english

اتصل بنا 

عرفونا بكم 

 معرض الصور

رسـائـل وأخبار

دليل الموقع

تعرف علينا 

   

                                                                                                                                           

 

 
عودة إلى: حضارات

                                                                                                                                        

المماليك

المماليك هم الرقيق الذين كانوا يؤسَرون في الحروب. وقد اعتمد عليهم السلاطين في دفاعهم عن عروشهم، فكانوا يأتون بالرقيق ويسلمونه إلى المختصين ليعلّموهم القراءة والكتابة وحفظ
القرآن الكريم. وإذا ما شبّوا، بدأوا في تعليمهم فنون الحرب والرماية والفروسية وينتقل بعدها المملوك من رتبة إلى رتبة إلى أن يبلغ أمير الأمراء أو قائد الحرس الملكي أو قائد الجيش.

أول من قام بنقلهم هو الملك الصالح نجم الدين أيوب. وبعد وفاته عام 638 هـ كتمت زوجته شجرة الدر أمر وفاته حتى وصل إلى
مصر ابنه توران شاه حيث قاد بنفسه قتال الصليبيين، بينما كانت هي تدير شؤون المملكة. وقد تمكن الأمير بيبرس البندقداري من جمع جيش المسلمين وإبادة الصليبيين الغزاة. ثم اختلف توران شاه مع الأمير فارس الدين أقطاي وبيبرس البندقداري وقتلوه عام 648 هـ. أما شجرة الدر فقد عيّنت عز الدين أيبك سلطاناً وتزوجته فيما بعد. وقد غضب الأيوبيون في بلاد الشام من سيطرة عز الدين أيبك على مصر وقاتلوه. إلا أنهم لم يستطيعوا انتزاع السلطة منه، إلى أن أعلن أيبك ارتباط مصر بالخلافة العباسية في بغداد وراح يخطب للخليفة المستعصم. ثم برز الأمير فارس الدين أقطاي وعلا نجمه وصار ينافس عز الدين أيبك. فاستدعاه أيبك وقتله بواسطة سيف الدين قطز. واسرع أنصاره لانقاذه ظناً منهم أنه لم يمت وعلى رأسهم الظاهر بيبرس وقلاوون الإلفي. لكنهم لم يلبثوا أن أخبروا أن أمره قد انتهى. وهكذا انقسم المماليك إلى «معَزية» أنصار أيبك وبحرية أو صالحية أنصار الملك الصالح أيوب. ثم قامت شجرة الدر بمساعدة مماليكها على قتل زوجها عز الدين أيبك بعدما علمت أنه ينوي الزواج مرة أخرى. وفي عام 655 هـ وإثر وفاته قدّم المماليك عليهم نور الدين علي بن عز الدين أيبك. ولكن سيف الدين قطز لم يلبث أن عزله لضعفه وصغر سنه وللأخطار المحدقة بالمسلمين من كل صوب، وخاصة بعدما سقطت بغداد حاضرة الخلافة الإسلامية بيد المغول عام 656 هـ واستولوا على بلاد الشام (حلب ودمشق). عند ذلك عاد المماليك إلى وحدتهم ليقفوا بوجه الجيش المغولي الكاسح الذي يستعد للهجوم على مصر فانضم المماليك المعزية بقيادة الظاهر بيبرس والأمير قلاوون إلى قيادة سيف الدين قطز وخاضا معاً معركة عين جالوت. وقد كان أمير الجيش الإسلامي سيف الدين قطز وانتصر المسلمون انتصاراً كبيراً وقتل قائد التتار كتبغا وأسر ابنه.

تابع قطز تقدمه نحو بلاد الشام فحررها من التتار وأعاد بعض ملوك الأيوبيين إلى ممالكهم بعد أخذ المواثيق والعهود عليهم بالولاء ودفع الاتاوات للسلطان بمصر.

وبعد عودة المماليك إلى
القاهرة، قتل الظاهر بيبرس أميره سيف الدين قطز لخلافات قديمة. واتفق أمراء المماليك على تعيين الظاهر بيبرس البندقداري سلطاناً على مصر. ومع استلامه أمور السلطنة، وقفت دولة المماليك على أقدامها وأصبحت محط أنظار المسلمين.

استمر الحكم المملوكي 275 عاماً وتقسم إلى قسمين:

 ـ المماليك البحرية 648 ـ 792 هـ.
ـ المماليك الجراكسة 792 ـ 923 هـ.

المماليك البحرية. يمتد حكمهم ما يقارب من مائة وأربع وأربعين سنة. وقد تمثل في هذا الحكم اسرتان فقط هما:

ـ أسرة الظاهر بيبرس البندقداري وقد دام حكمها عشرين سنة (658 ـ 678 هـ) حكم خلالها الظاهر بيبرس 18 سنة أي حتى سنة 676 هـ. وتولى السلطنة بعده ابنه الملك السعيد محمد وكان عمره 18 سنة. ولم يلبث في السلطنة سوى سنتين حيث قام عليه المماليك للهوه وأرسل ليكون ملكاً على الكرك وعين مكانه أخوه بدر الدين سلامش وكان صغيراً لا يتجاوز 7 سنوات. وعين الأمير سيف الدين قلاوون أتابكاً له ولقب بدر الدين بالملك العادل، غير أنه لم يلبث أن خلع وبايعوا الأمير سيف الدين قلاوون ولقبوه بالملك المنصور وذلك عام 663 هـ..

امتد حكم أسرة السلطان المنصور قلاوون 114 سنة (678 ـ 792 هـ). وقد تمكن المنصور قلاوون من توحيد كلمة المسلمين مع بلاد الشام وقاد الجيش الإسلامي عام 780 هـ ضد الجيش المغولي قرب مدينة
حمص وقلب الهزيمة إلى نصر ساحق. كما فتح قلاوون قلعة المرقب وما حولها عام 684 هـ وانتقل بعد ذلك إلى طرابلس وفتحها عام 688 هـ وكانت قد بقيت بأيدي الصليبيين منذ عام 503 هـ.

وفي عام 689 هـ توفي السلطان المنصور قلاوون وخلفه ابنه الأشرف صلاح الدين خليل الذي أكمل مسيرة أبيه في الجهاد فحرر
عكا من الصليبيين عام 690 هـ كما دخل صيدا وصور وبيروت وجبيل وطرطوس.

وفي عام 693 هـ قُتل الأشرف صلاح الدين خليل بيد أمراء المماليك وتولى أمور السلطنة قاتله بيدرا الذي لقب بالملك القاهر. غير أنه قتل في اليوم الثاني وعين مكانه محمد بن السلطان قلاوون ولقب بالملك الناصر وكان عمره 8 سنوات. ولم يمضِ عام على توليته حتى خُلع وتولى الأمر بعده الأمير كتبغا وتلقب بالملك العادل.

ثم قام نائبه على مصر حسام الدين لاجين أثناء زيارة الملك العادل لدمشق بخلعه وبويع بالسلطنة من قبل الأمراء المماليك. وتلقب لاجين بالمنصور وذلك عام 696 هـ. ثم قتل أمراء المماليك الملك المنصور لاجين ونائبه سيف الدين منكوتمر عام 698 هـ وأعيد الملك الناصر محمد بن قلاوون سلطاناً. وعلى عهده تولى الخلافة المستكفي بالله سليمان بن أحمد الحاكم بأمر الله الذي على عهده فتحت جزيرة أرواد وهي آخر موقع للصليبيين في بلاد الشام.

وكذلك كان الخليفة المستكفي على رأس الجيش الإسلامي مع السلطان محمد بن قلاوون في مواجهة التتار في موقعة شقجب قرب دمشق. وقد انتصر المسلمون في هذه المعركة نصراً كبيراً. كما أرسل السلطان محمد بن قلاوون حملة إلى آسية الصغرى بقيادة أمير الشام دنكز عام 715هـ فاستطاعت دخول ملاطية على نهر الفرات.

وفي عام 736هـ قبض السلطان على الخليفة ونفاه إلى بلدة قوص جنوبي
مصر وبقي هناك حتى وفاته عام 740 هـ. وبويع بعده إبراهيم بن محمد بن أحمد الحاكم بأمر لله الذي كان سيء الخلق وقد بقي بالخلافة ست سنوات. وقد ندم السلطان محمد فيما بعد على مبايعته. وأوصى بمبايعة أحمد بن الخليفة المستكفي وذلك عام 742 هـ.

أما بشأن السلطنة، فقد تولاها سيف الدين أبو بكر بن السلطان الناصر محمد بن قلاوون الذي بايع الخليفة أحمد ولقّبه بالحاكم بأمر الله. وقد توالى على هذا الخلافة ثمانية من أبناء السلطان الناصر محمد بن قلاوون في مدة لا تتجاوز 10 سنوات.

وفي عام 753 هـ مات الخليفة الحاكم بمرض الطاعون وخلفه ابنه أبو بكر الملقب بالمعتضد بالله وبقي بالخلافة مدة عشر سنوات. وعلى عهده خلع السلطان الملك الصالح صالح عام 755هـ وأعيد الناصر حسن وبقي في السلطنة مدة سبع سنوات ثم قتل عام 762هـ وأعطي السلطنة ابن أخيه المنصور محمد بن المظفر أحمد حاج. ولم تمض عليه سنتان حتى خلع وتولى السلطنة ابن عمه الأشرف شعبان بن حسين بن الناصر محمد بن قلاوون.

في عام 763 هـ توفي الخليفة المعتضد وخلفه ابنه المتوكل على الله محمد. وعلى عهده قام الصليبيون من قبرص بغزو
الاسكندرية والاستيلاء عليها بتأييد من الملوك الأوروبيين. وفي عام 778 هـ قُتل الأشرف شعبان وسلّمَت السلطنة إلى ابنه علي الذي بقي حتى توفي عام 783 هـ وتسلم الأمر من بعده أخوه الصالح حاجي لمدة سنة فخلع بعدها وأخذ الأمر السلطان الظاهر برقوق وهو أول المماليك الجراكسة.

المماليك الجراكسة (792 ـ 923 هـ). موطنهم الأصلي هو الأرض المشرفة على البحر الأسود من جهة الشمال الشرقي. وقد غدت تلك الجهات آنذاك مسرحاً للصراع بين مغول فارس وبين مغول القنجاق. وهذا الصراع جعل أعداداً من أبناء الجركس يدخلون في سوق النخاسة وينتقلون إلى مصر. فاشترى السلطان قلاوون أعداداً منهم ليتخلص من صراع المماليك البحرية. وقد أُطلق على هؤلاء المماليك الجدد المماليك الجراكسة نسبة إلى أصولهم التي ينتمون إليها. وقد حرص المنصور قلاوون على تربية مماليكه التربية الدينية والعسكرية في وقت واحد. وبعد مدة أصبحت أعدادهم كثيرة وغدوا أصحاب رتب عسكرية ومنهم الأمراء والقادة واستطاعوا أن يتسلموا السلطنة ويحكموا البلاد.

حكم الجراكسة مصر والشام والحجاز مدة تزيد على مئة وإحدى وثلاثين سنة (792ـ 923هـ). تعاقب في هذه المدة سبعة وعشرون سلطاناً لم تزد مدة حكم أكثرهم على خمسة عشر عاماً إلا لأربعة منهم هم: الأشرف قايتباي وقد حكم 29 سنة والأشرف قانصوه الغوري وقد حكم 17 سنة والأشرف برسباي وحكم 16 سنة والظاهر جقمق وحكم 15 سنة.

وهناك ستة سلاطين حكموا عدة سنوات. أما السلاطين الخمسة عشر الباقون، فكانت مدة حكم الواحد منهم أقل من سنة. حتى إن بعضهم لم يلبث في السلطنة سوى يوم واحد، وهو خيربك الذي تسلم السلطة مساءً وخلع صباحاً.

تسلم السلطان الظاهر برقوق السلطنة للمرة الأولى مدة ست سنوات (785 ـ 791 هـ) ثم قبض عليه وسجن بالكرك وأعيد السلطان حاجي لمدة سبعة أشهر فقط. ثم رجع الظاهر برقوق إلى السلطنة واستمر في المرة الثانية بالحكم حتى توفي عام 806 هـ، وقام بعده ابنه السلطان فرج ولقب بالناصر وبقي حتى عام 808 هـ، حيث خُلع وحل محله أخوه عبد العزيز الملقب بالمنصور. ثم خُلع هذا الأخير بعد ثلاثة أشهر تقريباً وأعيد الناصر فرج. وفي ذلك العام توفي الخليفة المتوكل على الله محمد بن المعتضد.

وفي عام 759 هـ دخل تيمورلنك
بغداد وهدد المنطقة وخرج الظاهر برقوق على رأس حملة لمواجهته. غير أن المعركة لم تحصل بسبب عودة تميورلنك إلى الشرق.

وفي عام 803 هـ خرج الناصر فرج بن برقوق على رأس حملة إلى بلاد الشام، لكن جيشه تركه وعاد إلى مصر فدخل تيمورلنك
دمشق وسحق الجيش المملوكي.

وفي عام 805 هـ انتصر تيمورلنك على الجيش العثماني الذي كان بقيادة السلطان بايزيد العثماني، فاضطر الناصر فرج بالرضوخ لشروط تيمورلنك وضرب النقود باسمه.

وفي عام 808 هـ توفي الخليفة
المتوكل على الله وبويع بعده ابنه المستعين بالله العباس بن محمد الذي تحمل أيضاً أعباء السلطنة بناء على رغبة الأمراء المماليك بعد مقتل السلطان الناصر فرج عام 815 هـ أثناء قتاله للمحمودي. فعمد الخليفة إلى تفويض «شيخ» تدبير شؤون المملكة، ثم طلب «شيخ» من الخليفة أن يفوضه أيضاً السلطنة، إلا أن الخليفة رفض ذلك، فأخذ الشيخ السلطنة بالقوة وتلقب باسم «المؤيد» وأعلن خلع الخليفة المستعين وبايع أخاه داوود بن المتوكل على الله. وفي عهده انطلق السلطان المؤيد إلى الشام لإخضاع نائبها «نوروز» عام 817 هـ الذي رفض الانصياع له بعدما خلع الخليفة المستعين وقد تمكن من الانتصار عليه. وقد تابع طريقه إلى أطراف بلاد الشام الشمالية لإعادة تبعية الإمارات التركمانية إلى الدولة المملوكية.

وفي عام 824 هـ توفي السلطان المؤيد وقلد السلطنة ابنه أحمد ولقب بالمظفر وأعطي الأمير «ططر» تدبير شؤون المملكة. وبعد مرور سبعة أشهر خلع ططر السلطان المظفر وتسلم مكانه وتلقب باسم الظاهر. وبعد أربعة أشهر توفي ططر، فقلد الخليفة أمر السلطنة لابنه محمد الذي تلقب بالصالح وجعل شؤون المملكة للأمير برسباي. وبعد أربعة أشهر أي في عام 825 هـ خَلع الأمير برسباي السلطان الصالح بن ططر وتسلم شؤونها وقلده الخليفة أمرها وتلقب بالأشرف. عمل الأشرف برسباي على رد الغارات التي قام بها الصليبيون من قبرص. ففي عام 827 هـ أرسل حملة أولى إلى ليماسول للاستطلاع. وفي العام التالي أرسل حملة عسكرية إلى مدينة «فاماغوستا» وقد أحرزت النصر ومكثت أربعة أيام ثم اتجهت إلى مدينة «ليماسول» وتمكنت من فتحها. وبعد عام أيضاً خرجت حملة جديدة سارت نحو «ليماسول» ففتحتها ثم اتجهت نحو الداخل فالتقت بجيش عظيم يقوده ملك قبرص «جانوس» وجرت معركة طاحنة بين الفريقين انتصر فيها المسلمون انتصاراً كبيراً وأسروا الملك «جانوس» ورجعوا به إلى مصر. ثم فدى الملك نفسه على أن تصبح قبرص تابعة لدولة المماليك.

وبالنسبة إلى إمارات التركمان على أطراف بلاد الشام، فقد أرسل الأشرف برسباي حملة عام 833 هـ استطاعت تهديم مدينة «الرها». وبدأ بعدها النفوذ العثماني يقوى في تلك الإمارات.

توفي الأشرف برسباي في عام 841 هـ فقلد الخليفة السلطنة إلى الأمير جقمق. وبعد ثلاثة أشهر خُلع جقمق من السلطنة على يد العزيز يوسف بن برسباي وتلقب بالعزيز وجعل شؤون المملكة إلى الأمير جقمق الذي قام بعد ثلاثة أشهر أيضاً بخلع السلطان العزيز بن برسباي وتسلم هو أمرها من جديد. وقد اشتهر الظاهر جقمق بورعه وتقواه، كما قام في عام 844 هـ بغزو جزيرة رودوس بتشجيع من السلطان العثماني مراد الثاني.

وفي عام 845 هـ توفي الخليفة المعتضد بالله داوود وخلفه شقيقه سليمان بن محمد الملقب بالمستكفي بالله.

توفي الخليفة عام 854 هـ وتولى الخلافة بعده أخوه القائم بأمر الله حمزة بن محمد المتوكل. وقد توفي على عهد الظاهر جقمق عام 857 هـ فقلد الخليفة ابنه عثمان أمر السلطنة وحمل لقب المنصور. وكان مدبر شؤون الدولة الأمير «أينال». وبعد شهر ونصف الشهر من تسلم المنصور السلطنة خلعه الأمير أينال وتسلَّم مكانه فقلده الخليفة أمر السلطنة وتلقب بالأشرف. واختلف السلطان أينال مع الخليفة القائم بأمر الله فقبض السلطان على الخليفة وسجنه بالاسكندرية حتى مات عام 863 هـ، ثم بايع أخاه المستنجد بالله يوسف بن محمد وهو الخليفة الخامس من أبناء المتوكل على الله. وقد بقي الأشرف أينال سلطاناً حتى وفاته في عام 865 هـ حيث قلد الخليفة من بعده ابنه أحمد وتلقب بالمؤيد. ولم تمض مدة حتى وثب على المؤيد الأمير خشقدم وخلفه واستبد بالأمر وتقلد السلطنة من الخليفة وتلقب بالظاهر سيف الدين خشقدم، واستمر في حكمه سبع سنوات حيث توفي عام 872 هـ فتوالى على السلطنة الأمير «بلباي» الذي حكم شهرين ثم الأمير «تمربغا» الذي حمل لقب الظاهر ثم خلعه الجنود وعينوا مكانه الأمير خيربك الذي خلع بعد 12 ساعة ثم تقلد السلطنة الأمير «قايتباي» ولقب بالأشرف فاستقر له الأمر مدة 29 سنة وأخذ الأمور بحزم فدانت له البلاد. ونتيجة الاستقرار فقد انصرف إلى إنشاء الجسور والمدارس والمساجد كما اهتم بالأمور العسكرية. فأرسل عدة حملات ضد إمارة «ذو القادر» التركمانية على حدود بلاد الشام والتي تخضع للعثمانيين بالولاء، وكان ذلك على عهده السلطان العثماني محمد الفاتح. وقد استطاعت الحملة التي أرسلها الأشرف قايتباي عام 876 هـ ضد "شاه سوار" زعيم هذه الإمارة أن تستولي على «عينتاب» «وأضنة» «وطرسوس» وأن تأسر «شاه سوار» نفسه وحمله إلى القاهرة حيث شنق عام 877 هـ. وكان الأمير «يشبك» قائد تلك الحملة. وفي عام 877 هـ أيضاً قاد الأمير «يشبك» حملة ضد الدولة التركمانية الثانية (الشاه البيضاء) التي كان أميرها آنذاك «حسن الطويل» الذي أغار على ضواحي حلب. وقد تمكن الأمير «يشبك» من إحراز النصر في معركة البيرة على نهر الفرات.

