القصة كما رواها "ورد" للملكين والأمير --الجزء الثالث

ونسرد القصة كما رواها "ورد" ولا نُكرر ما سبق وأوردناه على لسانه أو لسان "المحارب". قال:

جئنا من تاناناريف وهي في الواقع محطة على طريقنا إليكم فإننا لم نُبحِر في سفينة غرقت على شواطيء الجزيرة بل قصدنا المجيء إليكم وسَبْر غَور قبولكم أو عدم قبولكم لمطلب سيدنا الذي جئنا لإجله إلى الجزيرة الجميلة. الطريق نعرفه وما قمنا به هو فقط للوصول إليكم بعدأن نكون قد ميَّزنا  أنفسنا عن العامة وحتى عن المتعلمين في قلب جزيرة الياسمين وفي مختلف أصقاع الأرض التي نَصِفُها لكم في معرض حديثنا والحديث يطول.

لقد كلفنا سيدنا الملك" عبد الله المذهب"  بطلب من  ملك الجان الأعظم "الحارث بن مرة" ، أن نستطلع ما تريده ألاميرة "ياسمين" من زواجها، هذا إذا كانت تريد الزواج، والكل يعلم أنها لم تقبل بأي أمير أو ملك أو فارس تقدم لطلب يدها. والكل في بلادنا يعرف أن "ياسمين" من أجمل نساء العالم وأكثرهن علما وشجاعة وفروسية ونسبا وأنها ولية عهد أبيها في الملك وأن لا شيء من متاع الدنيا يُغريها أو حتى يستهويها.  وكنا تحدثنا عنها وعن ميزات شخصيتها في أوائل القصة.

و"للحارث بن مُرَّة" أربعة أولاد ذكور أكبرهم "مازر"، ولي عهده ، وهو من هو جمالا وكياسة ونسبا وثروة وقوة وفروسية ، وقد أحب "ياسمين" حبا جمًّا وأصبح حلمه الأوحد أن يطلب يدها فتقبل به زوجا ويعيشان عيشة هنيَّة لا عُقد فيها ولا طموحات إذ أن الزوجين إذا ما تمَّ لهما ما أرادا فلن يكونا في حاجة لطلب المزيد إذ أن لا مزيد على ما لهما في مملكتين مميَّزتين  يكللهما  حبٌّ طاهر وشعوب تنظر إليهما وكأنهما من الآلهة  بسبب القدر الكبير من محبتهما لشعوبهما  وإهتمامهما بسعادة كل فرد فيهم.

وقد يتساءل الواحد عن حبٍّ بين شخصين لم يجتمعا ولا للحظة . وإن كان "لمازر" القدرة على رؤيتها عن بعد وكأنه في حلم فإن "ياسمين"لم تكن لها الفرصة نفسها ولهذا كان التعقيد والتخطيط الطويل والمتعب للتقرب والتعارف  بين أميرة من البشر وأمير من غيرهم.

أما وقد إختير من إختير لمتابعة مُبتغى "مازر" وتعريف "ياسمين" به فقد إرتاح "مازر" وأبوه وتابعا ما يقوم به مندوبَيه في "جزيرة الياسمين" وكانا مسروران لنوعية ما يجري. وهذا التفسير وجده "الأمير المحارب" ضروريا كي أفهم بينما هو يدير حُلُمي،  كيف تطورت القصة. وبعدها كانت الرواية الكاملة والتي يقُصُّها "ورد" الآن على العائلة المالكة في الجزيرة والتي قد تتطوَّر خلال السرد أو بعده مباشرة. ونعود إلى "ورد" والملكين والأميرة والقصة كما يرويها لهم.

بلاد الجان كما رواها "ورد"

في بلادنا تعيش طائفة من قبائل الجان،  وهم أحياءٌ لهم خصوصية لا تتوفَّر لبني البشر وأنتم منهم تنطبق عليكم الصفات ذاتها ، يعيش أفرادها مئات السنين وحتى بعضهم يعيش إلى أكثر من ألف عام كما هو الحال مع زميلي وصديقي "الأمير المحارب" وأختصر إسمه فأدعوه "المحارب"  تسهيلا لمناداته أو ذكر إسمه للآخرين،  وهم مخفِيُّون عن البشر كلياً إلا إذا شاء من يُسمح له رؤيتهم أو التحدث إليهم ويُسمح فقط إذا كان السبب مقبولا أو إذا ما سخَّره سيِّد منهم لعمل ما مع البشر. وللشرح والإيضاح فإن لدى قبائلنا "سادة" من علية القوم لهم حق التكليف أو منعه. ونحن أي "المحارب" وأنا كلفنا سيدنا "الملك عبد الله المذهب"، خادم يوم الاحد ولبسُه وتاجه من الذهب، من ملوك الميامين ، أكبر القبائل عدداً ومن أشرفها نسباً، أن نأتي جزيرتكم زيارة لها هدف نأتي على ذكره عندما يحين وقت ذكره.

