت والوحش مات  .

 

لما تأكد "ور" و"المحارب" من موته جمعا جثته أو ما تبقى منها وأحرقاها ، و”ياسمين" ترى وتشاهد وتتفرج على ما يحدث  ومن تبقى من الحُراس وكانوا شبه مشلولين ولا يعرفون ماذا عليهم أن يفعلوا وما كان من”المحارب” إلاّ أن واساهم وشجعهم وشكرهم على شجاعتهم ليعودوا برفقة الأميرة حراسا مأمونين قادرين رافعين رأسهم لأنهم لم يهربوا عندما أُلزموا مقاتلة وحش كالذي جاءهم من تحت الأرض، وحش لم يروا أويسمعوا عن مثله أبدا.

 

لم تنبث الأميرة "ياسمين"  ببنت شفة طوال المبارزة والتي إستغرقت تقديراً أقل من نصف ساعة ولم يظهر عليها الخوف ولم تترك المكان الذي كانت تشغله عندما بدأ الوحش بالظهور وبعد ذلك بالهجوم وحتى قتلِه وأحراقِ جثته. بل تفرجت وكأن ما يجري حدثٌ طبيعي. طبعا “ورد” و”المحارب” لاحظا ذلك فزاد إحترامهما لها ورغبتهما بأن تكون من نصيب“مازر” إبن ملك ملوك الجن والذي هو ولي عهد والده الملك. و”ياسمين" وحيدة أبويها وولية عهدهما فزواجها من“مازر” يزيد "مملكة الياسمين"  قوة على قوة وأهل الجزيرة تزيد سعادتهم ورفاهيتهم.

 

وعندما إنتهى الأمر شكرتهما ورغبت في مكافئأهما وضربت لهما موعدا في قصر والديها تستقبلاهما فيه كما رغبت أيضا في تقديمهما لوالديها بعد أن تخبرهما  بما جرى.  وهذا اللقاء هو ثالث ما أتى في خطط ”المحارب” و”ورد”، وهو الحدث الأخير المبرمج  للوصول إلى مبتغاهما.  وبإنتظار التطورات المناسبة للتقدم خطوة أخرى في الوجهة نفسها كان عليهما إتمام ما إرتبطا به من دعوة كبير الشرطة والحضور في الموعد المحدد لمقابلة الأميرة ووالديها.

 

إذن أصبح لصاحبينا موعدان الأول في بيتهم داعين إليه من التقيا في الإحتفال الذي أقامه كبير الشرطة لهما ودعى إليه آخرين ممن كان مدعوًّا معهما والموعد الثاني والأهم هو الموعد الذي ضربته”الأميرة ياسمين" لهما في القصور الملكية لشكرهما على ما قاما به وخلَّصاها من الوقوع في مخالب الوحش الأسود. ومن الضروري الإفادة بأن مملكة الياسمين لم يمُر عليها خبر ظهور أي وحش في حاضرها ولا في ماضيها ولم تذكر الأساطير شيئاً من مثل هذا الحدث. لهذا كانت هذه الظاهرة الغريبة مصدر تساؤل وتعَجٌّب .

 

في هذا الوقت أعلم ”ورد” و”المحارب” سيدهما الملك "عبد الله المذهب" بما جرى فأبدى إرتياحه لما قاما به.  بدَورِه أخبر ملك الجن و“مازر” فكان أن أبديا سرورا بعمل صاحبينا وشجعاهما على الإستمرار في توجههم هذا وأعطاهما صلاحيات الإستعانة بمن أرادا من الجن ومن أي قبيلة كان فيها ما يريدان وإنفاق الأموال ووعد من يريدان جذبه إلى ناحيتهما للمساعدة بما يرتئيان من هدايا ؛  وبالإجمال أن لا يتركان طريقا  مفيدا إلا واستعملاه وطرقاه للوصول إلى الغاية المنشودة.