وفي عام 884 هـ توفي الخليفة المستنجد بالله وخلفه ابن أخيه عبد العزيز بن يعقوب المتوكل على الله (الثاني). وفي عام 885 هـ قاد الأمير «يشبك» حملة إلى جهات التركمان فالتقى مع أمير دولة "الشاه الأبيض" فهزم المماليك وأُسِر «يشبك» وقتل على شاطىء
نهر الفرات، فعقد الأشرف قايتباي صلحاً مع إمارة "الشاه الأبيض".

وفي عام 893 هـ توفي الخليفة المتوكل الثاني وخلفه ابنه المستمسك بالله يعقوب بن عبد العزيز. وفي عهده توفي الأشرف قايتباي عام 901 هـ فقلَّد ابنه محمد السلطنة وتلقب باسم الناصر. غير أنه لم يلبث أن عزل بعد عدة أشهر إذ كان صغيراً لم يزد عمره على الأربع سنوات، فقلد الخليفة الأمير قانصوه. غير أن الجند وثبوا عليه وقتلوه بعد مرور سنة على تسلمه السلطنة وأعيد الناصر محمد بن قايتباي. ثم لم يلبث أن قتل بعد عدة أشهر وحل محله الظاهر قانصوه خال السلطان قانصوه (الذي قتل) لكنه عزل بعد أشهر أيضاً، وتسلم أمور الدولة الأمير «جان بلاط» فقلده الخليفة وأخذ لقب الأشرف.

وعلى عهده أعلن نائب الشام الأمير "قوصروه" العصيان فأرسل له الأشرف جان بلاط حملة بقيادة الأمير «طومان باي» ومعه الأمير قانصوه الغوري. ولما وصل طومان باي إلى الشام، اتفق مع نائبها على الغدر بالأشرف جان بلاط وسارا إلى مصر معاً وقبضوا على جان بلاط، وثم تعيين طومان باي سلطاناً باسم الملك العادل وعُين الأمير قوصروه أتابكاً للجند. إلا أن العادل طومان باي غدر بصديقه قوصروه وقتله. وبدأ عهد من الظلم فتآمر بعض الجند على العادل فهرب منهم واختفى، وتوجهت الأنظار إلى الأمير قانصوه الغوري لتعيينه سلطاناً، فهو أكبرهم سناً. وكان قد عرف عنه شجاعته وبسالته مع الأشرف قايتباي فرفض قانصوه الإمارة وبكى من جراء ما آلت إليه حال المماليك من قتل بعضهم لبعض. غير أنهم أصروا، فاشترط عليهم دعمه وعدم الغدر به فوافقوا على ذلك. وقلده الخليفة السلطنة عام 906هـ، وتلقب بالأشرف قانصوه الغوري. وكان أول ما قام به ملاحقة العادل طومان باي حتى قبض عليه وقتله، ثم عين في الدولة الأمراء الذين يثق بهم وحصّن الاسكندرية وأصلح القلعة وحفر الترع ووطد الأمر والاستقرار. وفي عهده أغار الاسبارتيّون من رودوس على مصر عام 914هـ فردهم.

لما قام البرتغاليون الصليبيون بالنزول على سواحل بلاد العرب جهة البحر الأحمر، جهز الأشرف قانصوه حملة جعل قيادتها لحسين الكردي. وأبحرت الحملة من السويس عام 911هـ واستطاعت أن تهزم البرتغاليين على الشواطىء الهندية عام 914 هـ وأن تغنم غنائم كبيرة. وفي العام نفسه تنازل الخليفة المستمسك بالله عن الخلافة لابنه محمد الملقب بالمتوكل على الله (الثالث). وهو آخر خلفاء بني العباس. وانتقل إلى اسطنبول مع السلطان العثماني بناءً على رأي الخليفة الجديد سليم الأول.

كان السلطان على عهد الأشرف قانصوه الغوري الذي وقف بوجه غارات البرتغاليين وأرسل الحملات البحرية لمواجهتهم في
البحر الأحمر. وفي هذا العهد قامت الدولة «الصفوية» في تبريز بعدة هجمات على المماليك الذين كانوا معهم على خلاف عقائدي. ففي عام 916 هـ دخل الصفويون بغداد وهرب ملكها مرادخان التركماني والتجأ إلى مصر. كما حض الصفويون ملوك الفرنجة على غزو مصر وخاصة البرتغاليين. أما بالنسبة إلى الدولة العثمانية، فقد كانت العلاقة حسنة بينها وبين المماليك في مصر الشام. فقد زُينت القاهرة عام 857 هـ بأمر من السلطان أينال بمناسبة فتح العثمانيين لمدينة اسطنبول القسطنطينية. وكانت القاهرة ترسل الوفود لتهنئة السلطان عقب كل نصر. إلا أن العلاقات قد تعكرت عام 865 هـ عندما وصل السلطان الظاهر خشقدم إلى السلطنة ومات أميرا دولتي "ذو القادر" و"قرمان" التركمانيتين، فعين العثمانيون عليها أميرين من غير أنصار المماليك، فبدأ يظهر الخلاف، وزاد أمره عندما لجأ إلى القاهرة الأمير "جم" أخو السلطان العثماني "بايزيد الثاني". وفي الوقت نفسه احتضنت اسطنبول بعض الأمراء الفارين من الشام ومصر. ثم تطورت الأحداث أيام السلطان قايتباي كما مر معنا. ولقد أثارت تصرفات الصفويين السلطان سليم الأول وتبين أنها تأتي دعماً للأوروبيين وخاصة البرتغاليين الصليبيين وذلك بغية إلهاء الدولة العثمانية عن التوغل في أوروبا. وحاول العثمانيون أن يوحدوا جهودهم مع المماليك للوقوف في وجه الصفويين، إلا أن المماليك فضلوا الوقوف على الحياد في هذه القضية، الأمر الذي أثار حفيظة السلطان العثماني. عندها توجهت طلائع الجيش العثماني نحو الشرق لقتال الصوفيين فواجهه أمير دولة "ذو القادر" علي دولات الموالي للمماليك، وهذا ما زاد في قناعة العثمانيين في ضرورة القضاء على المماليك. فما كان منهم إلا أن داهموا التركمان وقتلوا ملكهم وتابعوا سيرهم نحو الصفويين وانتصروا عليهم في المعركة المشهورة "جالديران" عام 940 هـ ودخلوا عاصمتهم تبريز.

بعد هذا النصر، استعد العثمانيون لقتال المماليك. وقد أحس السلطان قانصوه الغوري بمشروع السلطان العثماني سليم فقام بالاستعداد لذلك وجهز جيوشه وانطلق إلى بلاد الشام وقابل الجيش العثماني قرب حلب في معركة مرج دابق حيث قتل. وفتح العثمانيون بقية المدن في بلاد الشام دون معارك كبيرة تذكر، بل كان ينظر إليهم نظرة احترام وتقدير بعد فتوحاتهم في أوروبا وقتالهم للصفويين في الشرق.

تابع السلطان سليم العثماني توغله حتى وصل إلى حدود مصر، حيث وقف بوجهه السلطان الأشرف طومان باي في معركة الريدانية على أبواب القاهرة،. انتصر العثمانيون وقتل طومان باي. ودخل العثمانيون القاهرة حيث بايع أهلها السلطان فتنازل له آخر خليفة عباسي وهو المتوكل على الله (الثالث) وأخذه السلطان سليم معه إلى اسطنبول. وبذلك زالت دولة المماليك وانتهت الخلافة العباسية في مصر بعدما بقيت 264 سنة (659 ـ 923 هـ).

ورد في "تاريخ ابن خلدون" المجلد الخامس:

" ثورة المماليك ببيبقا ومقتله واستبداد  اد ستدمر: كان طنبغا قد طال استبداده على السلطان وثقلت وطأته على الأمراء وأهل الدولة وخصوصا على مماليكه، وكان قد. استكثر من المماليك وأرهف حده لهم في التأديب وتجاوز الضرب فيهم بالعصا إلى جدع الأنوف واصطلام الآذان فكتموا الأمر في نفوسهم وضمائرهم لذلك وطووا على الغش: وكان كبير خواصه استدمر واقتفان الأحمدي، ووقع في بعض الأيام بمثل هذه العقوبة في أخي استدمر فستوحش له وارتاب، وداخل سائر الأمراء في الثورة يرون فيها نجاتهم منهم. وخلصوا النجوى مع السلطان فيه واقتضوا منه الإذن. وسرح السلطان بيبقا إلى البحيرة في عام ثمان وسبعين، وانعقد هؤلاء المماليك المتفاوضون في الثورة بمنزل الطرانة وبيتوا له فيها ونمي إليه خبرهم، ورأى العلامات التي قد أعطيها من أمرهم فركب  مكرا في بعض خواصه وخاض النيل إلى القاهرة وتقدم إلى نواتية البحر أن يرسوا سفنهم عند العدوة الشرقية، ويمنعوا العبور كل من يرومه العدوة الغربية. وخالفه استدمر واقتفان إلى السلطان في ليلتهم وبايعوه على مقاطعة بيبقا ونكبته. ولما وصل بيبقا إلى القاهرة جمع من كان بها من الأمراء والحجاب من مماليكه وغيرهم، وكان بها أيبك البدري أمير ماخورية فاجتمعوا عليه. وكان يقتمر النظامي وأرغون ططن بالعباسية سارحين فاجتمعوا إليه فخلع الأشرف، ونصب أخاه أتوك ولقبه المنصور. وأحضر الخليفة فولاه واستعد للحرب وضرب مخيمه بالجزيرة الوسطى على عدوة البحر. ولحق به من كانت له معه صاغية من الأمراء الذين مع السلطان بصحابة أو أمر أو ولاية مثل: بيبقا العلائي الدوادار، ويونس الرمام وكمشيقا الحموي وخليل بن قوصون ويعقوب شاه وقرابقا البدري وابتغا الجوهري. ووصل السلطان الأشرف من الطرانة صبيحة ذلك اليوم على التعبية قاصدا دار ملكه، وانتهى إلى عدوة البحر فوجدها مقفرة من السفن فخيم هنالك، وأقام ثلاثاً وبيبقا وأصحابه قبالتهم بالجزيرة الوسطى ينفحونهم بالنبل، ويرسلون عليهم الحجارة من المجانيق وصواعق الأنفاط، وعوالم النظارة في السفن إلى أن تتوسط فيركبونها ويحركونها بالمجاذيف إلى ناحية السلطان، حتى كملت منها عدة وأكثرها من القربان التي أنشأها بيبقا، وأجاز فيها السلطان وأصحابه إلى جزيرة الفيل. وسار على التعبية، وقد ملأت عساكره وتابعه بسيط الأرض، وتركم القتام بالجو وغشيت سحابة موكب بيبقا وأصحابه فتقدموا للدفاع وصدقتهم عساكر السلطان القتال فانفضوا عن بيبقا وتركوه أوحش من وتد في قلاع فولى منهزماً ومر بالميدان فصلى ركعتين عند بابه، واستمر إلى بيته والعوام ترجمه في بطريقه. وسار السلطان في تعبيته إلى القلعة ودخل قصره، وبعث عن بيبقا فجيء به واعتقل بحبس القلعة سائر يومه. فلما غشي الليل ارتاب المماليك بحياته وجاؤا إلى السلطان يطلبونه، وقد أضمروا الفتك به وأحضره السلطان. وبينما هو مقبل على التضرع للسلطان ضربه بعضهم فأبان رأسه، وارتاب من كان منهم خارج القصر في قتله فطلبوا معاينته ولم  يزالوا يناولون رأسه من واحد إلى واحد حتى رماه آخرهم في مشعل كان بإزائه. ثم دفن وفرغ من أمره، وقام بأمر الدولة استدمر الناصري ورديفه بيبقا الأحمدي ومعهما بحماس الطازي وقرابقا السرغتمشي وتغري بردي، المتولون كبر هذه الفعلة. وتقبضوا على الأمراء الذين عدلوا عنهم إلى بيبقا فحبسوهم بالإسكندرية. وقد مر ذكرهم وعزل خليل بن قوصون وألزم بيته وولوا أمراء مكان المحبوسين وأهل وظائف من كانت له. واستقر أمر الدولة على ذلك، والله سبحانه وتعالى أعلم.

واقعة الاجلاب ثم نكبتهم ومهلك استدمر وذهاب دولته:

ثم تنافس هؤلاء القائمون بالدولة وحبسوا قرابقا السرغتمشي صاحبهم، وامتعض له تغري بدمشق، وداخل بعض الأمراء في الثورة ووافقه أيبك البدري وجماعة معه، وركب منتصف رجب سنة ثمان وستين للحرب فركب له استدمر وأصحابه فتقبضوا عليهم وحبسوهم بالإسكندرية، وعظم ظغيان هؤلاء الأجلاب وكثر عيثهم في البلد وتجاوزهم حدود الشريعة والملك. وفاوض السلطان أمراءه في شأنهم فأشاروا بمعاجلتهم وحسم دائهم فنبذ السلطان إليهم العهد، وجلس على كرسيه بالأساطيل، وتقدم إلى الأمراء بالركوب فركب الجائي اليوسفي وطغتمر النظاير وسائر أمراء السلطان، ومن استخدموه من مماليك بيبقا، وتحيز إليهم أيبقا الجلب وبحماس الظازي عن صاحبهما استدمر. وركب لقتالهم استدمر وأصحابه وسائر الأجلاب، وحاصروا القلعة إلى أن خرج عند الطلحساه السلطانية فاختل مركز الأمراء، وفارقهم المستخدمون عندهم من مماليك بيبقا فانفض جمعهم وانهزموا.

وثبت الجائي اليوسفي وارغون التتر في سبعين من مماليكهم فوقفوا قليلا، ثم انهزموا إلى قبة النصر، وقتل دروط ابن أخي الحاج الملك وقبض على أيبقا الجلب جريحا، وعلى طغتمر النظامي وعلى بحماس الطازي والجائي اليوسفي وأرغون التتر وكثير من أمراء الألوف ومن دونهم. واستولى استدمر وأصحابه الأجلاب على السلطان كما كانوا، وولى مكان المحبوسين من الأمراء وأهل الوظائف، وعاد خليل بن قوصون على إمرته. وعزل قشتمر عن طرابلس وحبس بالإسكندرية، واسبتدل بكثير من أمراء الشام واستمر الحال على ذلك بقية السنة والاجلاب على حالهم في الإستهتار بالسلطان والرعية. فلما كان محرم سنة تسع وستين عادوا إلى الاجلاب على الدولة، فركب أمراء السلطان إلى استدمر يشكونهم ويعاتبونهم في شأنهم فقبض على جماعة منهم، كسر بهم الفتنة، وذلك يوم الأربعاء سادس صفر، فلما كان يوم السبت وعاودوا الركوب ونادوا بخلع السلطان فركب السلطان في مماليكه ونحو المائتين. والتف عليهم العوام وقد حنقوا على الاجلاب بشراشرهم فيهم. وركب استدمر في الاجلاب على التعبية وهم ألف وخمسمائة وجاؤا من وراء القلعة على عادتهم حتى شارفوا القوم فأحجموا ووقفوا وأدلفتهم الحجارة من أيدي العوام بالمقاليع، وحملت عليهم العساكر فانهزموا وقبض على أبقا السرغتمشي وجماعة معه فحبسوا بالخزانة.

ثم جيء باستدمر أسيرا وشفع فيه الأمراء فشفعهم السلطان وأطلقه باقيا على أتابكيته، ونزل إلى بيته بقبض الكيس. وكان خليل بن قوصون تولى آتابكا في تلك الفترة فأمره السلطان أن يباكر به لحبسه من الغد، فركب خليل إلى بيته وحمله على الأنتقاض على أن يكون الكرسي لخليل بعلاقة نسبته إلى الملك الناصر من أمه. فاجتمع منهم جماعة من الاجلاب وركبوا بالرميلة فركب إليهم السلطان والأمراء في العساكر فانهزموا وقتل كثير منهم. وبعثوا بهم إلى الإسكندرية فحبسوا بها وقتل كثير ممن أسر في تلك الواقعة منهم، وطيف بهم على الجمال في أقطار المدينة. ثم تتبع بقية الاجلاب بالقتل والحبس بالثغور القاصية، وكان ممن حبس منهم بالكرك برقوق العثماني الذي ولي الملك بعد ذلك بمصر، وبركه الجولاني، وطنبغا الجوباني، وجركس الخليلي، ونعنع، وأقاموا كلهم متلفين بين السجن والنفي إلى أن اجتمع شملهم بعد ذلك كما نذكره. واستبد السلطان بأمره بعض الشيء وأفرج عن الجائي اليوسفي وطغتمر النظامي وجماعة من المسجونين من أمرائه، وولى الجائي أمير سلاح وولى بيبقا المنصوري وبكتمر المحمدي من أمراء الاجلاب في الأتابكية شريكين. ثم نمي عنهما أنهما يرومان الثورة وإطلاق المسجونين من الاجلاب والاستبداد على السلطان فقبض عليهما. وبعث عن منكلي بغا الشمسي من حلب، وأقامه في الأتابكية. واستدعى أمير علي المارداني من دمشق وولاه النيابة، وولى في جميع الوظائف استبدالا وإنشاء بنظره واختياره. وكان منهم مولاه أرغون الأشرفي. وما زال يرقيه في الوظائف إلى أن جعله أتابك دولته وكان خالصته كما سنذكر. وولى على حلب مكان منكلي بغا طنبغا الطويل وعلى دمشق مكان المارداني بندمر الخوارزمي. ثم اعتقله وصادره على مائة ألف دينار ونفاه إلى طرطوس، وولى مكانه منجك اليوسفي نقله إليها من طرابلس وأعاد إليها غشقتمر المارداني كما كان قبله. ثم توفي طنبغا الطويل بحلب آخر سنة تسع وستين بعد أن كان يروم الأنتقاض، فولى مكانه استبغا الأبو بكري. ثم عزله سنة سبعين وولى مكانه قشتمر المنصوري، والله تعالى ولي التوفيق بمنه وفضله. 

مقتل قشتمر المنصوري بحلب في واقعة العرب:

كان جماز بن مهنا أمير العرب من آل فضل قد انتقض وولى السلطان مكانه ابن عمه نزال بن موسى بن عيسى، واستمر جماز على خلافه ووطىء بلاد حلب أيام المصيف، واجتمع إليه بنو كلاب وامتدت أيديهم على السابلة فخرج إليهم نائب حلب قشتمر المنصوري في عساكره، فأغار على أحيائه واستاق نعمهم ومواشيهم وشره إلى اصطلامهم  فتذامروا دون أحيائهم، وكانت بينه وبينهم جولة أجلت عن قشتمر المنصوري وابنه محمد قتيلين، ويقال قتلهما يعبر بن جماز، ورجعت عساكر الترك منهزمين إلى حلب، وذهب جماز إلى القفر ناجياً به، وولى السلطان على العرب معيقيل بن فضل. ثم استأمن له جماز بن مهنا وعاود الطاعة فأعاده السلطان إلى إمارته، والله تعالى أعلم.