"المحارب " وأنا شكلنا العادي والطبيعي ليس هو كما نبدو لكم اليوم فقد غيَّرنا من مظهرنا كي لا يفاجئكم ما نبدو عليه وأنتم كباقي البشر لم تروا الجن كما هم،  بل كل من رأى جنيا رآه كما يحبُّ أن يراه وكما نبدو لكم الآن. وستتعرفوا على الجن وتفاصيل حياتهم وعملهم وشكلهم وكل ما تريدون معرفته عنهم قريبا .

"المحارب" هو في الجزيرة  مُكَلَّف أولا وأخيرا بحماية الأميرة "ياسمين" من أي شرٍّ قد تواجهه وعلى ذلك فهو معها في كل الأوقات  وهو جاهزٌ دائما وقدراته الجسدية لا  مثيل لها في الإنس ولا الجن وهو خبير قتال تدرّب على أيدي كبار المحاربين الأشداء المُجرَّبين وأصبح من أشدهم باعاً  وأكثرهم تجربة وله من العمر ما ينيف على الألف عام. ولا علاقة له بحياة الأميرة الخاصة فهناك حدود لعمله لا يتخطَّاها. وشكله يتغير ليعطيه أعلى درجات المرونة والشدة في قتاله. ذلك لا يمنعه على كل حال من العمل معي عندما أحتاجه كما لا يمنعني عملي من مساعدته عندما يطلبني.

أما شكلي أنا فهو قريب مما ترون وإن إختلف قليلا وذلك لدقة عملي وحساسيته. وأنا أيضا تدربت على يد من سبقني وخبرت الدنيا بأُنسها وجِنِّها وساعدت ممالك وأجريت الكثير من المصالحات بين دول إحتَرَبَت كما قدت جيوشا وتبوأت مُلكا هو للإنس إنما لفترات قصيرة كي أفسح في المجال لصاحب الحق أن يتهيأ. أما عمري الآن فهو لا يتعدّى الثلاثمائة سنة،  وأنا فخور بثقة من أولاني هذه المهمة وبقدراتي وأنا أسير في طريق آمل أن يؤدي إلى النتيجة المرتجاة.

وأشرح لجلالتكما ولسمو الأميرة ما سمعتما عنَّا وكله تقريظ بقدراتنا ، كيف قمنا بما قمنا به وبالسرعة التي شاهدتموها وبقتال الوحش كي نعود إلى أساس القصة وسبب وجودنا هنا بعد أن نكون قد وضَّحنا كل شيء وأصبحت الأسئلة مُجابة فلا تُشَوِّش على المُهِم مما نروي.

ونخبركم عن البيت الذي بنيناه على الجزيرة، كيف تمَّ بناؤه بليلة واحدة وكيف زُرعت الأشجار على أنواعها وكأنها أشجار ونباتات مُعمِّرة. والحجارة والأثاث من أين أتت.  والغلمان والصبايا الجميلات حور العيون يخدمون ضيوفنا ويُحدثوهم ويتأكدون من أن ما يريدون يأتيهم ذكروه أو لم يذكروه فهم من عشائرنا أُرسلوا إلينا ليسهروا علينا وعلى علاقاتنا مع الناس. والجوادان الكريمان من أنسابٍ شريفة  اللذان نمتطيان في جولاتنا في أصقاع هذه الجزيرة الكاملة الحسن بوجودكم والأميرة على رأسها.

ونحن أتَينا اليكم مسافرين كما يسافر أبناء جنسنا وليس في سفينة كما إدَّعينا .كل ما يقتضيه سفرنا هو أن نفكر بالمكان الذي ننوي السفر إليه  وبلمح البصر نصله  ونكون فيه وبالتالي فإن تنقلاتنا لا تبعدنا عن أهلنا وعشيرتنا ولا عن الشعوب البشرية التي نعيش معها في مساحة واحدة في عالم متوازي. وطبعا سنخبركم عن نَقلِ ما إحتاج بناء البيت من مواد ومهندسين وعمال وكيف أتوا إلينا في تلك الليلة، فالمواد والأشياء لا تنتقل كما نحن ننتقل ونسافر وإنها تحتاج إلى من يحملها وينقلها كما تنقل البضاعة إنما عندنا وسائل أفضل من السفن وأسرع .

وأيضاً نخبركم عن الدنيا والتي جزيرة الياسمين منها لتتعرفوا إلى ما فيها من ممالك وشعوب مختلفة لها لغاتها الخاصة بها ويتعلم الشعوب لغة جيرانهم للتواصل معهم، وما في الدنيا من خيرات وحيوانات ونبات. والدنيا في أكثرها مغمورة بالمياه كتلك البحار التي تحيط بجزيرتكم،  وبعضها مغطى بالثلوج طوال السنة ونأتي على ذكرها في أحاديثنا الجغرافية.

وقبل أن نبدأ فإنني والأمير" المحارب" على كامل الإستعداد للرجوع في شكلنا إلى ما  نحن حقيقة عليه فتروننا كما يرانا بَنو  أبينا ، أي أبناء عشائر الجن. ونحن نعرض ذلك عليكم فقط لأنه يؤيد ما نقول عن صدقنا  ورغبتنا في إتمام القصة وأنتم على إطلاع بكل ما يحق لكم أن تعرفوه فترونا على طبيعتنا.  لكننا لا نُصِرُّ على عرضنا لأن شكلنا قد يزعج نظركم أو نظر البعض منكم والخيار لكم .