 

وهنا ياخذ هذا الحلم القصة منحاً جديدا فيه الكثير من البطولات و الأخبار ، والجديد مما يرد في دنيا الجزيرة ودنيا "ياسمين" ونستمع إلى ما أخبرني ”المحارب” به في الحلم الذي ربما كان أصلا من أحلام اليقظة. ف”ورد” و"المحارب” أصبحا بين ليلة وضحاها رجلين مرموقين ونظر الجميع إليهما على أنهما  من علية القوم وأصحاب الرأي والحُظوة عند من له الرأي والتدبير والقرار.

 

وكان يومالثلاثاء هذا عادا إلى البيت ألذي بنياه ، للتشاور على رواق ومراجعة أحداث الأيام القليلة الماضية ومراجعة الخطة التي نجحت في تحقيق أهدافها وتنقيحها وتحسين حظوظ نجاحها.  والأهم ، والذي من أجله هما في الجزيرة هو موافقة "ياسمين"  على قبول “مازر” رفيقا لحياتها.

 

 وأقاما يوما في البيت وبقيا على إتصال بسيدهما الملك "عبد الله المذهب" وبدوره كان يتصل مع ملك الجن والد“مازر” ويطلعه بكل جديد. واكتملت الحلقة واكتملت الخطة وباتا ليلتهما دون أن يتركا دارتهما  أو يزورهما فضولي.

 

ويبدأ الفصل الثاني من هذه القصة وقد عرف جميع الذين تحق لهم المعرفة أرضِيتها وأهدافها وخطة العمل فيها.

 

وفي هذه الأثناء وبانتظار الموعد الأول في بيتهما وهو يوم الخميس ويليه بعد ذلك في يوم السبت في القصر الملكي  حسب الموعد الذي ضربته "ياسمين" لهما فقد إعتلى كل صهوة جواده وجالا في أنحاء المملكة أو ما تيسر لهم منها ليتعرفا عليها وعلى الساكنين فيها يقدمان لمن هو بحاجة المساعدة ، وهؤلاء قلة ، فكسبا بعض الصداقات أو بالحري بعض المعارف وكانا بأعين من يراهما كما وصفنا قمة في الهيئة والشكل يوحيان بالثقة لمن يتعرف عليهما ويمتطيان حصانين أصيلين لم يروا مثلهما سابقا في كبريائهما وأصلهما فزاد ذلك من إحترام الناس لهما. ومضى اليومان الفاصلان للحفل الذي دعوا إليه في بيتهما فحضَّرا الواجب وأزيَد.  وارتأيا  أن يبدءا  بإستقبال الضيوف من قبل الظهر اليوم  إظهارا لحماستهما لإستقبال من يأتي حينما يأتي ، يترأسهم بالطبع كبير شرطة الجزيرة ومعه كبار معاونيه  وباقي الضيوف يأتون فُرادا وثُنى أو جماعات.

 

وإن كانت هاتان المناسبتان هما من الأهمية بمكان فإن ما خُطِّط له وهو على وشك التنفيذ يبدأ فعلا فصلا متقدِّما من العمل الجادّ الهادف والواعد والذي يؤمل أن يُتَوَّج  بتحقيق هدف المهمة أو تحويل الجهد والإهتمام إلى منحىً مختلف فيه إبداع وفهم أكثر لما قد يُحَرِّك "ياسمين" بإتجاه أو آخر فيضمن عدم التأخر في معرفة مصير المبادرة وبالتالي تشجيعها أو تفادي مفاعيلها.

 

وكما قلنا ننتقل الآن إلى الفصل الثاني والأهم ومعرفة ما جرى بعد أن كانت الأرضية قد مُهِّدت والأمور وُضِّحت وتَعرَّف المبادرون على من إتَّضح أن له في هذا الموضوع موقعٌ وقولٌ فاكتملت الحلقة وانحصرت فيهم أو بمن يأتمنهم. ومن الطييعي أن نروي ما يجرى في الدعوتين في بيت "ورد" و"المحارب" وبعد ذلك في القصر الملكي لمقابلة "ياسمين" والملكين.

 

وينتهي الفصل الأول وننتقل إلى فصل جديد

يأخذنا باليد من عمل مميز غريب إلى قصص أشبه بالخيال لا تُصّدَّق