استبداد الجائي اليوسفي ثم انتقاضه ومقتله:

لما أذهب السلطان الأشرف أثر الاجلاب من دولته، وقام بعض الشيء بأمره فاستدعى منكلي بغا من حلب، وجعله أتابكا وأمير علي المارداني من دمشق وجعله نائبا. وولى الجائي اليوسفي أمير سلاح، وولى أصبغا عبد الله دوادار بعد أن كان الاجلاب ولوا في الدوادارية منهم واحدا بعد واحد. ثم سخطه وولى مكانه أقطمر الصباحي، وعمر سائر الخطط السلطانية بمن وقع عليه اختياره، ورقى مولاه أرغون شاه في المراتب من واحدة إلى أخرى، إلى أن أربى به على الأتابكية كما يأتي. وولى بهادر الجمالي أستاذ دار ثم أميرالماخورية تردد بينهما. ثم استقر آخرا في الماخورية وولى محمد بن اسقلاص أستاذ دار، وولى بيبقا الناصري بالحجابة بعد وظائف أخرى نقله منها. وزوج أمه الجائي اليوسفي فعلت رتبته بذلك في الدولة، واستغلظ أمره وأغلظ له الدوادار يوماً في القول فنفي، وولى مكانه منكوتمر عبد الغني. ثم عزل سنة إثنتين وسبعين لسنة من ولايته، وولى السلطان مكانه طشتمر العلائي الذى  كان دوادار البيبقا، واستقرت الدولة على هذا النمط والجائي اليوسفي مستبد فيها ووصل وفود منجك من الشام سنة أربع وسبعين بما لا يعبر عنه. اشتمل على الخيل والبخاتي المجللة والجمال والهجن والقماش والحلاوات والحلي والطرف والمواعين، حتى كان فيها من الكلاب الصائدة والسباع والإبل ما لم ير مثله في أصنافه. ثم وصل وفود قشتمر المارداني من حلب على نسبة ذلك، والله تعالى أعلم.

انتقاض الجائي اليوسفي ومهلكه واستبداد الاشرف بملكه من بعده:

لم تزل الدولة مستقرة على ما وصفناه إلى أن هلك الأمير منكلي بغا بالأتابك منتصف سنة أربع وسبعين، واستضاف الجائي اليوسفي الأتابكية إلى ما كان بيده ورتبته أشد من ذلك كله، وهو القائم المستبد بها. ثم توفيت أم السلطان وهي في عصمته فاستحق منها ميراثاً دعاه لؤم الأخلاق فيه إلى المماحكة في المخلف وتجافى السلطان له عن ذلك إلا أنه كان ضيق الصدر شرس الأخلاق فكان يغلظ القول بما يخشن الصدور، فأظلم الجو بينه وبين السلطان، وتمكنت فيه السعاية. وذكرت بهذه انتقاضه الأول، وذلك أنه كان سخط في بعض النزعات على بعض العوام من البلد فأمر بالركوب إلى العامة وقتلهم فقتل منهم كثير ونمي الخبر إلى السلطان على ألسنة أهل البصائر من دولته، وعذلوه عنده فاستشاط السلطان وزجره وأغلظ له فغضب، وركب إلى قبة النصر منتقضا. وذهب السلطان في مداراة أمره إلى الملاطفة واللين. وكان الأتابك منكلي بغا يوم ذاك حيا فأوعز السلطان إليه فرجع وخلع عليه وأعاده إلى أحسن ما كان. فلما بدرت هذه الثانية حذر السلطان بطانته من شأنه، وخرج هو منتقضا وركب في مماليكه بساحة القلعة. وجلس السلطان وترددت الرسل بينهما بالملاطفة فأصر واستكبر، ثم أذن السلطان لمماليكه في قتاله وكان أكثرهم من الاجلاب مماليك بيبقا، وقد جمعهم السلطان واستخدمهم في جملة ابنه أمير علي ولي عهده، فقاتلوه في محرم. سنة خمس وتسعين وكان موقفه في ذلك المعترك إلى حائط الميدان المتصل بالأساطيل فنفذت له المقاتلة من داخل الأساطيل ونضحوه بالسهام، فتنحى عن الحائط حتى إذا حل مركزه ركبوا خيولهم وخرجوا من باب الأساطيل. وصدقوا عليه الحملة فانهزم إلى بركة الحبش ورجع من وراء الجبل إلى قبة النصر، فأقام بها ثلاثا والسلطان يراوضه وهو يشتط وشيعه يتسللون عنه. ثم بعث إليه بالسلطان لمة من العسكر ففر أمامهم إلى قليوب، واتبعوه فخاض البحر وكان آخر العهد به. ثم أخرج شلوه ودفن وأسف السلطان لمهلكه، ونقل أولاده إلى قصره ورتب لهم ولحاشيته الأرزاق في ديوانه. وقبض على من اتهمه بمداخلته وأرباب وظائفه فصودروا كلهم وعزلوا وغربوا إلى الشام. واستبد السلطان بأمره،. واستدعى القري الدوادار، وكان نائباً بطرابلس فولاه أتابكا مكان الجائي ورفع رتبته. وولى أرغون شاه وجعله أمير مجلس، وولى سرغتمش من مواليه أمير سلاح، واختص بالسلطان طشتمر الدوادار وناصر الدين محمد بن اسقلاص أستاذ دار، فكانت أمور الدولة منقسمة بينهما، وتصاريفها تجري بسياستهما إلى أن كان ما نذكره، والله تعالى ولي التوفيق.

استقدام منجك للنيابة:

كان أمير علي المارداني قد توفي سنة إثنتين وسبعين، وبقيت وظيفته خلوا المكان الجائي اليوسفي وأحكامه. ولما هلك سنة خمس وسبعين ولى السلطان أقطمر عبد الغني نائبا. ثم بدا له أن يولي في النيابة منجك اليوسفي لما رآه فيه من الأهليه لذلك والقيام به، ولتقلبه في الإمارة منذ عهد الناصر حسن، وأنه كان من مواليه أخا لبيبقا روس وطاز وسرغتمش فهو بقية المناجب. فلما وقع نظره عليه بعث في استقدامه بيبقا الناصري من أمراء دولته، وولى مكانه بندمر الخوارزمي، وأعاد عشقتمر إلى حلب مكانه. ووصل منجك إلى مصر آخر سنة خمس وسبعين ومعه مماليكه وحاشيته، وصهر إلى روس المحمدي فاحتفل السلطان في تكرمته، وأمر أهل الدولة بالركوب لتلقيه، فتلقاه الأمراء والعساكر وأرباب الوظائف من القضاء والدواوين وأذن له في الدخول من باب السرراكبا وخاصة السلطان مشاة بين يديه حتى نزل عند مقاعد الطواشية بباب القصر حيث يجلس مقدم المماليك استدعي إلى السلطان فدخل، وأقبل عليه السلطان وشافهه بالنيابة المطلقة، وفوض إليه الولاية والعزل في سائر المراتب السلطانية من الوزراء والخواص والقضاة والأوقاف وغيرها، وخلع عليه وخرج. ثم قرر تقليده بذلك في الإيوان ثاني يوم وصوله فكان يوماً عهوداً. وولى الأشرف في ذلك اليوم بيبقا الناصري الذي قدم به حاجبا. ثم سافر عشقتمر نائب حلب آخر سنة ست وسبعين بعدها بالعساكر إلى بلاد الأرمن ففتح سائر أعمالها، واستولى على ملكها النكفور بالأمان فوصل بأهله وولده إلى الأبواب السلطانية ورتب لهم الأرزاق، وولى السلطان على سيس وانقرض منها ملك الأرمن. وتوفي منجك آخر هذه السنة فولى السلطان اقتمر الصاجي المعروف بالحلي. ثم عزله ورفع مجلسه وولى مكانه اقمر الألقني. ثم توفي جبار بن، هنا أمير العرب بالشام فولى السلطان ابنه يعبرا مكانه. ثم توفي أمير مكة من بني حسن فولى الأشرف مكانه، واستقرت الأمور على ذلك، والله أعلم.

الخبر عن مماليك بيبقا وترشيحهم في الدولة:

كان السلطان الأشرف بعد أن سطا بمماليك بيبقا تلك السطوة وقسمهم بين القتل والنفي وأسكنهم السجون، وأذهب أثرهم من الدولة بالجملة أرجع جملة منهم بعد ذلك. وعاتبه منكلي أبغا في شأنهم، وأن في اتلافهم قص جناح الدولة، وإنهم ناشئة من الجند يحتاج الملك لمثلهم فندم على من قتل منهم، وأطلق من بقي من المحبوسين بعد خمس من السنين، وسرحهم إلى الشام يستخدمون عند الأمراء، وكان فيمن أطلق الجماعة الذين بحبس الكرك وهم: برقون العثماني وبركة الجوباني وطنبقا الجوباني وجركس الخليلي ونعنغ، فأطلقوا إلى الشام. ودعا منجك صاحب الشام كبراءهم إلى تعليم المماليك ثقافة الرمح، وكانوا بصراء بها فأقاموا عنده مدة، أخبرني بذلك الطنبقا الجوباني أيام اتصالي به قال وأقمنا عند منجك إلى أن استدعاه السلطان الأشرف وكتب إليه الجائي اليوسفي بمثل ذلك فاضطرب في أيهما يجيبه فيها. ثم أراد أن يخرج من العهدة فرد الأمر إلينا فأبينا إلا امتثال أمره فتحير. ثم اهتدى إلى أن يبعث إلى الجائي اليوسفي، ودس إلى قرطاي كافل الأمير علي ابن السلطان وكان صديقه بطلبنا من الجائي بخدمة ولي العهد، وصانع الجهتين بذلك قال: وصرنا إلى ولي العهد فعرضنا على السلطان أبيه واختصنا عنده بتعليم الثقافة لمماليكه إلى أن دعانا السلطان يوم واقعة الجائي وهو جالس بالإسطبل فندبنا لحربه وذكرنا حقوقه وأزاح عللنا بالجياد والأسلحة، فجلبنا في قتله إلى أن انهزم، وما زال السلطان بعدها يرعى لنا ذلك ويقدمنا. انتهى خبر الجوباني. وكان طشتمر الدوادار قد لطف محله عند الأشرف وخلا له وجهه وكان هواه في اجتماع مماليك بيبقا في الدولة يستكثر بهم فيما يومله من الاستبداد على السلطان. فكان يشير في كل وقت على الأشرف باستقدامهم من كل ناحية واجتماعهم عصابة للدولة يخادع بذلك عن قصده ؛ وكان محمد بن اسقلاص أستاذ دار يساميه في الدولة ويزاحمه في مخالصة بالأشرف ولطف المحل عنده، ينهى السلطان عن ذلك ويحذره مغبة اجتماعهم فغص طشتمر بذلك. وكان عند السلطان مماليك دونه من مماليكه الخاصكية شبابا قد اصطفاهم وهذبهم وخالصهم بالمحبة والصهر ورشحهم للمراتب وولى بعضهم. وكان الأكابر من أهل الدولة يفضون إليهم بحاجاتهم ويتوسلون بمساعيهم فصرف طشتمر إليهم وجه السعاية، وغشي مجالسهم وأغراهم بابن اسقلاص، وإنه يصد السلطان أكثر الأوقات عن أغراضهم منه، ويبعد أبواب الانعام والصلات منه. وصدق ذلك عندهم كثرة حاجاتهم في وظيفته، وتقرر الكثير منها عليهم عنده فوغرت صدورهم منه، وأغروا به السلطان بأطباق اغراء طشتمر طاهراً حتى تمت عليهم نكبته، وجمعت الكلمة وقبض عليه منتصف جمادي سنة سبع وثمانين، ونفاه إلى القدس فخلا لطشتمر وجه السلطان وانفرد بالتدبير، واجتمع المماليك البيبقاوية من كل ناحية حتى كثروا أهل الدولة وعمروا مراتبها ووظائفها، واحتاروها من جوانبها إلى أن كان ما نذكره إن شاء الله تعالى والله أعلم.

حج السلطان الاشرف وانتقاض المماليك عليه بالعقبة وما كان مع ذلك من ثورة قرطاي بالقاهرة وبيعة الامير علي ولي العهد ومقتل السلطان اثر ذلك:

لما استقر السلطان في دولته على أكمل حالات الاستبداد والظهور، وأذعان الناس. لطاعته في كل ناحية، وأكمل الله له الامتاع بملكه ودنياه، سمت نفسه إلى قضاء فرضه، فأجمع الحج سنة ثمان وسبعين، وتجهز لذلك واستكثر من الرواحل المستجادة والزودة المثقلة من سائر الأصناف. واستعد للسفر واحتفل في الأبهة بما لم يعهد مثله، واستخلف ابنه ولي العهد في ملكه، وأوصى النائب اكتمر عبد النبي بمباكرة بابه والانتهاء إلى مراسمه. وأخرج بني الملك الناصر المحجوبين بالقلعة مع سرد الشيخوني إلى الكرك يقيمون به إلى منصرفه. ولجهز الخليفة العباسي محمد المتوكل بن المعتضد والقضاة للحج معه، وجهز جماعة إلى الأمراء أهل دولته وأزاح عللهم وملأ بمعروفه حقائبهم. وخرج ثاني عشر شوال في المراكب والقطارات يروق الناظرين كثرة ومخافة وزينة، والخليفة والقضاة والأمراء حفا فيه. وبرز النظارة حتى العواتق من خدورهن، وتجللت بمركبهم البسيطة وماجت الأرض بهم موجا، وخيم بالبركة منزل الحاج وأقام بها أياماً حتى فرغ الناس من حاجاتهم. وارتحل، فما زال يتنقل في المنازل إلى القعبة. ثم أقام فيها على عادة الحاج، وكان في نفوس المماليك وخصوصا البيبقاوية وهم الأكثر شجى يتشوقون به إلى الاستبداد من الدولة، فتنكروا واشتطوا في اقتضاء أرزاقهم والمباشرون يعللونهم وانتهى أمرهم إلى الفساد. ثم طلبوا العلوفة المستقبلة إلى دار الأزلم، فاعتذر المباشرون بأن الأقوات حملت إلى الأمام فلم يقبلوا، وكشفوا القناع في الأنقاض وباتوا ليلتهم على تعبية. واستدعى الأشرف طشتمر الدوادار، وكان كبيرهم، ففاوضه في الأمر ليفل من عزمهم، فأجمل العذر عنهم، وخرج إليهم. فخرجوا، ثم ركبوا من الغد واصطفوا وأركبوا طشتمر معهم، ومنعوه من معاودة السلطان. وتولى كبر ذلك منهم مبارك الطازي وسراي تمر المحمدي وبطلقمر العلائي، وركب السلطان في خاصته يظن أنهم يرعوون أو يجنح إليه بعضهم فأبوا إلا الاحفاف على قتاله. ونضحوا موكبه بالنبل لما عاينوه فرجع إلى خيامه منهزما. ثم ركب البحر في لفيف من خواصه ومعه أرغون شاه الأتابك وبيبقا الناصري، ومحمد بن عيسى صاحب الدرك من لفائف الأعراب أهل الضاحية، وفي ركابه جماعة الشباب الذين أنشأهم في مخالصته ورشحهم للوظائف في دولته كما مر. وخام الفل إلى القاهرة، وقد كان السلطان عندما سافر عن القاهرة ترك بها جماعة من الأمراء والمماليك مقيمين في وظائفهم، كان منهم: قرطاي الطازي كافل أمير علي ولي العهد، واقتمر الخليلي، وقشتمر واستدمرالسرغتمشي وأيبك البدري. وكان شيطان من المتمردة قد أوحى إلى قرطاي بأنه يكون صاحب الدولة بمصر، فكان يتشوف لذلك ويترصد له. وربما وقع بينه وبين وزير الدولة منازعة في جراية مماليك مكفوله ولي العهد وعلوفاتهم، وأغلظ له فيها الوزير فوجم وأخذ في أسباب الأنتقاض. وداخل في ذلك بعض أصحابه وواعدهم ثالث ذي القعدة، وتقدم إلى داية ولي العهد ليلة ذلك اليوم بأن يصلح من شأنه ويفرغ عليه ملابس السلطان، ويهيئه لجلوس التخت. وركب هو صبيحة ذلك اليوم ووقف بالرميلة عند مصلى العيد. وتناول قطعة من ثوب فنصبها لواء، وكان صبيان المدينة قد شرعوا في اتخاذ الدبادب والطبيلات للعيد فأمر بتناول بعضها منهم. وهرعت بين يديه وتسايل الناس إليه من كل أوب، ونزل من كان بطباق القصر وغرفه وبالقاهرة من المماليك، واجتمعوا إليه حتى كظ ذلك الفضاء.وجاؤا تعادي بهم الخيل فاستغلظ لفيفهم، ثم اقتحم القلعة في جمعه من باب الاصطبل إلى بيت مكفوله ولي العهد أمير علي عند باب السمتارة يطلبونه، وقضوا على زمام الذود وكانوا عدة حتى أحضروا ولي العهد وجاؤوا به على الأكتاف إلى الإيوان فأجلسوه على التخت، وأحضروا أيدمر نائب القلعة فبايع له. ثم أنزلوه إلى باب الاصطبل وأجلسوه هناك على الكرسي. واستدعى الأمراء القائمين بالقاهرة فبايعوه، وحبس بعضهم بالقلعة. وبعث أكتمر الحلي إلى الصعيد يستكشف أحواله، واختص منهم أيبك فجعله رديفاً في دولته. وباتوا كذلك وأصبحوا يسائلون الركبان ويستكشفون خبر السلطان. وكان السلطان لما انهزم من العقبة سار ليلتين وجاء إلى البركة آخر الثانية، وجاءه الخبر بواقعة القاهرة وما فعله قرطاي، وتشاوروا فأشار محمد بن عيسى بقصد الشام، وأشار آخرون بالوصول إلى القاهرة. وسار السلطان إليها واستمروا إلى قبة النصر، وتهافتوا عن رواحلهم باطلاح وقد أنهكهم التعب وأضناهم السير، فما هو إلا أن وقعوا لمناكبهم وجنوبهم وغشيهم النعاس. وجاء الناصري إلى السلطان الأشرف من بينهم فتنصح له بأن يتسلل من أصحابه، ويتسرب في بعض البيوت بالقاهرة حتى يتبين له وجه مذهبه، وانطلق بين يديه فقصد بعض النساء ممن كان ينتاب قصده، واختفى فظن النجاة في ذلك وفارقه الناصري يطلب نفقا في الأرض، وقد كانوا بعثوا من قبة النصر بعض المماليك عنهم روائد يستوضحون الخبر فأصبحوا بالرميلة أمام القلعة وتعرف الناس أنه من الحاج فرفعوه إلى صاحب الدولة، وعرض عليه العذاب حتى أخبره عن السلطان، وأنه وأصحابه بقبة النصر مصرعين من غشي النوم فطار إليهم شراد العسكر مع استدمر السرغتمشي، والجمهور في ساقتهم حتى وقفوا عليهم في مضاجعهم.وافتقدوا السلطان من بينهم وقتلوهم جميعا وجاؤا برؤسهم ووجموا لافتقاد السلطان ونادوا بطلبه، وعرضوا العذاب والقتل على محمد بن عيسى صاحب الدرك، فتبرأ وحبس رهينة من ثقاته. ثم جاءت امرأة إلى أيبك فدلته عليه في بيت جارتها فاستخرجوه من ذلك البيت، ودفعوه إلى أيبك فامتحنه حتى دلهم على الذخيرة والأموال. ثم قتلوه خنقا وجددوا البيعة لابنه الأمير علي ولقبوه المنصور. واستقل بدولته كافله من قبل الأميرة قرطاي ورديفه أيبك البدري، واستقر الأمر على ذلك.

