البيت وكيف بنوه - الجزء السابع

قال: لما إستأذنّا من مضيفينا الصيادين كي نشكرهما على كرم ضيافتهما لنا وأخبرانا بأنه لا توجد في الجزيرة فنادق أو بيوت تؤجّر للغرباء قررنا بناء بيت واشترينا بمساعدتهما قطعة أرض من كبير الشرطة. وبعد أن دفعنا الثمن واستلمنا سند الملكية إتصلنا بسيدنا وأخبرناه بما قررنا فاستحسن قرارنا وأرسل لنا ما نحتاج إليه من مواد بناء وأثاث ونباتات نزرعها في  الحديقة، كما أرسل المهندسين اللازمين والعمال والغلمان الذين طلبنا وحور العيون أيضا وكلهم وصلوا يوم أبلغناه.

 

وقد أرسلهم سيدنا على ظهر رُخٍّ كبير وساعدته عنقاء كبيرة أيضا. وسأخبركم بما هي العنقاء والرخ أيضا في الحال، إنما دعونا ننهي قصة بناء البيت.

 

فلما وصلوا وأنزلوا المواد رأينا أن البيت كان يتكوَّن  من ستة أقسام مركبة  ولا  ينقصها  إلاّ  التجميع وإدخال الأثاث إليه وترتيبه. وكانت المزروعات أيضاً جاهزة  تحملها العنقاء وكأنها حديقة، او بالفعل الحديقة التي هي الآن مزروعة حول البيت. ونحن عجبنا من حسن إدارة هذه العملية وتأكدنا عندها بأن الهدف النهائي لزيارتنا للجزيرة من الأهمية بمكان كبير. واشتغل المهندسون والعمال وكأنهم جزء من آلة واحدة وما أن إنتصف الليل حتى كان كل شيء في مكانه والبيت بُنِي والحديقة غُرست أشجارها والنباتات ،قام الغلمان وحور العيون بترتيب البيت من الداخل فجاؤوا بالمأكولات اللازمة وباختصار حتى أنا و"المحارب" أدهشتنا كفاءتهم. أما الرخ فرجع  عندما إنتهى العمل وركب العمال والمهندسون على ظهره وطار بهم وأرجعهم من حيث أتوا. أما العنقاء فلم تأتِ لأن المرتجع مما جاؤوا به لم يكن يحتاج إلاّ إلى واحد منهما.

 

الرُّخ والعنقاء

العنقاء طائر ضخم طويل العنق يغطي جسمه ريش ملون ، وهو يعيش ما بين 500 سنة و 1000 سنة ، وفي نهاية هذه المدة يبني لنفسه عشًّا من أعواد نبات المر ، حيث تشتعل النار في الطائر والعش فيتحولا إلى رماد ، وعندئذ ينهض من الرماد طائر عنقاء جديد يعيش نفس المدة .

 

أما الرخ فإن من يراه يرى قبة ضخمة بيضاء يحملها طائر ضخم يحلق في السماء و القبة الضخمة هي بيضة ذلك الطائر العملاق ، فالشمس تختفي والجو يُظلم إذا ما طار نهاراً، لذلك فضَّل سيدنا أن يرسله في الليل كي لا يتضرر أحد في النهار  من العتمة التي يحدثها ويعيش على ما يقال أكثر من العنقاء بألف سنة.

 

وقد ورد ذكر الرُخ والعنقاء في أساطير القدماء ولا يعرف أحدٌ إذا ما كان لبعض القدماء دالَّة عليهما او على أحدهما  أو سُطوة سمح لهم بتدجينهما والإفادة من قدراتهما.  الوحيد من البشر الذي إستطاع  هو الملك سليمان الذي كان يحكم منطقة في شبه الجزيرة العربية وعاصمتها القدس، وهذا الملك لم يكن له مثيل قبله ولم يأت بعده من هو بِقَدَرِه. أما أحد ملوك الجن وهو الآن  "ملك الجان الأعظم الملك الحارث بن مرة" فقد تعلم من الملك سليمان وأخذ عنه هذه القدرة، ولا يزال، وقد كان ممن عملوا عنده عندما كان في مقتبل العمر، وكان مخلصا له فكافأه بما تعلم وأعطاه من قوته الشيء الكثير.

 

وختم "ورد" كلامه فقال، إن ما أخبرتكم به هو كلُّه صحيح، لا مبالغة فيه ولا نقص، ويعلم سيدي أنني رويت لكم القصة بحذافيرها ولم يبق لنا ما نخبركم به إلاّ الهدف الحقيقي من زيارتي وزميلي "الأمير المحارب" للجزيرة . وبما أن الليل قد إنقضى والشمس على وشك أن تُشرق، فإننا نقترح أن نأخذ قسطاً من الراحة إذا إرتأيتم ذلك ونكون في خدمتكم مساء اليوم أو قبل المساء لننهي روايتنا.

 

شكره الملك على سرد القصة الطويلة العجيبة التي لم يسمع بمثلها  ولا بد أن يراجع ما سمع مع ملكته "رونق" وإبنته الأميرة "ياسمين" ويفهموا بوضوح ما جرى ويلتقون معهما مساءً  ويرسل من يخبرهما بالموعد ومكانه.

 

خرج الجميع من القاعة متعبين وتراودهم من الأسئلة الشيء الكثير لغرابة القصة رغم صدقيتها وكان تأجيل الإجتماع فرصة يحتاجون إليها لِغَربَلَة الوقائع وفهمها وهضمها. وكانت سلامات الملك وعائلته ل"ورد" و"المحارب" جدّ ودِّية.

 

لقاء المساء

أكَّد الموعد أحد مرافقي جلالته وأبلغهما أن العائلة ستزورهم في منزلهم غروب شمس  اليوم. وهكذا كان فحَضّرا كل ما يلزم لإستقبال جلالتيهما وسمو الأميرة  في قاعة تليق بالمقام ، وطبعا حضرا لمن يأتي معهم ومكان إستقبالهم والغلمان وحور العيون اللازمين لخدمتهم.

 

وجاء المساء وكانا في إستقبالهم وجاء معهم بعض مرافقيهم من الذين لن يُدعو إلى قاعة إجتماعهما بالملكين والأميرة، إذ أن الحديث خاص وموجه للعائلة فقط.  وقادهما إلى القاعة الخاصة، بينما قاد المرافقين كبير الغلمان إلى قاعة فسيحة مريحة وكان في خدمتهم بعض من حور العيون.

 

وبعد إستراحة قصيرة تخللها شرب بعض عصير الفاكهة وكان أمام كل من الملك والملكة والأميرة الجالسين على أرائكهم طاولات صغيرة صُفت عليها بعض المقبلات.  وبعد سؤال الملك عن المشروب المفضل  أُحضرا لمشروب المطلوب وهو من أفخر أنواع الخمور أضيف إليه رحيق مُنتقى مما أعطاه نكهة مميزة وعندها إستأذن "ورد" في الكلام وسأل الملك إن كان له أو للعائلة أسئلة يجيب عليها قبل البدء بالسرد،  أجابه بأن أسئلة كثيرة يريدون طرحها ولكنهم إرتأوا تأجيلها إلى ما بعد مساء اليوم، وطلب منه أن يباشر فيكمل ما بدأ لأنه مُتشوِّق لمعرفة أسباب ما جرى وما هو هدف الزيارة.