مجيء طشتمر من  العقبة وانهزامه ثم مسيره إلى الشام وتجديد البيعة للمنصور بأذن الخليفة وتقديمه:

لما انهزم السلطان من العقبة ومضى إلى القاهرة اجتمع أهل الثورة على قشتمر ، وألقوا إليه القياد ودعوا الخليفة إلى البيعة له فتفادى من ذلك. ومضى الحاج من مكة مع أمير المحمل بهادر الجمالي على العادة. ورجع القضاة والفقهاء إلى القدس، وتوجه طشتمر والأمراء إلى مصر لتلافي السلطان أو تلفه فلقيهم خبر مهلكه بعجرود ، وما كان من بيعة ابنه واستقلال قرطاي بالملك فثاب لهم رأي آخر في حرب أهل الدولة، وساروا على التعبية وبعثوا في مقدمتهم قطلقتمر. ولقي طلائع مصر فهزمهم وسار في اتباعهم إلى ساحة القلعة فلم يشعر إلا وقد تورط في جمهور العسكر فتقبضوا عليه. وكان قرطاي قد بعث عن اقتمر الصاحبي الحنبلي من الصعيد، ويرجع في العساكر لحرب قشتمر وأصحابه فبرز إليهم والتقوا في ساحة القلعة. وانهزم قشتمر إلى الكيمان بناحية مصر ؛ ثم استأمن فأمنوه واعتقلوه. ثم جمع الناس ليوم مشهود، وحضر الخليفة والأمراء والقضاة والعلماء وعقد الخليفة للمنصور بن الأشرف وفوض إليه. وقام قرطاي بالدولة وقسم الوظائف فولى قشتمر اللفاف واستأمر السرغتمشي أمير سلاح، وقطلوبغا البدري أمير مجلس، وقرطاي الطازي رأس نوبة وأياس السرغتمشي دوادار، وأيبك البدري أمير الماخورية، وسردون جركس أستاذ دار، واقتمر الحنبلي نائباً وجعل له الإقطاع للأجناد والأمراء والنواب. وأفرج عن طشتمر العلائي الدوادار وأقطعه الإسكندرية وأحضر بنيئ الملك الناصر من الكرك مع حافظهم سردون الشيخوني وولاه حاجبا، وكذلك قلوط السرغتمشي، وأصاب الناس في آخر السنة طاعون إلى أول سنة تسع وسبعين، فهلك طشتمر اللفاف الأتابك، وولي مكانه قرطاي الطازي في وظيفته. واستدعي بيبقا الناصري من الشام فاختصه الأمير الكبير قرطاي بالمخالصة والمشاورة.

نكبة قرطاي واستقلال أيبك بالدولة ثم مهلكه:

كان أيبك الغزي هذا قد ردف قرطاي في حمل الدولة من أول ثورتهم وقيامهم على السلطان، فخالصه وخلطه بنفسه في الإصهار إليه. وكان أيبك يروم الإستبداد بشأن أصحابه، وكان يعرف من قرطاي عكوفه على لذاته وانقسامه مع ندمائه فعمل قرطاي في صفر سنة تسع وسبعين ضيافة في بيته، وجمع ندماءه مثل سودون جركس ومبارك الطازي وغيرهم. وأهدى له أيبك نبيذا أذيب فيه بعض المرقدات فباتوا يتعاطونه حتى غلبهم السكر على أنفسهم ولم يفيقوا. فركب أيبك من ليلته، وأركب السلطان المنصور معه واختار الأمر لنفسه، واجتمع إليه الناس وأفاق قرطاي بعد ثلاث وقد انحلت عنه العقدة، واجتمع الناس على أيبك فبعث إليه قرطاي يستأمن فأمنه، ثم قبض عليه فسيره إلى صفد، واستقل أيبك بالملك والدولة. ثم بلغه منتصف صفر من السنة انتقاض طشتمر بالشام وانتقاض الأمراء هنالك في سائر الممالك على الخلاف معه، فنادى في الناس بالمسير إلى الشام فتجهزوا وسرح المقدمة آخر صفر مع ابنه أحمد وأخيه قطلوفجا، وفيها من مماليكه ومماليك السلطان وجماعة من الأمراء كان منهم الأميران برقوق وبركة المستبدان بعد ذلك. ثم خرج أيبك ثاني ربيع في الساقة بالسلطان والأمراء والعساكر وانتهوا إلى بلبيس. وثار الأمراء الذين كانوا مع أخيه في المقدمة ورجع إليه منهزماً فأجفل راجعاً إلى القلعة بالسلطان والعساكر. وخرج عليه ساعة وصوله يوم الإثنين جماعة من الأمراء، وهم قطلتمر العلائي الطويل والطنبقا السلطاني والنعناع وواعدوه قبة النصر، فسرح إليهم العساكر مع أخيه قطلوفجا فأوقعوا به وقبضوا عليه. وبلغ الخبر إلى أيبك فسرح من حضره من الأمراء للقائهم، وهم أيدمر الشمسي واقطمر عبد الغني وبهادر الجمالي ومبارك الطازي في آخرين. ولما تواروا عنه ركب هو هارباً إلى كيمان مصر، واتبعه أيدمر القنائي فلم يقف له على خبر. ودخل الأمراء من قبه النصر إلى الاسطبل، وأمضوا الأمراء إلى قطلتمر العلائي وهم يحاذونه، وأشير عليه بخلع المنصور، والبيعة لمن يقوم على هذا الأمر من أبناء السلطان فأبى. ثم وصل صبيحة الثلاثاء الأمراء الذين ثاروا فجاء أخو أيبك في مقدمة العسكر، وفيهم بيبقا الناظري ودمرداش اليوسفي، وبلاط من أمراء الألوف وبرقوق وبركة وغيرهما من الطلخامات فنازعوهم الأمر وغلبوهم عليه، وبعثوا بهم إلى الإسكندرية معتقلين. وفوض الأمراء إلى بيبقا الناظري فقام بأمرهم وهو شعاع وآراؤهم مختلفة. ثم حضر يوم الأحد التاسع مع ربيع أيبك صاحب الدولة، وظهر من الاختفاء، وجاء إلى بلاط منهم وأحضره عند بيبقا الناظري فبعث به إلى الإسكندرية فحبسه بها وكان بيبقا الناظري يختص برقوق وبركة بالمفاوضة استرابة بالآخرين، فاتفق رأيهم على أن يستدعى طشتمر من الشام وينصبوه للإمارة فبعثوا إليه بذلك وانتظروه.

استبداد الاميرين أبي سعيد برقوق وبركة بالدولة من بعد أيبك ووصول طشتمر من الشام وقيامه بالدولة ثم نكبته:

لما تغلب هؤلاء الأمراء على الدولة ونصبوا بيبقا الناظري، ولم يمضوا له الطاعة بقي أمرهم مضطرباً وآراؤهم مختلفة. وكان برقوق وبركة أبصر القوم بالسياسة وطرق التدبير، وكان الناظري يخالصهما كما مر فتفاوضوا في القبض على هؤلاء المتصدين للمنازعة، وكبح شكائمهم وهم دمرداش اليوسفي، وترباي الحسيني، وافتقلاص السلجوقي، واستدمر بن العثماني في آخرين من نظرائهم. وركبوا منتصف صفر، وقبضوا عليهم أجمعين وبعثوا بهم إلى الإسكندرية فحبسوهم بها، واصطفوا بلاطاً منهم وولوه الإمارة وخلطوه بأنفسهم، وأبقوا بيبقا الناظري على أتابكيته كما كان، وانزلوه من القلعة فسكن بيت شيخو قبالته، وولى برقوق أمير الماخورية ونزل باب الاصطبل، وولى بركة الجوباني أمير مجلس، واستقرت الدولة على ذلك. وكان طشتمر نائب الشام قد انتقض واستبد بأمره وجمع عساكر الشام وأمراءه، واستنفر العرب والتركمان وخيم بظاهر دمشق يريد السير إلى مصر. وبرز أيبك من مصر بالسلطان والعسكر يريد الشام لمحاربته فكان ما قدمناه من نكبته وخروج الأمراء عليه، ومصيرهم إلى جماعة البيبقاوية الظافرين بأيبك، ومقدمهم بيبقا الناظري. ثم تفاوض بيبقا الناظري مع برقوق وبركة في استدعاء طشتمر فوافقاه ونظراه رأيا وفيه طلب الصلح من الذين معه وحسم الداء منه بكونهم في مصر فكتبوا إليه بالوصول إلى مصر للأتابكية وتدبير الدولة، وأنه شيخ البيبقاوية وكبيرهم فسكنت نفسه لذلك، ووضع أوزار الفتنة وسار إلى مصر فلما وصلها اختلفوا في أمره وتعظيمه. وأركبوا السلطان إلى الزيدانية لتلقيه ودفعوا الأمراء إليه. واشاروا له إلى الأتابكية ووضعوا زمام الدولة في يده فصار إليه التولية والعزل والخل والعقد. وولى بيبقا الناظري أمير سلاح مكان سباطا، وبعثوا بلاطا إلى الكرك لاستقلال طشتمر بمكانه. وولى بندمر الخوارزمي نائبا بدمشق على سائر وظائف الدولة وممالك الشام كما اقتضاه نظره. ووافق عليه أستاذ دار برقوق وبركة، وولى أيبك اليوسفي فرتب برقوق رأس نوبة مكان الناظري. واستمر الحال على ذلك، وبرقوق وبركة أثناء هذه الأمور يستكثران من المماليك استغلاظا لشوكتهما، واكتنافاً لعصبيتهما أن يمتد الأمير إلى مراتبهما، فيبذلان الجاه لتابعهما، ويوفران الإقطاع لمن يستخدم لهما ويخصان بالإمرة من يجنح من أهل الدولة إليهما وإلى أبوابهما. وانصرفت الوجوه عن سواهما. وارتاب طشتمر بنفسه في ذلك وأغراه أصحابه بالتوثب بهذين الأميرين  فلما كان ذو الحجة سنة تسع وسبعين استعجل أصحابه على غير روية، وبعثوا إليه فأحجم وقعد عن الركوب. واجتمع برقوق وبركة بالاصطبل فركن إليه، وقاتل مماليك طشتمر بالرميلة ساعة من نهار وانهزموا وافترقوا واستأمن طشتمر فأمنوه واستدعوه إلى القلعة فقبضوا عليه وعلى جماعة من أصحابه منهم : أطلمش الأرغوني ومدلان الناظري وأمير حاج بن مغلطاي ودواداره أرغون. وبعث بهم إلى الإسكندرية فحبسوا بها. وبعث معهم بيبقا الناصري كذلك. ثم أفرج عنه لأيام وبعثه نائبا عن طرابلس. ثم أفرج عن طشتمر بعد ذلك إلى دمياط، ثم إلى القدس إلى أن مات سنة سبع وثمانين. واستقامت الدولة للأميرين بعد اعتقالهما، وخلت لهما من المنازعين. وولى الأمير برقوق أتابكا وولى الماخورية الجابي الشمسي، وولى قريبه أنيال أمير سلاح مكان بيبقا الناصري، وولى اقمتر العثماني لوادار مكان أطلمش الأرغوني. وولى الطنبغا الجوباني رأس نوبة ثانيا ودمرداش أمير مجلس. وتوفي بيبقا النظامي نائب حلب فولى مكانه عشقتمر المارداني. ثم استأذن عشقتمر فأذن له وحبس بالإسكندرية وولى بحلب تمرتاش الحسيني الدمرداشي. ثم أفرج عنه وأقام بالقدس قليلا. ثم استدعاه بركة وأكرم نزله وبعثه نائبا إلى حلب.

ثورة انيال ونكبته:

كان أنيال هذا أمير سلاح وكان له مقام في الدولة وهو قريب الأمير برقوق، وكان شديد الإنحراف على الأمير بركة، ويحمل قريبه على منافرته ولا يجيبه إلى ذلك فاعتزم على الثورة، وتحين لها سفر الأمير بركة إلى البحيرة يتصيد، فركب الأمير برقوق في بعض تلك الأيام متصيدا بساحة البلد، فرأى أن قد خلا له الجو فركب وعمد إلى باب الاصطبل فملكه، ومعه جماعة من مماليكه ومماليك الأمير برقوق. وتقبضوا على أمير الماخورية جركس الخليلي. واستدعوا السلطان المنصور ليظهروه للناس فمنعه المقدمون من باب الستارة. وجاء الأمير برقوق من صيده ومعه الأتابك الشمسي فوصلوا إلى منزله خارج القلعة، وافرغوا السلاح على سائر مماليكهم، وركبوا إلى ساحة الاصطبل. ثم قصدوا إلى الباب فأحرقوه وتسلق الأمير قرطاي المنصوري من جهة باب السر وفتحه لهم فدخلوا منه، ودافعوا أنيال  وانتقض عليه المماليك الذين كانوا معه من مماليك الأمير برقوق. ورموه بالسهام فانهزم ونزل إلى بيته جريحا. وأحضر إلى الأمير برقوق فاعتذر له بأنه لم يقصد بفعلته إلا التغلب على بركة فبعث به إلى الإسكندرية معتقلاً ، وأعاد بيبقا الناصري أمير سلاح كما كان، واستدعي لها من نيابة طرابلس. ووصل الخبر إلى بركة فأسرع الكر من البحيرة وانتظم الحال، ونظروا في الوظائف التي خلت في هذه الفتنة فعمروها بمن يقوم بها. واختصوا بها من حسن غناؤه في هذه الواقعة مثل قردم وقرط وذلك سنة إحدى وثمانين. وأقام أنيال معتقلا بالإسكندرية. ثم أفرج عنه في صفر سنة إثنتين وثمانين، وولى على طرابلس. ثم توفي منكلي بقا الأحمدي نائب حلب فولى أنيال مكانه. ثم تقبض عليه آخر السنة وحبس بالكرك وولى مكانه بيبقا الأحمدي فولى مكانه بندمر الخوارزمي. ثم توفي سنة إحدى وثمانين جبار بن المهنا أمير العرب بالشام فولي مكانه معيقل بن فضل ابن عيسى وزامل بن موسى بن عيسى شريكين، ثم عزلا وولي بعبر بن جبار. 

ثورة بركة ونكبته واستقلال الأمير برقوق بالدولة:

كان هذا الأمير بركة يعادل الأمير برقوق في حمل الدولة كما ذكرناه، وكان أصحابه يقوضون إليه الاستبداد في الأموال. وكان الأمير برقوق كثير التثبت في الأمور والميل إلى المصالح فيعارضهم في الغالب، ويضرب على أيديهم في الكثير من الأحوال فغضوا بمكانه، وأغروا بركة بالتوثب والاستقلال بالأمر وسعوا عنده بأشمس من كبار أصحاب الأمير برقوق، وأنه يحمل برقوق على مقاطعة بركة ويفسد ذات بينهما، وأنه يطلب الأمر لنفسه. وقد اعتزم على الوثوب عليهما فجاء بركة بذلك إلى الأمير برقوق وأراد القبض على أشمس فمنعه الأمير برقوق ودفع عنه، وعظم انحراف بركة على أشمس ثم عن الأمير برقوق. وسعى في الإصلاح بينهما الأكابر حتى كمال الدين شيخ التكية، والخلدي شيخ الصوفية من أهل خراسان. وجاؤا بأشمس إلى بركة مستعتباً فأعتبه وخلع عليه. ثم عاود انحرافه ثانية فمسح أعطافه، وسكن وهو مجمع الثورة والفتك. ثم عاود حاله تلك ثالثة. واتفق أن صنع في بيت الأمير برقوق لسرور وليمة في بعض أيام الجمعة في شهر ربيع سنة إثنتين وثمانين، وحضر عنده أصحاب بركة كلهم وأهل شوكته، وقد جاءه النصيح بأن بركة قد أجمع الثورة غداة يومه فقبض الأمير برقوق على من كان عنده من أصحاب بركة ليقص جناحه منهم. وأركب حاشيته للقبض عليه، وأصعد بدلان الناصري على مأذنة مدرسة حسن فنضحه بالنبل في اصطبله، وركب بركة إلى قبة النصر وخيم بها، ونودي في العامة بنهب بيوته فنهبوها للوقت وخربوها. وتحيز إليه بيبقا الناصري فخرج معه، وجلس الأمير برقوق بباب القلعة من ناحية الاصطبل، وسرح الفرسان للقتال. واقتتلوا عامة يومهم فزحف بركة على تعبيتين إحداهما لبيبقا الناصري.  وخرج الأق الشعباني للقائه وأشمس للقاء بيبقا الناصري فانهزم أصحاب بركة، ورجع إلى قبة النصر، وقد أثخنوا بالجراح، وتسلل أكثرهم إلى بيته وأقام الليل، ثم دخل إلى جامع البلدة وبات به. ونمي إلى الأمير برقوق خبره فأركب إليه الطنبقا الجوباني وجاء به إلى القلعة. وبعث به الأمير برقوق إلى الإسكندرية فحبس بها إلى أن قتله النائب بها صلاح الدين بن عزام، وقتل به في خبر يأتي شرحه إن شاء الله تعالى. وتقبض على بيبقا الناصري وسائر شيعته من الأمراء، وأودعهم السجون إلى أن استحالت الأحوال، وولى وظائفهم من أوقف عليه نظره من أمراء الدولة. وأفرج عن أنيال الثائر قبله، وبعثه نائبا على طرابلس، واستقل بحمل الدولة، وانتظمت به أحوالها. واستراب سندمر نائب دمشق لصحابته مع بركة فتقبض عليه وعلى أصحابه بدمشق، وولي نيابة دمشق عشتمر، ونيابة حلب أنيال. وولى أشمس الأتابكية مكان بركة والأق الشعباني أمير سلاح والطنبقا الجوباني أمير مجلس، وأبقا العثماني دوادار، وجركس الخليلي أمير الماخورية، والله تعالى ولي التوفيق.

انتقاض أهل البحيرة وواقعة العساكر :

كان هؤلاء الظواعن الذين عمروا الدولة من بقايا هوارة ومزاته وزناته يعمرونها عن تحت أيديهم من هذه القبائل وغيرهم، يقومون بخراج بالسلطان كل سنة في إبانه وكانت الرياسة عليهم حتى في أداء الخراج لبدر بن سلام وآبائه من قبله، وهو من زناتة إحدى شعوب لواتة. وكان للبادية المنتبذين مثل أبي ذئب شيخ أحياء مهرانة وعسرة، ومثل بني التركية أمراء العرب بعقبة الإسكندرية اتصال بهم لاحتياجهم إلى الميرة من البحيرة. ثم استخدوا لأمراء الترك في مقاصدهم وأموالهم واعتزوا بجاههم، وأسفوا على نظائرهم من هوارة وغيرهم. ثم حدثت الزيادة في وظائف الجباية كما هي طبيعية الدولة فاستثقلوها وحدثتهم أنفسهم بالإمتناع منها لما عندهم من الاعتزاز فأرهقوا في الطلب، وحبس سلام بالقاهرة، وأجفل ابنه بدر إلى الصعيد بالقبلية، واعترضته هناك عساكر السلطان فقاتلهم وقتل الكاشف في حربه. وسارت إليه العساكر سنة ثمانين مع الأق الشعباني وأحمد بن بيبقا وأنيال قبل ثورته فهربوا وعاثت العساكر في مخلفهم ورجعوا. وعاد بدر إلى البحيرة، وشغلت الدولة عنهم بما كان من ثورة أنيال وبركة بعده، واتصل فساد بدر وامتناعه فخرجت إليه العساكر مع الأتابك أشمس والأمير سلام والجوباني أمير مجلس وغيرهم من الأمراء الغربية. ونزلت العساكر البحيرة، واعتزم بدر على قتالهم فجاءهم النذير بذلك، فانتبذوا عن الخيام وتركوها خاوية. ووقفوا على مراكزهم حتى توسط القوم المخيم وشغلوا بنهبه، فكرت عليهم العساكر فكادوا يستلحمونهم، ولم يفلت منهم إلا الأقل. وبعث بدر بالطاعة، واعتذر بالخوف وقام بالخراج فرجعت العساكر، وولى بكتمر الشريف على البحيرة. ثم استبدل منه بقرط بن عمر. ثم عاد بدر إلى حاله فخرجت العساكر فهرب أمامها، وعاث القرط فيهم وقتل الكثير من رجالهم وحبس آخرين، ورجع عن بدر أصحابه مع ابن عمه ومات ابن شادي، وطلب الباقي الأمان فأمنوا وحبس رجال منهم، وضمن الباقون القيام بالخراج. واستأمن بدر فلم يقبل فلحق بناحية الصعيد، واتبعته العساكر ؛ فهرب واستبيح مخلفه وأحياؤه ولحق ببرقة، ونزل على أبي ذئب فأجاره، وأستقام أمر البحيرة. وتمكن قرط من جبايتها، وقتل رحاب وأولاد شادي. وكان قرطاي يستوعب رجالتهم بالقتل. وأقام بدر عند أبي ذئب يتردد ما بين أحيائه وبين الواحات، حتى لقيه بعض أهل الثأر عنده فثأروا منه سنة تسع وثمانين، وذهب مثلا في الآخرين، والله تعالى أعلم.

مقتل بركة في محبسه وقتل ابن عزام بثأره:

كان الأمير بركة استعمل أيام إمارته خليل بن عزام أستاذ داره، ثم اتهمه في ماله وسخطه ونكبه، وصادره على مال امتحنه عليه. ثم أطلقه فكان يطوي له على النكث. ثم صار بركة إلى ما صار إليه من الاعتقال بالإسكندرية، وتولى ابن عزام نيابتها فحاول على حاجة نفسه في قتل بركة. ووصل إلى القاهرة متبرئا من أمره متخوفا من مغبته ورجع. وقد طوى من ذلك على الدغل. ثم حمله الحقد الكامن في نفسه على اغتياله في جنح الليل فأدخل عليه جماعة متسلحين فقتلوه، وزعم أنه أذن له في ذلك. وبلغ الخبر إلى كافل الدولة الأمير برقوق، وصرح مماليكه بالشكوى إليه فأنكر ذلك وأغلظ على أبن عزام. وبعث دواداره الأمير يونس يكشف عن سببه وإحضار ابن عزام فجاء به مقيدا، وأوقفه على شنيع مرتكبه في بركة فحلف الأمير ليقادن منه به. وأحضر إلى القلعة في منتصف رجب من سنة إثنتين وثمانين، فضرب بباب القلعة أسواطا. ثم حمل على جمل مشتهرا وأنزل إلى سوق الخيل فتلقاه مماليك بركة فتناولوه بالسيوف، إلى أن تواقعت أشلاؤه بكل ناحية وكان فيه عظة لمن يتعظ، أعادنا الله من درك الشقاء وسوء القضاء وشماتة الأعداء انتهى.

وفاة السلطان المنصور علي بن الاشرف وولاية الصالح امير حاج:

كان هذا السلطان على بن الأشرف قد نصبه الأمير قرطاي في ثورته على أبيه الأشرف وهو ابن إثنتي عشرة سنة، فلم يزل منصورا والأمر ينتقل من دولة إلى دولة كما ذكرناه إلى أن هلك لخمس سنين من ولايته في صفر سنة ثلاث وثمانين فحضر الأمير برقوق، واستدعى الأمراء واتفقوا على نصب أخيه أمير حاج، ولقبوه الصالح وأركبوه إلى الإيوان فأجلسوه على التخت. وقلده الخليفة على العادة، وجعل الأمير برقوق كافله في الولاية والنظر للمسلمين لصغره حينئذ عن القيام بهذه العهدة. وأفتى العلماء يومئذ بذلك، وجعلوه من مضمون البيعة، وقرىء كتاب التقليد على الأمراء  القضاة والخاصة والعامة في يوم مشهود، وانفض الجمع وانعقد أمر السلطان وبيعته، وضرب فيها للأمير برقوق بسهم والله تعالى مالك الأمور. 

وصول أنس الغساني والد الامير برقوق وانتظامه في الامراء

أصل هذا الأمير برقوق من قبيلة جركس الموطنين ببلاد الشمال في الجبال المحيطة بوطء القفجاق والروس واللان من شرقيها المطلة على بسائطهم. ويقال إنهم من غسان الداخلين إلى بلاد الروم مع أميرهم جبلة بن الأيهم، عندما أجفل هرقل إلى الشام، وسار إلى القسطنطينية. وخبر مسيره من أرض الشام، وقصته مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه متناقلة معروفة بين المؤرخين. وأما هذا الرأي فليس على ظاهره، وقبيلة جركس من الترك معروفة بين النسابين، ونزولهم بتلك المواطن قبل دخول غسان. وتحقيق هذا الرأي أن غسان لما دخلوا مع جبلة إلى هرقل أقاموا عنده ويئسوا من الرجوع لبلادهم. وهلك هرقل واضطرب ملك الروم، وانتشرت الفتنة هنالك في ممالكهم.واحتاجت غسان إلى الحلف للمدافعة في الفتن، وحالفوا قبائل جركس، ونزلوا في بسيط جبلهم من جانبه الشرقي مما يلي القسطنطينية، وخالطوهم بالنسب والصهر، واندرجوا فيهم حتى تلاشت أحياؤهم. وصاروا إلى تلك الأماكن وأووا من البسائط إلى الجبال مع جركس فلا يبعد مع هذا أن تكون أنسابهم، تداخلت معهم ممن انتسب إلى غسان من جركس وهو مصدق في نسبه، ويستأنس له بما ذكرناه فهو نسبة قوية في صحته والله تعالى أعلم.وجلب هذا الأمير برقوق على عهد الأمير بيبقا عثمان قراجا من التجار المعروفين يومئذ بتلك الجهات، فملكه بيبقا وربي في اطباق بيته، وأوى من قصده وشد فى الرماية والثقافة. وتعلم آداب الملك وانسلخ من جلده الخشونة، وترشح للرياسة والإمارة والسعادة تشير إليه، والعناية الربانية تحوم عليه. ثم كان ما ذكرناه من شأن مماليك بيبقا ومهلك كبيرهم يومئذ استدمر، وكيف تقسموا بين الجلاء والسجن. وكان الأمير برقوق أعزه الله تعالى ممن أدركه التمحيص ؛ فلبث في سجن الكرك خمس سنين بين أصحاب له منهم فكانت تهوينا لما لقي من بوائقه، وشكرا له بالرجوع إلى الله ليتم ما قدر الله فيه من حمل أمانته واسترعاء عباده.ثم خلص من ذلك المحبس مع أصحابه، وخلا سبيله فانطلقوا إلى الشام، واستخلصهم الأمير منجك نائب الشام يومئذ. وكان بصيرا مجربا فألقى محبته وعنايته على هذا الأمير لما رأى عليه من علامات القبول والسعادة. ولم يزل هناك في خالصته إلى أن هجس في نفس السلطان الأشرف استدعاه المرشحين من مماليكه. وهذا الأمير يقدمهم وأفاض فيهم الإحسان واستضافهم لولده الأمير علي. ولم يكن إلا أيام وقد انتقض الجائي القائم بالدولة، وركب على السلطان، فأحضرهم السلطان الأشرف وأطلق أيديهم في خيوله المقربة وأسلحته المستجادة فاصطفوا منها ما اختاروه وركبوا فى مدافعة الجائي، وصدقوه القتال حتى دافعوه على الرميلة.ثم اتبعوه حتى ألقى نفسه في البحر فكان آخر العهد به. واحتلوا بمكان من أثره السلطان واختصاصه، فسوغ لهم الإقطاعات وأطلق لهم الجرايات. ولهذا الأمير بين يديه من بينهم مزيد مكانة ورفيع محل، إلى أن خرج السلطان الأشرف إلى الحج، وكان ما قدمناه من انتقاض قرطاي واستبداده ؛ ثم استبداد أيبك من بعده وقد عظم محل هذا الأمير من الدولة، ونما عزه وسمت رتبته. ثم فسد أمر أيبك، وتغلب على الأمر جماعة من الأمراء مفترقي الأهواء. وخشي العقلاء انتقاض الأمر وسوء المغبة فبادر هذا الأمير، وتناول الحبل بيده، وجعل طرفه في يد بركة رديفه فأمسك معه برهة من الأيام. ثم اضطرب وانتقض وصار إلى ما صار إليه من الهلاك، واستقل الأمير برقوق بحمل الدولة والعناية الربانية تكفله والسعادة تواخيه وكان من جميل الصنع الرباني له أن كيف الله غريبة في اجتماع شمل أبيه به ؛ فقدم وفد التجار بأبيه من قاصية بلادهم بعد أن أعملوا الحيلة في استخلاصه، وتلطفوا في استخراجه، وكان اسمه أنس فاحتفل ابنه الأمير برقوق من مبرته، وأركب العساكر وسائر الناس على طبقاتهم لتلقيه، وأعد الخيام بسرياقوس لنزوله فحضروا هنالك جميعا في ثاني ذي الحجة سنة اثنتين وثمانين. وجلس الأمير أنس الوافد صدر المجلس، وهم جميعا حفافيه من القضاة والأمراء، ونصب السماط فطعم الناس وانتشروا.ثم ركبوا إلى البلد وقد زينت الأسواق، وأوقدت الشموع وماجت السكك بالنظارة من عالم لا يحصيهم إلا خالقهم. وكان يوماً مشهودا. وأنزله بالاصطبل تحت المدينة الناصرية، ونظمه السلطان في أقربائه وبني عمه وبني إخوانه، واجتمع شملهم به وفرض لهم الأرزاق وقررهم في الوظائف. ثم مات هذا الأب الوافد، وهو الأمير أنس رحمه الله في أواسط ، وثمانين بعد أن أوصى بحجة إسلامه وشرفت مراتب الإمارة بمقامه. ودفنه السلطان بتربة الدوادار يونس. ثم نقله إلى المدفن بجوار المدرسة التي أنشأها بين القصرين سنة ثمان وثمانين، والله يؤتي الملك من يشاء.

خلع الصالح أمير حاج وجلوس برقوق على التخت واستبداده بالسلطان

كان أهل الدولة من البيبقاوبة من ولي منهم هذا الأمير برقوق قد طمعوا في الاستبداد، وظفروا بلذة الملك والسلطان، ورتعوا في ظل الدولة والأمان. ثم سمت أحوالهم إلى أن يستقل أميرهم بالدولة، ويستبد بها دون الأصاغرين المنتصبين بالمملكة. وربما أشار بذلك بعض أهل الفتيا يوم بيعة أمير حاج، وقال لا بد أن يشرك معه في تفويض الخليفة الأمير القائم بالدولة لتشد الناس إلى عقدة محكمة فأمضى الأمر على ذلك، وقام الأمير بالدولة فأنس الرعية بحسن سياسته وجميل سيرته. واتفق أن جماعة من الأمراء المختصين بهذا الصبي المنصوب غصوا بمكان هذا الأمير وتفاوضوا في الغدر به. وكان متولي ذلك منهم أبقا العثماني دوادار السلطان.ونمي الخبر إليه بذلك فتقبض عليهم، وبعث أبقا إلى دمشق على إمارته، وغرب الآخرين إلى قوص فاعتقلوا هنالك حتى أنفذ الله فيهم حكمه، وأشفق الأمراء من تدبر مثل هؤلاء عليهم وتفاوضوا في محو الأصاغر من الدست وقيامه بأمرهم مستقلا فجمعهم لذلك في تاسع عشر رمضان سنة أربع وثمانين. وحضر الخاصة والعامة من الجند والقضاة والعلماء وأرباب الشورى والفتيا وأطبقوا على بيعته، وعزل السلطان أمير حاج فبعث إليه أميرين من الأمراء فأدخلوه إلى بيته، وتناولوا السيف من يده فأحضروها. ثم ركب هذا السلطان من مجلسه بباب الاصطبل وقد لبس  شعار السلطة وخلعة الخلافة فدخل إلى القصور السلطانية، وجلس بالقصر الأبلق على التخت، وأتاه الناس ببيعتهم أرسالا. وانعقد أمره يومئذ ولقب الملك الظاهر، وقرعت الطبول وانتشرت البشائر، وخلع على أمراء الدولة مثل أشمس الأتابك والطنبقا الجوباني أمير مجلس، وجركس الخليلي أمير الماخورية وسودون الشيخوني نائبا والطنبقا المعلم أمير سلاح، ويونس النوروي دوادار وقردم الحسيني رأس نوبة. وعلى كتابه أوحد الدين بن ياسين كاتب سره أدال به من بدر الدين بن فضل الله كاتب سر السلطان من قبل، وعلى جميع أرباب الوظائف من وزير وكاتب وقاض ومحتسب، وعلى مشاهير العلم والفتيا والصوفية. وانتظمت الدولة أحسن انتظام، وسر الناس بدخولهم في إيالة السلطان يقدر للأمور قدرها ويحكم أو أخيها. وأستأذنه الطنبقا الجوباني أمير مجلس في الحج تلك السنة، وأذن له فانطلق لقضاء فرضه وعاد انتهى، والله تعالى أعلم.

مقتل قرط وخلع الخليفة ونصب ابن عمه الواثق للخلافة

كان قرط بن عمر من التركمان المستخدمين في الدولة، وكان له إقدام وصرامة رقابهما إلى محل من مرادفة الأمراء في وجوههم ومذاهبهم. ودفع إلى ولاية الصعيد ومحاربة أولاد الكنز من العرب الجائلين في نواحي أسوان فكان له في ذلك غناء وأحسن في تشريدهم عن تلك الناحية. ثم بعث إلى البحيرة واليا عند انتقاض بدربن سلام وفراره، ومرجع العساكر من تمهيدها فقام بولايتها، وتتبع آثار أولئك المنافقين وحسم عللهم. وحضر في ثورة أنيال فجلا في ذلك اليوم لشهامته وإقدامه. وكان هو المتولي تسور الحائط وإحراق الباب الظهراني الذي ولجوا عليه وأمسكوه فكان يمت بهذه الوسائل أجمع، والسلطان يرعى له إلا أنه كان ظلوما غشوما فكثرت شكايات الرعايا والمتظلمين به فتقبض عليه لأول بيعته وأودعه السجن.ثم عفا عنه وأطلقه، وبقي مباكرا باب السلطان مع الخواص والأولياء، وطوى علىالغث وتربص بالدولة. ونمي عنه أنه فاوض الخليفة المتوكل بن المعتضد في الانتقاض والاجلاب على الدولة بالعرب المخالفين بنواحي برقة من أهل البحيرة، وأصحاب بدر بن سلام، وأن يفوض الخليفة الأمر إلى سوى هذا السلطان القائم بالدولة. وبأنه داخل في ذلك بعض ضعفاء العقول من أمراء الترك ممن لا يؤبه له فأحضرهم من غداته، وعرض عليهم الحديث فوجموا وتناكروا وأقر بعضهم واعتقل الخليفة بالقلعة. وأخرج قرط هذا لوقته فطيف به على الجمل مسمرا ابلاغا في عقابه. ثم سيق إلى مصرعه خارج البلد، وقد بالسيف نصفين. وضم الباقون إلى السجون، وولى السلطان الخلافة عمر بن إبراهيم الواثق من أقاربه وهو الذي كان الملك الناصر ولى أباه إبراهيم بعد الخليفة أبي الربيع وعزل عن ابنه أحمد كما مر، وكان هذا كله في ربيع سنة خمس وثمانين، وولي مكانه أخوه زكريا ولقب المعتصم، واستقرت الأحوال إلى أن كان ما نذكره إن شاء الله تعالى.

نكبة الناصري واعتقاله

كان هذا الناصري من مماليك بيبقا وأرباب الوظائف في أيامه، وكان له مع السلطان الظاهر ذمة وداد وخلة من لدن المربى والعشرة، فقد كانوا أترابا بها، وكانت لهم دالة عليه لعلو سنه. وقد ذكرنا كيف استبدوا بعد أيبك ونصبوا الناصري أتابكا ولم يحسن القيام عليها. وجاء طشتمر بعد ذلك فكان معه حتى في النكبة والمحبس. ثم أشخص إلى الشام وولي على طرابلس. ثم كانت ثورة أنيال ونكبته في جمادى سنة إحدى وثمانين فاستقدمهم من طرابلس، وولي أمير سلاح مكان أنيال واستخلصه الأمير بركة وخلطه بنفسه. وكانت نكبته فحبس معه، ثم أشخص إلى الشام. وكان أنيال قد أطلق من اعتقاله وولي على حلب سنة اثنتين وثمانين مكان منكلي بقري الأحمدي فأقام بها سنة أو نحوها.ثم نمي عنه خبر الانتقاض فقبض عليه، وحبس بالكرك. وولى مكانه على حلب بيبقا الناصري في شوال سنة ثلاث وثمانين، وقعد الظاهر على التخت لسنة بعدها، واستبد بملك مصر. وكان الناصري لما عنده من الدالة يتوقف في انفاذ أوامره لما يراه من المصالح بزعمه، والسلطان ينكر ذلك ويحقده عليه. وكان له مع الطنبقا الجوباني أمير مجلس أحد أركان الدولة حلف لم يغن عنه، وأمر السلطان بالقبض على سولي بن بلقادر حين وفد عليه بحلب فأبى من ذلك صونا لوفائه بزعمه، ودس بذلك إلى سولي فهرب ونجا من النكبة.

ووفد على السلطان سنة خمس وثمانين وجدد حلفه مع الجوباني ومع أشمس الأتابك، ورجع إلى حلب. ثم خرج بالعساكر إلى التركمان اخر سنة خمس وثمانين دون إذن السلطان فانهزم وفسدت العساكر، ونجا بعد ثالثة جريحا وأحقد عليه السلطان هذه كلها. ثم استقدمه سنة سبع وثمانين فلما انتهى إلى سرياقوس تلقاه بها أستاذ دار فتقبض عليه، وطير به إلى الإسكندرية فحبس بها عامين، وولى مكانه بحلب الحاجب سودون المظفر، وكان عيبة نصح للسلطان وعينا على الناصري فيما يأتيه ويذره، لأنه من وظائف الحاجب للسلطان في دولة الترك خطة البريد المعروفة في الدول القديمة فهو بطانة السلطان بما يحدث في عمله، ويعترض شجا في صدر من يروم الانتقاض من ولاته. وكان هذا الحاجب سودون هو الذي ينمي أخباره إلى السلطان ويطلعه على مكامن مكره، فلما حبس الناصري بالإسكندرية ولاه مكانه بحلب وارتاب الجوباني من نكبة الناصري لما كان بينهما من الوصلة والحلف فوجم واضطرب، وتبين السلطان منه النكر فنكبه كما نذكره بعد إن شاء الله تعالى وأقصاه والله أعلم. 

اقصاء الجوباني إلى الكرك ثم ولايته على الشام بعد واقعة بندمر

أصل هذا الأمير الجوباني من قبائل الترك وإسمه الطنبقا، وكان من موالي بيبقا الخاصكي المستولي على السلطان الأشرف وقد مر ذكره، ربي في قصره وجو عزه ولقن الخلال والآداب في كنفه. وكانت بينه وبين السلطان خلة ومصافاة أكسبتها تلك الكفالة بما كانا رضيعي ثديها، وكوكبي أفقها، وتربي مرقاها. وقد كان متصلاً  فيما قبله بينهما من لدن المربى في بلادهم واشتمل بعضهم على بعض، واستحكم الإتحاد حتى ة، لعشرة أيام التمحيض والاغتراب كما مر. فلقد كان معتقلا معه بالكرك أيام المحنة خمساً من السنين أدال الله لهذا السلطان حزنها بالمسرة، والنحوسة بالسعادة والسجن بالملك. وقسمت للجوباني بها شائبة من رحمة الله وعنايته في خدمة السلطان بدار الغربة والمحنة وألقته به في المنزل الخشن لتعظم له الوسائل وتكرم الأذمة والعهود

إن الكرام إذا ما أسهلوا ذكروا           من كان يألفهم في المنزل الخشن

ثم كان انطلاقهما إلى الشام ومقامهما جميعاً واستدعاؤهما إلى دار الملك ورقيهما في درج العز والتغريب كذلك، وكان للسلطان أصحاب سراة يمتون إليه بمثل هذه الوسائل وينتظمون في سلكها وكان متميز الرتبة عنهم، سابقا في مرقى درجات العز أمامهم، مجلبا في الحلبة التي فيها طلقهم، إلى أن ظفر بالملك واستولى على الدولة، وهو يستتبعهم في مقاماته ويوطئهم عقبه ويذلل لهم الصعاب فيقتحمونها، ويحوز لهم الرتب فيستهمون عليها. ثم اقتعد منبر الملك والسلطان، واستولى على كرسيه، وقسم مراتب الدولة ووظائفها بين هؤلاء الأصحاب. وآثر الجوباني منهم بالصفاء والمرباع فجعله أمير مجلسه ومعناه، صاحب الشورى في الدولة، وهو ثاني الأتابك وتلو رتبته. فكانت له القدم العالية من أمرائه وخلصائه، والحظ الوافر من رضاه وإيثاره. وأصبح أحد الأركان التي بها عمد دولته بأساطينها، وأرسى ملكه بقواعدها. إلى أن دبت عقارب الحسد إلى مهاده، وحومت شباة السعاية على قرطاسه؟ وارتاب السلطان بمكانه وأعجل الحزم على إمهاله فتقبض عليه يوم الإثنين لسبع بقين من سنة سبع وثمانين، وأودعه بعض حجر القصر عامة يومه.

ثم أقصاه إلى الكرك وعواطف الرحمة تنازعه، وسجايا الكرم والوفاء تقض من سخطه. ثم سمح وهو بالخير أسمح، وجنح وهو إلى الأدنى من الله أمنح، فسرح إليه من الغد بمرسوم النيابة على تلك الأعمال فكانت غريبة لم يسمع بمثلها من حلم هذا السلطان وأناقه، وحسن نيته وبصيرته، وكرم عهده وجميل وفائه. وانطلقت الألسن بالدعاء له، وامتلأت القلوب بالمحبة. وعلم الأولياء والخاصة والشيع والكافة أنهم في كفالة أمن ولطف وملكة إحسان وعدل.ثم مكث حولا يتعقب أحواله، ويتتبع سيره وأخباره طاوياً شأنه في ذلك عن سائر الأولياء، إلى أن وقف على الصحيح من أمره، وعلم خلوص مصادقته وجميل خلوصه. فأخفق سعي الداعين، وخابت ظنون الكاشحين، وأداله العتبى من العتاب، والرضا من النكرى، واعتقد أن يمحو عنه هواجس الاسترابة والاستيحاش، ويرده إلى أرفع الإمارة. وبينما هو يطوي على ذلك ضميرة، ويناجي سره إذ حدثت واقعة بندمر بالشام فكانت ميقاتا لبدر السعادة وعلما على فوزه بذلك الحظ كما نذكر إن شاء الله تعالى. وخبر هذه الواقعة أن بندمر الخوارزمي كان نائبا بدمشق، وقد مر ذكره غير مرة وأصله من الخوارزمية أتباع خوارزم شاه صاحب العراق عند استيلاء التتر، وافترقوا عند مهلكه على يد جنكز خان في ممالك الشام، واستخدموا لبني أيوب والترك أول استبدادهم بمصر. وكان هذا الرجل من أعقاب أصلهم، وكان له نجابة جذبت بضبعه، ونصب عند الأمراء من سوقه فاستخدم بها إلى ترشح للولاية في الأعمال، وتداول إمارة دمشق مع منجك اليوسفي وعشقتمر الناصري، وكان له انتقاض بدمشق عند تغلب الخاصكي وحاصره واستنزله بأمانه.ثم أعيد إلى ولايته. ثم تصرمت تلك الدول وتغلب هذا السلطان على الأمر، ورادفه فيه فولوه على دمشق، وكانت صاغيته مع بركة. فلما حدث انتقض بركة كتب إليه وإلى بقرى بدمشق أولياؤه هنالك بالاستيلاء على القلعة. وكتب برقوق إلى نائب القلعة بحذرهم فركب جنتمر أخ طاز وابن جرجى ومحمد بيك وقاتلوه ثلاثا. ثم أمسكوه وقيدوه ومعه بقري بن برقش وجبريل مرتبه، وسيقوا إلى الإسكندرية فحبسوا. فلما قتل بركة أطلق بندمر ومن كان حبس من أصحاب بركة مثل: بيبقا الناصري ودمرداش الأحمدي. ثم استخلصه السلطان برقوق ورده إلى عمله الأول بعد جلوسه على التخت والشام له. وكان جماعا للأموال شديد الظلامة فيها، متحيلا على استخلاصها من أيدي أهلها بما يطرق لهم من أسبابها العقاب. مصانعا للحاشية بماله من حاميته إلى أن سئم الناس إيالته، وترحمت القلوب منه.وكان بدمشق جماعة من الموسوسين المسامرين لطلب العلم بزعمهم، متهمون في عقيدتهم بين مجسم ورافضي وحلولي، جمعت بينهم أنساب الضلال والحرمان، وقعدوا عن نيل الرتب بما هم فيه. تلبسوا بإظهار الزهد والنكير على الخلق حتى على الدولة في توسعة بطلان الأحكام والجباية عن الشرع والسياسة التي تداولها الخلفاء، وأرخص فيها العلماء وأرباب الفتيا وحملة الشريعة بما تمس إليه  الحاجة من الوازع السلطاني، والمعونة على الدفاع. وقديما نصبت الشرطة الصغرى والكبرى، ووظيفة المظالم ببغداد دار السلام ومقر الخلافة وإيوان الدين والعلم، وتكلم الناس فيها بما هو معروف، وفرضت أرزاق العساكر في أثمان البياعات عند حاجة الدولة الأموية، فليس ذلك من المنكر الذي يعتد بتغييره، فليس هؤلاء الحمقى على الناس بأمثال هذه الكلمات، وداخلوا من في قلبه مرض من الدولة. وأوهموا أن قد توثقوا من الحل والعقد في الإنتقاض فرية انتحلوها، وجمعا أنهوه نهايته. وعدوا على كافل القلعة بدمشق وحاميتها يسألونهم الدخول معهم في ذلك لصحابة كانت بين بعضهم وبينه فاعتقلهم وطالع السلطان بأمرهم. وتحدث الناس أنهم داخلوا في ذلك بندمر النائب بمداخلة بعضهم كابنه محمد شاه. ونمي الخبر بذلك إلى السلطان فارتاب به وعاجله بالقبض والتوثق منه ومن حاشيته. ثم أخرج مستوفي الأموال بالحضرة لاستخلاص ما احتازه من أموال الرعايا، واستأثر به على الدولة وأحضر هؤلاء الحمقى ومن بسوء سيرتهم مقتدون إلى الأبواب العالية فقذفوا في السجون، وكانوا أحق بغير ذلك من أنواع العذاب والنكال. وبعث السلطان لعشقتمر الناصري وكان مقيما بالقدس أن يخرج نائبا على دمشق فتوجه إليها، وأقام رسم الإمارة بها أياما ظهر فيها عجزه، وبين عن تلك الرتبة قعوده بما أصابه من وهن الكبر وطوارىء الزمانة والضعف، حتى زعموا أنه كان يحمل على الفراش في بيته إلى منعقد حكمه، فعندها بعث السلطان عن هذا الأمير الجوباني، وقد خلص من الفتن أبريزه وأينع بنفحات الرضا والقبول عوده، وأفرح بمطالعة الأنس والقرب روعه. فجاء من الكرك على البريد وقد أعدت له أنواع الكرامة، وهيء له المنزل والركاب والفرش والثياب والآنية والخوان والخرثى والصوان، واحتفل السلطان لقدومه وتلقيه بما لم يكن في أمله.وقضى الناس العجب من حلم هذا السلطان وكرم عهده وجميل وفائه، وتحدث به الركبان. ثم ولاه نيابة دمشق وبعثه لكرسيه مطلق اليد ماضي الحكم عزيز الولاية، وعسكر بالزيدانية ظاهر القاهرة ثالث ربيع الأول من سنة سبع وثمانين، وارتحل من الغد وسعادة السلطان تقدمه ورضاه ينقله إلى أن قارب دمشق، والناس يتلقونه أرسالا. ثم دخل المدينة غرة ربيع الثاني وقد احتفل الناس لقدومه، وغصت السكك بالمتنزهين، وتطاول إلى دولته أرباب الحدود. وتحدث الناس بجمال هذا المشهد الحفيل ، وتناقلوا خبره. واستقل بولاية دمشق وكأية السلطان تلاحظه، ومذاهب الطاعة والخلوص تهديه بحسن ذكره. وأفاض الناس الثناء في حسن اختياره وجمال مذهبه، وأقام السلطان بفي وظيفته أحمد ابن الأمير بيبقا فكان أمير مجلس، والله غالب على أمره.

هدية صاحب افريقية

كان السلطان لهذا العهد بإفريقية من الموحدين، ومن أعقاب الأمير أبي زكريا يحمى بن عبد الواحد بن أبي حفص الهنتاتي، المستبد بإفريقية على بني عبد المؤمن ملوك مراكش أعوام خمس وعشرين وستمائة. وهو أحمد بن محمد بن أبي بكر بن يحى ابن إبراهيم أبي زكريا سلسلة ملوك كلهم. ولم تزل ملوك المغرب على القدم ولهذا العهد يعرفون لملوك الترك بمصر حقهم، ويوجبون لهم الفضل والمزية بما خصهم الله من ضخامة الملك وشرف الولاية بالمساجد المعظمة وخدمة الحرمين. وكانت المهاداة بينهم تتصل بعض الأحيان، ثم تنقطع بما يعرض في الدولتين من الأحوال. وكان لي اختصاص بذلك السلطان ومكان من محبسه، ولما رحلت إلى هذا القطر سنة أربع وثمانين، واتصلت بهذا السلطان بمصر الملك الظاهر سألني عنه لأول لقيه فذكرته له بأوصافه الحميدة، وما عنده من الحب والثناء، ومعرفة حقه على المسلمين أجمع، وعلى الملوك خصوصاً في تسهيل سبيل الحج، وحماية البيت للطائفين والعاكفين والركع السجود، أحسن الله جزاءه ومثوبته  ثم بلغني أن السلطان بإفريقية صد أهلي وولدي عن اللحاق بي اغتباطا بمكان وطلبا لفيئتي إلى بابه، ورجوعي فتطارحت على هذا السلطان في وسيلة شفاعة تسهل منه الأذن فاسعفني بذلك، وخاطبت ذلك السلطان كان الله له، أغبطه بمودة هذا السلطان، والعمل على مواصلته ومهاداته كما كان بين سلفهم في الدولتين فقبل مني، وبادر إلى إتحافه بمقربات  افليس عندنا في المغرب تحفة تطرف بها ملوك الشرق إلا الجياد العرب. وأما ما سوى ذلك من أنواع الطرف والتحف بالمغرب فكثير لديهم أمثاله، ويقبح أن يطرف عظماء الملوك بالتافه المطروح لديهم. واختار لتلك سفينته التي اعدها لذلك وأنزل بها أهلي وولدي بوسيلة هذا السلطان أيده الله، لسهولة سبيل البحر وقرب مسافته. فلما قاربوا مرسى الإسكندرية عاقتهم عواصف الرياح عن احتلال السفينة، وغرق معظم ما فيها من الحيوان والبضائع، وهلك أهلي وولدي فيمن هلك. ونفقت تلك الجياد وكانت رائعة الحسن صافية النسب، وسلم من ذلك المهلك رسول جاء من ذلك السلطان لمد العهد. وتقرر المودة فتلقي بالقبول والكرامة، وأوسع النزل والقرى. ثم اعتزم على العودة إلى مرسله فانتقى السلطان ثيابا من الوشي المرقوم في عمل العراق والإسكندرية يفوت القيمة واستكثر منها، واتحف بها السلطان ملك إفريقية على يد هذا الرسول على عادة عظماء الملوك في اتحافهم وهداياهم.

وخاطبت ذلك السلطان معه بحسن الثناء على قصده وجميل موقع هديته من السلطان، واستحكام مودته له. وأجابني بالعذر من الموقع وأنه مستأنف من الاتحاف للسلطان، واستحكام مودته بما يسره الحال. فلما قدم الحاج من المغرب سنة ثمان وثمانين وصل فيهم من كبار الغرب بدولته، وأبناء الأعاظم المستبدين على سلفه عبيد بن القائد أبي عبد الله محمد بن الحكيم بهدية من المقربات، رائقة الحلي رائعة الأوصاف منتخبة الأجناس والأنساب، غريبة الألوان والأشكال. فاعترضها السلطان وقابلها بالقبول وحسن الموقع.وحضر الرسول بكتابه فقرىء وأكرم حامله، وأنعم عليه بالزاد لسفر الحج. وأوصى أمراء المحمل فقضى فرضه على أكمل الأحوال، وكانت أهم أمنياته. ثم انقلب ظافرا بقصده وأعاده السلطان إلى مرسله بهدية نحو من الأولى من أجناس تلك الثياب ومستجادها مما يجاوز الكثرة ويفوت، واستحكمت عقدة المودة بين هذين السلطانين. وشكرت الله على ما كان فيها من أثر مسعاي ولو قل. وكان وصل في جملة الحاج من المغرب كبير العرب من هلال، وهو يعقوب بن علي بن أحمد أمير رياح الموطنين بضواحي قسنطينة وبجاية والزاب في وفد من بنيه وأقربائه. ووصل في جملتهم أيضا عون بن يحيى طالب بن مهلهل من الكعوب أحد شعوب سليم الموطنين بضواحي تونس والقيروان والجريد وبنو أبيه، فقضوا فرضهم أجمعون، وانقلبوا إلى مواطنهم أواسط شهر ربيع الآخر من سنة تسع وثمانين، واطردت أحوال هذه الدولة على أحسن ما يكون، والله متولي أمرها بمنه وكرمه انتهى.

انتقاض منطاش  بملطية ولحاقه بسيواس ومسير العساكر في طلبه

كان منطاش هذا وتمرتاي الدمرداشي الذي مر ذكره أخوين لتمراز الناصري من موالي الملك الناصر محمد بن قلاوون، وربيا في كفالة أمهما. وكان اسم تمرتاي محمدا، وهو الأكبر، واسم منطاش أحمد وهو الأصغر. واتصل تمرتاي بالسلطان الأشرف وترقى في دولته في الوظائف إلى أن ولي بحلب سنة ثمانين، وكانت واقعته مع التركمان. وذلك إنه وفد عليه أمراؤهم فقبض عليهم لما كان من عيثهم في النواحي، واجتمعوا فسار إليهم وأمده السلطان بعساكر الشام وحماة، وانهزموا أمامهم إلى الدربند. ثم كروا على العساكر فهزموها في المضايق وتوفي تمرتاي سنة إثتين وثمانين، وكان السلطان الظاهر برقوق يرعى لهما هذا الولاء فولى منطاش على ملطية.ولما قعد على الكرسي واستبد بالسلطان بدت من منطاش علامات الخلاف فهم به. ثم راجع ووفد وتنصل للسلطان، وكان سودون باق من أمراء الألوف خالصة للسلطان، ومن أهل عصبيته. وكان من قبل ذلك في جملة الأمير تمرماي فرعا لمنطاش حق أخيه، وشفع له عند السلطان وكفل حسن الطاعة منه، وأنه يخرج على التركمان المخالفين ويحسم علل فسادهم. وانطلق إلى قاعدة عمله بملطية. ثم لم تزل آثار العصيان بادية عليه، وربما داخل أمراء التركمان في ذلك ونمي الخبر إلى السلطان فطوى له، وشعر هو لذلك فراسل صاحب سيواس قاعدة بلاد الروم، وبها قاض مستبد على صبي من أعقاب بني أرشى ملوكها من عهد هلاكو قد اعصوصب عليه بقية من أحياء التتر الذين كانوا حامية هنالك مع الشحنة فيها كما نذكره.ولما وصلت رسل منطاش، وكتبه إلى هذا القاضي بادر بإجابته، وبعث رسلا وفداً من أصحابه في إتمام الحديث معه فخرج منطاش إلى لقائهم، واستخلف على ملطية دواداره، وكان مغفلا فخشي مغبة ما يرومه صاحبه من الانتقاض فلاذ بالطاعة، وتبرأ من منطاش، وأقام دعوة السلطان في البلد. وبلغ الخبر إلى منطاش فاضطرب. ثم استمر وسار مع وفد القاضي إلى سيواس ؛ فلما قدم عليه وقد انقطع الحبل في يده أعرض عنه، وصار إلى مغالطة السلطان عما أتاه من مداخلة منطاش، وقبض عليه وحبسه. وسرح السلطان سنة تسع وثلاثين عساكره مع يونس الدوادار وقردم رأس نوبة، والطنبقا الرماح أمير سلاح، وسودون باق من أمراء الألوف. وأوعز الناصري فأتى وطلب أن يخرج معهم بعساكره، وإلى أنيال اليوسفي من أمراء الألوف بدمشق وساروا جميعاً .وكان يومئذ ملك التتر بما وراء النهر وخراسان تمر من نسب جفطاي قد زحف إلى العراقين وأذربيجان، وملك توريز عنوة واستباحها، وهو يحاول ملك بغداد. فسارت هذه العساكر توري بغزوه ودفاعه، حتى إذا بلغوا حلب أتى إليهم الخبر بأن تمر رجع بعساكره لخارج خرج عليه بقاصية ما وراء النهر، فرجعت عساكر السلطان إلى جهة سيواس، واقتحموا تخومها على حين غفلة من أهلها. فبادر القاضي إلى إطلاق منطاش لوقته.

وقد كان أيام حبسه يوسوس إليه بالرجوع عن موالاة السلطان وممالأته. ولم يزل يفتل له في الذروة والغارب حتى جنح إلى قوله فبعث لإحياء التتر الذين كانوا ببلاد الروم فيئة بن أريثا بن أول، فسار إليهم واستجاشهم على عسكر السلطان، وحذرهم استئصال شأفتهم   باستئصال ملك ابن أريثا وبلده.ووصلت العساكر خلال ذلك إلى سيواس فحاصروها أياماً وضيقوا عليها، وكادت أن تلقي باليد. ووصل منطاش إثر ذلك بإحياء التتر فقاتلهم العساكر ودافعوهم، ونالوا منهم. وجفى الناصري في هذه الوقائع، وأدرك العساكر الملل والضجر من طول المقام، وبطء الظفر، وانقطاع الميرة بتوغلهم في البلاد وبعد الشقة، فتداعوا للرجوع ودعوا الأمراء إليه فجنح لذلك بعضهم فانكفئوا على تعبيتهم. وسار بعض التتر في اتباعهم فكروا عليهم واستلحموهم وخلصوا إلى بلاد الشام على أحسن حالات الظهور ونية العود ليحسموا علل العدو، ويمحوا أثر الفتنة، والله تعالى أعلم.

نكبة الجوباني واعتقاله بالإسكندرية

كان الأمراء الذين حاصروا سيواس قد لحقهم الضجر والسآمة من طول المقام، وفزع قردم والطنبقا المعلم منهم إلى الناصري مقدم العساكر بالشكوى من السلطان فيما دعاهم إليه من هذا المرتكب، وتفاوضوا في ذلك ملياً ، وتداعوا إلى الإفراج عن البلد بعد أن بعثوا إلى القاضي بها واتخذوا عنده يدا بذلك. وأوصوه بمنطاش والإبقاء عليه ليكون لهم وقوفا للفتنة. وعلم يونس الدوادار أنهم في الطاعة فلم يسعه خلافهم ففوض لهم. ولما انتهى إلى حلب غدا عليه دمرداش من أمرائها فنصح له بأن الجوباني نائب بدمشق مداخل للناصر في تمريضه في الطاعة، وأنهما مصران على الخلاف. وقفل يونس إلى مصر فقص على السلطان نصيحته، واستدعى دمرداش فشافه السلطان بذلك واطلع منه على جلي الخبر في شأنهما.وكان للجوباني مماليك أوغاد قد أبطرتهم النعمة، واستهواهم الجاه، وشرهوا إلى التوثب وهو يزجرهم فصاروا إلى إغرائه بالحاجب يومئذ طرنطاي، فقعد في بيته عن المجلس السلطاني، وطير بالخبر إلى مصر فاستراب الجوباني وسابقه بالحضور عند السلطان لينضح عنه ما علق به من الأوهام، وأذن له في ذلك فنهض من دمشق على البريد في ربيع سنة تسعين. ولما انتهى إلى سرياقوس أزعج إليه أستاذ داره بهادر المنجكي فقبض عليه، وطير به السفن إلى الإسكندرية. وأصبح السلطان من الغد فقبض على قردم والطنبقا المعلم، وألحقهما به فحبسوا هنالك جميعا. وانحسم ما كان يتوقع من انتقاضهم. وولى السلطان مكان الجوباني بدمشق طرنطاي الحاجب، ومكان قردم بمصر ابن عمه مجماس ومكان المعلم دمرداش، واستمر الحال على ذلك.

فتنة الناصري واستيلاؤه على الشام ومصر واعتقال السلطان بالكرك:

لما بلغ الناصري بحلب اعتقال هؤلاء الأمراء استراب واضطرب، وشرع في أسباب الانتقاض، ودعا إليه من يشيع الشر وسماسرة الفتن من الأمراء وغيرهم فأطاعوه، وافتتح أمره بالنكير للأمير سودون المظفري والانحراف عنه لما كان منه في نكبته وإغراء السلطان به ثم ولايته مكانه. ومن وظائف الحاجب في دولة الترك: خطة البريد المعروفة في الدول القديمة، فهو يطالع السلطان بما يحدث في عمله، ويعترض شجى في صدر من يريد الانتقاض من ولاته. فأظلم الجو بين هؤلاء الرهط وبين المظفري، وتفاقم الأمر وطير بالخبر إلى السلطان فأخرج للوقت دواداره الأصغر تلكتمر ليصلح بينهما، وشمكن الثائرة. وحينما سمعوا بمقدمه ارتابوا وارتبكوا في أمرهم، وقدم تلكتمر فتلقاه الناصري وألقى إليه كتاب السلطان بالندب إلى الصلح مع الحاجب، والإغضاء له فأجاب بعد أن التمس من حقائب تلكتمر مخاطبة السلطان وملاطفته للأمراء حتى وقف عليه.ثم غلب عليه أولئك الرهط من أصحابه بالفتك بالحاجب فأطاعهم، وباكرهم تلكتمر بدار السعادة ليتم الصلح بينهم وتذهب الهواجس والنفرة فدعاه الناصر إلى بعض خلواته. وبينما هو يحادثه وإذا بالقوم قد وثبوا على الحاجب وفتكوا به. وتولى كبر ذلك أنبقا الجوهري، واتصلت الهيعة فوجم تلكتمر، ونهض إلى محل نزوله. واجتمع الأمراء إلى الناصري واعصوصبوا عليه. ودعاهم إلى الخلعان فأجابوا، وذلك في محرم سنة إحدى وتسعين.واتصل الخبر بطرابلس، وبها جماعة من الأمراء يرومون الانتقاض منهم بدلار الناصري عميد الفتن فتولى كبرها، وجمع الذين تمالؤا عليها وعمدوا إلى الإيوان السلطاني المسمى بدار السعادة، وقبضوا على النائب وحبسوه، ولحق بدلار الناصري في عساكر طرابلس وأمرائها. وفعل مثل ذلك أهل حلب وحمص وسائر ممالك الشام. وسرح السلطان العساكر لقتالهم. فسارا  يتمش الأتابك، ويونس الدوادار، والخليلي جركس أمير الماخورية وأحمد بن بيبقا أمير مجلس، وايدكاز صاحب الحجاب فيمن  إليهم من العساكر. وانتخب من أبطال مماليكهم وشجعانهم خمسمائة مقاتل، واستضافهم إلى الخليلي وعقد لهم لواءه المسمى بالشاليش، وأزاح عللهم وعلل سائر العساكر. وساروا على التعبية منتصف ربيع السنة.وكان الناصري لما فعل فعلته بعث عن منطاش وكان مقيما بين أحياء التتر منذ رجوع العساكر عن سيواس، فدعاه ليمسك معه حبل الفتنة والخلاف فجاء وملأه مبرة وإحساناً، واستنفر طوائف التركمان والعرب، ونهض في جموعه يريد دمشق، وطرنطاي نائبها يواصل تعريف السلطان بالأخبار، ويستحث العساكر من مصر على نائبها الأمير الصفوي وبينه وبين الناصر علاقة وصحبة ؛ فاسترابوا  به وتقبضوا عليه، ونهبوا بيته وبعثوا به حبيسا إلى الكرك وولوا مكانه محمد باكيش بن جند التركماني، كان مستخدما عند بندمر هو وأبوه، وولى لهذا العهد على نابلس وما  يجاورها فنقلوه إلى غزة.ثم تقدموا إنى دمشق واختاروا من القضاة وفدا أوفدوه على الناصري وأصحابه للإصلاح فلم يجيبوا، وأمسكو الوفد عندهم وساروا للقاء. ولما تراءى الجمعان بالمرج نزع أحمد بن بيبقا وايدكاز الحاجب ومن معهما إلى القوم فساروا معهم، واتبعهم مماليك الأمراء، وصدق القوم الحملة على من بقى فانفضوا ولجأ ايتمش إلى قلعة دمشق فدخلها، وكان معه مكتوب السلطان بذلك متى احتاج إليه. وذهب يونس حيران وقد أفرده مماليكه فلقيه عنقا أمير الأمراء وكان عقد له بعض النزعات أيام سلطانه فتقبض عليه، وأحيط بجركس الخليلي ومماليك السلطان حوله، وقد أبلوا في ذلك الموقف، واستلحم عامتهم فخلص بعض العدو إليه وطعنه فأكبه، ثم احتز رأسه. وذهب ذلك الجمع شعاعا وافترقت العساكر في كل وجه، وجيء بهم أسرى من كل ناحية.ودخل الناصري وأصحابه دمشق لوقتهم واستولوا عليها، وعاثت عساكرهم من العرب والتركمان في نواحيها. وبعث إليهم عنقا يستأذنهم في أمر يونس فأمر بقتله فقتله وبعث إليهم برأسه. وأوعزوا إلى نائب القلعة بحبس أيتمس عنده، وفرقوا المحبوسين من اهل الواقعة على السجون بقلعة دمشق وصفد وحلب وغيرها. وأظهر ابن باكيس دعوته بغزة وأخذ بطاعتهم، ومر به انيال اليوسفي من أمراء الألوف بدمشق ناجيا من الوقعة إلى مصر فقبض عليه وحبسه بالكرك. واستعد السلطان للمدافعة وولى دمرداش أتابكا مكان ايتمش وقرماش الجندار دوادار مكان يونس، وعمر سائر المراتب عمن فقد منها، وأطلق الخليفة المعتقل المتوكل بن المعتضد، وأعاده إلى خلافته وعزل مكانه.وأقام الناصري وأصحابه بدمشق أياما ثم أجمعوا المسير إلى مصر ونهضوا إليها بجموعهم، وعميت أنباؤهم حتى أطلت مقدمتهم على بلبيس. ثم تقدموا إلى بركة الحاج وخيموا بها لسبع من جمادى الأخيرة من السنة. وبرز السلطان في مماليكه ووقف أمام القلعة بقية يومه والناس يتسايلون إلى الناصري من العساكر ومن العامة حتى غصت بهم بسائط البركة واستأمن أكثر الأمراء مع السلطان إلى الناصري فأمنهم وأطلع السلطان على شأنهم، وسارت طائفة من العسكر وناوشوهم القتال وعادوا منهزمين إلى السلطان. وارتاب السلطان بأمره وعاين انحلال عقدته فدس إلى الناصري بالصلح، وبعث إليه بالملاطفة وأن يستمر على ملكه ويقوم بدولته خدمه وأعوانه. وأشار بأن يتوارى بشخصه أن يصيبه أحد من غير البيبقاوية بسوء. فلما غشيه الليل  أذن لمن بقى معه من مماليكه في الأنطلاق ودخل إلى بيته. ثم خرج متنكرا وسرى في غيابات المدينة.وباكرهم الناصري وأصحابه القلعة فاستولوا عليها، ودعوا أمير حاج ابن الأشرف فأدوه إلى التخت كما كان ونصبوه للملك ولقبه المنصور، وبادروا باستدعاء الجوباني والأمراء المعتقلين بالإسكندرية فأغذوا السير ووصلوا ثاني يومهم. وركب الناصري وأصحابه للقائهم وأنزل الجوباني عنده بالاصطبل وأشركه في أمره وأصبحوا ينادون بطلب السلطان الظاهر بقية يومهم ذلك ومن الغد حتى دل عليه بعض مماليك الجوباني وحين رآه قبل الأرض وبالغ في الأدب معه، وحلف له على الأمان، وجاء به إلى القلعة فأنزله بقاعة الغصبة، واشتوروا في أمره. وكان حرص منطاش وزلار على قتله أكثر من سواهما. وأبى الناصري والجوباني إلا الوفاء بما اعتقد معهم واستقر الجوباني أتابك، والناصري رأس النوبة الكبرى، ودمرداش الأحمدي أمير سلاح، وأحمد بن بيبقا أمير مجلس، والأبقا العثماني دوادار، وانبقا الجوهري أستاذ دار. وعمرت الوظائف والمراتب.

ثم بعثوا زلار نائبا على دمشق وأخرجوه إليها وبعثوا كتبغا البيبقاوي على حلب، وكان السلطان قد عزله عن طرابلس واعتقله بدمشق، فلما جاء في جملة الناصري بعثه على حلب مكانه. وقبضوا على جماعة من الأمراء فيهم النائب سودون باق وسودون الطرنطاي فحبسوا بعضهم بالإسكندرية، وبعثوا آخرين إلى الشام فحبسوا هنالك وتتبعوا مماليك السلطان فحبسوا أكثرهم، وأشخصوا بقيتهم إلى الشام يستخدمون عند الأمراء. وقبضوا على أستاذ دار محمود قهرمان الدولة وقارون القصري فصادروه على ألف ألف درهم. ثم أودعوه السجن. وهم مع ذلك يتشاورون في مستقر السلطان بين الكرك وقوص والإسكندرية حتى أجمعوا على الكرك ووروا بالإسكندرية حذرا عليه من منطاش. فلما أزف مسيره قعد له منطاش عند البحر رصدا وبات عامة ليله، وركب الجوباني مع السلطان من القلعة وأركب معه صاحب الكرك موسى بن عيسى في لمة من قومه يوصلونه إلى الكرك. وسار معه برهة من الليل مشيعا. ثم رجع وشعر منطاش من أمره وطوى على الغش وأخذ ثياب الثورة كما يذكر، ونجا السلطان إلى الكرك في فل من غلمانه ومواليه ووكل الناصري به حسن الكشكي من خواصه وولاه على الكرك وأوصاه بخدمته ومنعه ممن يرومه بسوء، فتقدمه إلى الكرك وأنزله القلعة وهيأ له النزول بما يحتاج إليه، وأقام هنالك حتى وقع من لطائف الله في أمره ما يذكر بعد إن شاء الله تعالى. وجاء الخبر أن جماعة من مماليك الظاهر كانوا مختفين منذ الوقعة فاعتزموا على الثورة بدمشق، وأنهم ظفروا بهم وحبسوا جميعاً ومنهم أيبقا الصغير، والله تعالى أعلم.

ثورة منطاش واستيلاؤه علي الامر ونكبة الجوباني وحبس الناصري والامراء البيبقاوية بالاسكندرية:

كان منطاش منذ دخل مع الناصري إلى مصر متربصا بالدولة طاويا جوانحه على الغدر لأنهم لم يوفروا حظه من الاقطاع، ولم يجعلوا له اسما في الوظائف حين اقتسموها ولا راعى له الناصري حق خدمته ومقارعته الأعداء. وكان ينقم عليه مع ذلك إيثاره الجوباني واختصاصه فاستوحش وأجمع الثورة، وثان مماليك الجوباني لما حبس أميرهم وانتقض الناصري بحلب لحقوا به وجاؤوا به في جملته، واشتملوا على منطاش فكان له بهم في ذلك السفر أنس وله إليهم صفو، فداخل جماعة منهم في الثورة وحملهم على صاحبهم، وتطفل على الجوباني في المخالصة بغشيان مجلسه وملابسة ندمائه وحضور مائدته. وكان البيبقاوية جميعا ينقسمون على الناصري ويرون أنه مقصر في الرواتب والاقطاع، وطووا من ذلك على النكث ودعاهم منطاش إلى التوثب فكانوا إليه أسرع وزينوه له وقعدوا عنه عند الحاجة.ونمي الخبر إلى الناصري والجوباني فعزموا على إشخاص منطاش إلى الشام فتمارض وتخلف في بيته أياما يطاولمهم ليحكم التدبير عليهم . ثم  صدا عليه الجوباني يوم الاثنين وقد أكمن في بيته رجالاً للثورة فقبضوا على الجوباني وقتلوه لحينه. وركب منطاش إلى الرميلة فنهب مراكب الأمراء بباب الاصطبل، ووقف عند مأذنة المدرسة الناصرية وقد شحنها ناشبة ومقاتلة مع أمير من أصحابه، ووقف في حمايتهم،. واجتمع إليه من داخله في الثورة من الأشركية وغيرهم واجتمع إليه من كان بقي من مماليك الظاهر، واتصلت الهيعة فركب الأمراء البيبقاوية من بيوتهم. ولما أفضوا إلى الرميلة وقفوا ينظرون مآل الحال، وبرز الناصري من الاصطبل فيمن حضر، وأمر الأمراء بالحملة عليهم فوقفوا فأحجم هو عن الحملة وتخاذل أصحابه وأصحاب منطاش .ومال إلى الناصري بمماليكك الجوباني لنكبة صاحبهم فهددهم منطاش بقتله فافترقوا، وتحاجز الفريقان آخر النهار وباكروا شأنهم من الغد. وحمل الناصري فانهزم. وأقاموا على ذلك ثلاثا وجموع منطاش في تزايد. ثم ا انفض الناس عن الناصري عشية الأربعاء لسبعين يوماً من دخول القلعة . واقتحمها عليه منطاش ونهب بيوته.. وخزائنه، وذهب الظاهري حيران وأصحابه يرجعون عمه. وباكر البيبقاوية مجلس منطاش من الغد فقبض عليهم وسيق من تخلف منهم عن الناصري أفذاذا، وبعث بهم جميعا إلى الإسكندرية. وبعث جماعة ممن حبسهم الناصري إلى قوص ودمياط. ثم جدد البيعة لأمير حاج المنصور. ثم نادى في مماليك السلطان بالعرض، وقبض على جماعة منهم وفر الباقون. وبعث بالمحبوسين منهم إلى قوص، وصادر جماعة من أهل الأموال، وأفرج عن محمود أستاذ دار وخلع عليه- ليوليه في وظيفته.ثم بدا له في أمره وعاود مصادرته وامتحانه وامتحانه واستصفى منه أموالاً عظيمة. يقال ستبن قنطارا من الذهب. ولما استقل بتدبير الدولة عمر الوظائف والمراتب وولى فيها بنظره، وبعث عن الأشقتمري من الشام، وكان أخوه تمرتاي قد آخى بينهما فولاه النيابة الكبرى، وعن استدمر بن يعقوب شاه فجعله أمير سلاح، وعن أتبكا الصفوي فولاه صاحب الحجاب. واختص الثلاثة بالمشورة وأقامهم أركانا للدولة. وكان إبراهيم بن بطلقتمر أمير جندار قد داخله في الثورة فرعى له ذلك وقدمه في أمراء الألوف. ثم بلغه أنه تفاوض مع الأمراء في الثورة به واستبداد السلطان فقبض عليه، ثم اشخصه إلى خلب على إمارته  هناك، وكان قد اختص أرغون السمندار وألقى عليه محبته وعنايته فغشيه الناس وباكروا بابه وعظم في الدولة صيته. ثم نمي عنه أنه من المداخلين لإبراهيم أمير جندار فسطا به وامتحنه أن له على هؤلاء المداخلين لإبراهيم فلاذ بالإنكار وأقام في محبسه، وأفرج عن سودون النائب فجاء إلى مصر فألزمه بيته واستمر الحال على ذلك انتهى.

ثورة بذلار بدمشق

ولما بلغ الخبر إلى بذلار بدمشق باستقلال منطاش بالدولة أنف من في لك وارتاب وداخلته الغيرة، أجمع الانتقاض وكاتب نواب الممالك بالشام في حلب وغيرها يدعوهم إلى الوفاق فأعرضوا عنه وتمسكوا بطاعتهم.، كان الأمير الكبير بدمشق جنتمر أخو طاز يداخل الأمراء هناك في التوثب به وتوثق منهم للدولة وبلغ الخبر إلى بذلار فركب في مماليكه وشيعته يروم القبض عليه فلم يتمكن من ذلك، واجتمعوا وظاهرهم عامة دمشق عليه، فقاتلوه ساعة من نهار. ثم أيقن بالغلب والهلكة فألقى بيده وقبضوا عليه، وطيروا بالخبر إلى منطاش وهو صاحب الدولة فأمر باعتقاله وهلك مريضا في محبسه، وولى منطاش جنتمر نيابة دمشق، واستقرت الأحوال على ذلك. والله تعالى يؤيد بنصره من يشاء من عباده.

خروج السلطان من الكرك وظفره بعساكر الشام وحصاره دمشق

ولما بلغ الخبر إلى السلطان الظاهر بالكرك بأن منطاش استقل بالدولة وحبس البيبقاوية جميعا وأدال منهم بأصحابه أهمته نفسه وخشي غائلته، ولم يكن عند منطاش لأول استقلاله أهم من شأنه وشأن السلطان فكتب إلى حسن الكشكي نائب الكرك بقتله، وقد كان الناصري أوصاه في وصيته حين وكله به أن لا يمكنه ممن يرومه بسوء فتجافى عن ذلك واستدعى البريدي، وفاوض أصحابه وقاضي البلد وكاتب السر فأشاروا بالتحرز من دمه جهد الطاقة. فكتب إلى منطاش معتذرا بالخطر الذي في ارتكابه دون إذن السلطان والخليفة فأعاد عليه الكتاب مع كتاب السلطان والخليفة بالإذن فيه، واستحثه في الإجهاز عليه فأنزل البريدي وعلله بالوعد وطاوله يرجو المخلص من ذلك، وكانوا يطوون الأمر عن السلطان شفقة وإجلالاً فشعر بذلك، وأخلص اللجأ إلى الله والتوسل بإبراهيم الخليل لأنه كان يراقب مدفنه من شباك في بيته.وانطلق غلمانه في المدينة حتى ظفروا برجال داخلوهم في حسن الدفاع عن السلطان، وأفاضوا فيهم فأجابوا وصدقوا ما عاهدوا عليه. واتعدوا لقتال البريدي، وكان منزله بإزاء السلطان فتوافوا ببابه ليلة العاشر من رمضان وهجموا عليه فقتلوه ودخلوا برأسه إلى السلطان وشفار سيوفهم دامية. وكان النائب حسن الكشكي يفطر على سماط السلطان تأنيسا لهم، فلما رآهم دهش وهموا بقتله فأجاره السلطان، وملك السلطان أمره بالقلعة وبايعه النائب وصعد إليه أهل المدينة من الغد فبايعوه.ووفد عليه عرب الضاحية من بني عقبة وغيرهم فأعطوه طاعتهم، وفشا الخبر في النواحي فتساقط إليه مماليكه من كل جهة، وبلغت أخباره إلى منطاش فأوعز إلى ابن باكيش نائب غزة أن يسير في العساكر إلى الكرك، وتردد السلطان بين لقائه والنهوض إلى الشام. ثم أجمع المسير إلى دمشق فبرز من الكرك منتصف شوال فعسكر بالقبة وجمع جموعه من العرب، وسار في ألف أو يزيدون من العرب والترك وطوى المراحل إلى الشام. وسرح جنتمر نائب دمشق العساكر لدفاعه فيهم أمراء الشام وأولاد بندمر فالتقوا بشقحب، وكانت بينهم واقعة عظيمة أجلت عن هزيمة أهل دمشق، وقتل الكثير منهم وظفر السلطان بهم، واتبعهم إلى دمشق ونجا الكثير منهم إلى مصر.ثم أحس السلطان بأن ابن باكيش وعساكره في اتباعه، فكر إليهم وأسرى ليلته وصبحهم على غفلة في عشر ذي القعدة فانهزموا، ونهب السلطان وقومه جميع ما معهم وامتلأت أيديهم واستفحل أمره، ورجع إلى دمشق ونزل بالميدان. وثار العوام وأهل القبيبات ونواحيها بالسلطان، وقصدوه بالميدان فركب ناجيا وترك أثقاله فنهبها العوام وسلبوا من لقوه من مماليكه، ولحق بقبة بلبغا فأقام بها وأغلقوا الأبواب دونه، فأقام يحاصرهم إلى محرم سنة اثنتين وتسعين. وكان كمشيقا الحموي نائب حلب قد أظهر دعوته في عمله وكاتبه بذلك عندما نهض من الكرك إلى الشام كما نذكره. ولما بلغه حصاره لدمشق تجهز للقائه واحتمل معه ما يزيح علل السلطان من كل صنف وأقام له أبهة. ووصل أنيال اليوسفي وقجماش ابن عم السلطان وجماعة من الأمراء كانوا محبوسين بصفد، وكان مع نائبها جماعة من مماليك السلطان يستخدمون فغدروا به، وأطلقوا من كان من الأمراء في سجن صفد كما نذكر ولحقوا بالسلطان. وتقدمهم أنيال وهو محاصر لدمشق فأقاموا معه، والله تعالى أعلم.

ثورة المعتقلين بقوص ومسير العساكر اليهم واعتقالهم:

ولما بلغ الخبر إلى الأمراء المحبوسين بقوص خلاص السلطان من الاعتقال واستيلاؤه على الكرك، واجتماع الناس إليه، فثاروا بقوص أوائل شوال من السنة وقبضوا على الوالي بها وأخذوا من موح القاضي ما كان فيه من المال. وبلغ خبرهم إلى مصر فسرح إليهم العساكر. ثم بلغه أنهم ساروا إلى أسوان وشايعوا الوالي بها حسن ابن قرط فلحن لهم بالوعد، وعرض بالوفاق فطمعوا واعتزموا أن يسيروا من وادي القصب من الجهة الشرقية إلى السويس، ويسيروا من هناك إلى الكرك. ولما وصل خبر بن قرط أخرج منطاش سندمر بن يعقرب شاه ثامن وعشرين   من السنة وانكفأ جموعه وسار على العدوة الشرقية في جموعه لاعتراضهم فوصل إلى قوص. وبادر ابن قرط فخالفه إلى منطاش بطاعته فأكرمه ورده على عمله فوافى ابن يعقوب شاه بقوص، وقد استولى على النواحي واستنزل الأمراء المخالفين. ثم قبض عليهم وقتل جميع من كان معهم من مماليك السلطان الظاهر ومماليك ولاة الصعيد. وجاء بالأمراء إلى مصر فدخل بهم منتصف ذي الحجة من السنة، فأفرج عن أربعة منهم سوماي اللاى وحبس الباقين. والله تعالى أعلم. 

ثورة كمشيقا بحلب وقيامه بدعوة السلطان:

قد كنا قدمنا أن الناصري ولى كمشيقا رأس نوبة نيابة حلب، ولما استقل منطاش بالدولة ارتاب ودعاه بذلار لما ثار بدمشق إلى الوفاق فامتنع. ثم بلغه الخبر بخلاص السلطان من الاعتقال بالكرك فأظهر الانتقاض، وقام بدعوة السلطان، وخالفه إبراهيم بن أمير جندا.واعصوصب عليه أهل باقوسا من أرباض حلب فقاتلهم كمشيقا جميعا وهزمهم. وقتل القاضي ابن أبي الرضا وكان معه في ذلك الخلاف، واستقل بأمر حلب وذلك في شوال من السنة. ثم بلغه أن السلطان هزم عساكر دمشق وابن باكيش، وإنه مقيم بقبة بلبغا محاصرا لدمشق بعد أن نهبوا أثقاله وأخرجوه من الميدان فتجهض من حلب إليه في العساكر والحشود، وجهز له جميع ما يحتاج إليه من المال والأقمشة والسلاح والخيل والإبل وخيام الملك بفرشها وماعونها وآلات الحصار، وتلقاه السلطان وبالغ في تكرمته وفوض إليه الأتابكية والمشورة، وقام معه محاصرا لدمشق.واشتد الحصار على أهل دمشق بعد وصوله واستكثار السلطان من المقاتلة وآلات الحصار، وخرب كثيرا من جوانبها بحجارة المجانيق وتصدعت حيطانها وأضرم كثيرا من البيوت على أربابها فاحترقت، واستولى الخراب والحريق على القبيبات أجمع، وتفاحش فيها واشتد أهل القتال والدفاع من فوق الأسوار. وتولى كبر ذلك منهم قاضي الشافعية أحمد بن القرشي بما أشار عليهم، وفاه أهل العلم والدين بالنكير فيه. وكان منطاش لما بلغه حصار دمشق بعث طنبقا الحلي دوادار الأشرف بمدد من المال يمد به العساكر هنالك وأقام معهم. ثم بعث جنتمر إلى أمير آل فضل يعبر بن جبار يستنجد به فجاء لقتالهم، وسار كمشيقا نائب حلب فلقيه وفض جموعه، وأسر خادمه وجاء به أسيرا، فمن عليه السلطان وأطلقه وكساه وحمله ورده إلى صاحبه. واستمر حصار دمشق إلى أن كان ما نذكره إن شاء الله تعالى.

ثورة انيال بصفد بدعوة السلطان

كان أنيال لما انهزم يوم واقعة دمشق فر إلى مصر ومر بغزة فاعتقله ابن باكيش وحبس بالكرك، فلما استولى الناصري أشخصه إلى صفد فحبس بها مع جماعة من الأمراء وولى على صفد قلطبك النظامي فاستخدم جماعة من مماليك برقوق، واتخذ منهم بلبغا السالمي دوادار، فلما بلغه خلاص السلطان من الاعتقال ومسيره إلى الشام داخل بلبغا مماليك أستاذه قطلوبقا في الخلاف واللحاق بالسلطان. وهرب منهم جماعة فركب قطلوبقا في اتباعهم وأبقى بلبقا السالمي دوادار وحاجب صفد؟ فأطلقوا أنيال وسائر المحبوسين من السلطان، فملك أنيال القلعة ورجع قطلوبقا من اتباع الهاربين فوجدهم قد استولوا وامتنعوا. وارتاب من مماليكه فسار عن صفد ونهب بيته ومخلفه، ولحق بالشام فلقي الأمراء المنهزمين أمام السلطان بشقحب قاصدين مصر فسار معهم، ولحق أنيال بالسلطان من صفد بعد أن ضبطها واستخلف عليها وأقام مع السلطان والله تعالى أعلم.

مسير منطاش وسلطانه أمير حاجي إلى الشام وانهزامهم ودخولى منطاش إلى دمشق وظفر السلطان الظاهر بأمير حاجي والخليفة والقضاة وعوده لملكه، ولما تواترت الأخبار بهزيمة عساكر الشام وحصار السلطان الظاهر دمشق وظهور دعوته في حلب وصفد وسائر بلاد الشام. ثم وصلت العساكر المنهزمون وأولاد بندمر ونائب صفد واستحثوه، وتواترت كتب جنتمر نائب دمشق وصريخه، أجمع منطاش أمره حينئذ على المسير إلى الشام فتجهز ونادى في العساكر، وأخرج السلطان والخليفة والقضاة والعلماء سابع عشر ذي الحجة سنة إحدى وتسعين، وخيموا بالزيدانية من ناحية القاهرة حتى أزاح العلل. واستخلف على القاهرة دواداره صراي تمر، وأطلق يده في الحل والعقد والتولية والعزل. واستخلف على القلعة بكا الأشرفي وعمد إلى خزانة من خزائن الذخيرة بالقلعة فسد بابها ونقبها من أعلاها حتى صارت كهيئة الجب، ونقل إليها من كان في سحنه من أهل دولة السلطان.ونقل سودون النائب إلى القلعة فأنزله بها وأمر بالقبض على من بقي من مماليك السلطان حيث كانوا، فتسربوا في غيابات المدينة ولاذوا بالإختفاء. وأوعز بسد كثير من أبواب الدروب بالقاهرة فسدت. ورحل في الثاني والعشرين من الشهر بالسلطان وعساكره على التعبية وطووا المراحل، ونمي إليه أثناء طريقه أن بعض مماليك السلطان المستخدمين عند الأمراء مجموعون على التوثب ومداخلون لغيرهم فأجمع السطوة بهم ففروا ولحقوا بالسلطان. ولما بلغ خبر مسيرهم السلطان وهو محاصر دمشق ارتحل في عساكره إلى لقائهم ونزل قريبا من شقحب، وأصبحوا على التعبية وكمشيقا بعساكر حلب في ميمنة السلطان ومنطاش قد عبى جيشه. وجعل السلطان أمير حاجي والخليفة والقضاة والرماة من ورائهم، ووقف معهم تمارتمرراس نوبة، وسندمر بن يعقوب شاه أمير سلاح. ووقف هو في طائفة من مماليكه وأصحابه في حومة المعترك. فلما تراءى الجمعان حمل هو وأصحابه على ميمنة السلطان ففضوها، وانهزم كمشيقا إلى حلب ومروا في اتباعه ثم عطفوا على مخيم السلطان فنهبوه وأسروا قجماش ابن عمه كان هناك جريحا. ثم حطن السلطان على الذي فيه أمير حاجي والخليفة والقضاة فدخلوا في حكمه، ووكل بهم واختلط الفريقان وصاروا في عمى من أمرهم، والسلطان في لمة من فرسانه يخترق جوانب المعترك ويحطم الفرسان ويشردهم في كل ناحية، وشراد مماليكه وأمرائه يتساقطون إليه حتى كثف جمعه ثم حمل على بقية العسكر وهم ملتئمون على الصفدي فهزمهم ولحقوا بدمشق وضرب خيامه بشقحب. ولما وصل منطاش إلى دمشق أوهم النائب جنتمر أن الغلب له وأن السلطان أمير حاجي على الأثر، ونادى العساكر بالخروج في السلاح لتلقيه، وخرج من الغد موريا بذلك فركب إليهم السلطان في العساكر فهزمهم وأثخن فيهم واستلحم كثيرا من عامة دمشق. ورجع السلطان إلى خيامه. وبعث أمير حاجي بالتبري من الملك والعجز عنه والخروج إليه من عهدته ؛ فأحضر الخليفة والقضاة فشهدوا عليه بالخلع وعلى الخليفة بالتفويض إلى السلطان والبيعة له والعود إلى كرسيه. وأقام السلطان بشقحب تسعا واشتد كلب البرد وافتقدت الأقوات لقلة الميرة، فأجمع العود إلى مصر ورحل يقصدها. وبلغ الخبر إلى منطاش فركب لاتباعه، فلما أطل عليه أحجم ورجع واستمر السلطان لقصده، وقدم حاجب غزة للقبض على ابن باكيش فقبض عليه. ولما وافى السلطان غزة ولى عليها مكانه وحمله معتقلا، وسار وهو مستطلع لأحوال مصر حتى كان ما نذكره إن شاء الله تعالى.

ثورة بكا والمعتقلين بالقلعة واستيلاؤهم عليها بدعوة السلطان الظاهر وعوده إلى كرسيه بمصر وانتظام أمره:

كان منطاش لما فصل إلى الشام بسلطانه وعساكره كما مر واستخلف كلى القاهرة دواداره سراي تمر وأنزله بالاصطبل، وعلى القلعة بكا الأشرفي ووكله بالمعتقلين هنالك فأخذوا أنفسهم بالحزم والشدة. وبعد أيام نمي إليهم أن جماعة من مماليك السلطان مجتمعون للثورة وقد داخلوا مماليكهم فبيتوهم وقبضوا عليهم بعد جولة دافع فيها المماليك عن أنفسهم. ثم تقبضوا على من داخلهم من مماليكهم وكانوا جماعة كثيرة، وحدثت لهم بذلك رتبة واشتداد في الحزم، فنادوا بالوعيد لمن وجد عنده أحد من مماليك السلطان، ونقلوا ابن أخت السلطان من بيت أمه إلى القلعة وحبسوه وأوعزوا بقتل الأمراء المعتقلين بالفيوم، فقتلوا وعميت عليهم أنباء منطاش والعساكر، وبعثوا من يقتص لهم الطريق ويسائل الركبان واعتزموا على قتل المسجونين بالقلعة.ثم تلاوموا في ذلك ورجعوا إلى التضييق عليهم ومنع المترددين بأقواتهم ؛ فضاقت أحوالهم وضجروا وأهمتهم أنفسهم. وفي خلال ذلك عثر بعضهم على منفذ إلى سرب تحت الأرض يفضي إلى حائط الاصطبل ففرحوا بذلك وتنسموا ريح الفرج، ولما أظلتهم ليلة الأربعاء غرة صفر سنة اثنتين وتسعين مروا في ذلك السرب فوجدوا فيه آلة النقب فنقبوا الحائط، وأفضوا إلى أعلى الاسطبل وتقدم بهم خاصكي من أكابر الخاصكية، وهجموا على الحراس فثاروا إليهم فقتلوا بعضهم بالقيود من أرجلهم، وهرب الباقون ونادوا شعبان بكا نائب القلعة يوهمون أنه انتقض.ثم كسروا باب الاسطبل الأعلى والأسفل، وأفضوا إلى منزل سراي تمر فأيقظه لغطهم، وهلع من شأن بكا فأرمى نفسه من السور ناجياً ، ومر بالحاجب قطلوبقا ولحق بمدرسة حسن وقد كان منطاش أنزل بها ناشبة من التركمان لحماية الاسطبل وأجرى لهم الأرزاق، وجعلهم لنظر تنكز رأس نوبة . ثم هجم أصحاب بكا على بيت سراي تمر فنهبهوا ماله وقماشه وسلاحه، وركبوا خيله واستولوا على الاسطبل وقرعوا الطبول ليلتهم. وقاتلهم بكا من الغد. وسرب الرجال إلى الطبلخانات فملكها ثم أزعجوه عنها. وزحف سراى تمر وقطلوبقا الحاجب إلى الاسطبل لقتالهم، وبرروا إليهم فقاتلوهم واعتصموا بالمدرسة. واستولى بكا على أمره وبعث إلى باب السر من المدرسة ليحرقه فاستأمن إليه التركمان الذين به فأنزلهم على الأمان، وسرب أصحابه في البلد لنهب بيوت منطاش وأصحابه فعاثوا فيها وتسلل إليه مماليك السلطان المختفون بالقاهرة فبلغوا ألفا أو يزيدون. ثم استأمن بكا من الغد فأمنه سودون النائب وجاء به إلى الناصري أمير سلاح ودمرداش وكان عنده فحبسهما بكا. ثم وقف سودون على مدرسة حن والأرض تموج بعوالم النظارة فاستنزل منها سراي تمر وقطلو بغا الحاجب فنزلا على أمانه. وهم العوالم بهما فحال دونهما وجاء بهما بكا فحبسهما. وركب سودون يوم الجمعة في القاهرة ونادى بالأمان والخطبة للسلطان فخطب له من يومه، وأمر بكا بفتح السجون وإخراج من كان فيها في حبس منطاش وحكام تلك الدولة. وهرب الوالي حسن بن الكوراني خوفا على نفسه لما كان شيعة لمنطاش على مماليك السلطان. ثم عثر عليه بكا وحبسه مع سائر شيعة منطاش، وأطلق جميع الأمراء الذين حبسهم بمصر ودمياط والفيوم. ثم بعث الشريف عنان بن مقامس أمير بني حسن بمكة وكان محبوسا، وخرج معهم فبعثه مع أخيه أيبقا على الهجن لاستكشاف خبر السلطان. ووصل يوم الأحد بعدها كتاب السلطان مع ابن صاحب الدرك سيف بن محمد بن عيسى العائدي بإعداد الميرة والعلوفة في منازل السلطان على العادة. وقص خبر الواقعة وأن   السلطان توجه إلى مصر وانتهى إلى الرملة. ثم وصل أيبقا أخو بكا يوم الأربعاء ثامن صفر بمثل ذلك، وتتابع الواصلون من عسكر السلطان، ثم نزد بالصالحية وخرج السلطان لتلقيه بالعكرشة. ثم أصبح يوم الثلاثاء رابع صفر في ساحة القلعة، وقلده الخليفة وعاد إلى سريره. ثم بعث عن الأمراء الذي كان حبسهم منطاش بالإسكندرية وفيهم الناصري والجوباني وابن بيبقا وقراد مرداش وأبغا الجوهري وسودون باق وسودون الطرنطاي وقردمر المعلم في آخرين متعددين، واستعتبوا للسلطان فأعتبهم وأعادهم إلى مراتبهم، وولى أنيال اليوسفي أتابكا والناصري أمير سلاح، والجوباني رأس نوبة وسودون نائبا، وبكا دوادار وقرقماش أستاذ دار، وكمشيقا الخاصكي أمير مجلس، وتطلميش أمير الماخورية، وعلاء الدين كاتب سر الكرك كاتب سره بمصر، وعمر سائر المراتب والوظائف. وتوفي قرقماش فولى محمود أستاذ داره الأول، ورعى له سوابق خدمته ومحنة العدو له في محبته، وانتطم أمر دولته واستوثق ملكه. وصرف نظره إلى الشام وتلافيه من مملكة العدو وفساده والله تعالى أعلم. 

ولاية الجوباني علي دمشق واستيلاؤه عليها من يد منطاش ثم هزيمته ومقتله وولاية الناصري مكانه:

لما استقر السلطان على كرسيه بالقاهرة، وانتظمت أمور دولته صرف نظره إلى الشام وشرع في تجهيز العساكر لإزعاج العدو منه، وعين الجوباني لنيابة دمشق ورياسة العساكر، والناصري لحلب لأن السلطان كان عاهد كمشيقا على أتابكية مصر، وعين قرا دمرداش لطرابلس ومأموناً  القلحطاوي لحماة ؛ فولى في جميع ممالك الشام ووطائفه وأمرهم بالتجهيز. ونودي في العساكر بذلك وخرجوا ثامن جمادى الأولى من سنة إثنتين وتسعين. وكان منطاش قد اجتهد جهده في طي خبر السلطان بمصر عن امرائه وسائر عساكره، وما زال يفشو حتى شاع وظهر بين الناس ؛ فانصرف هواهم إلى السلطان. وبعث في أثناء ذلك الأمير يماز تمر نائبا على حلب   فاجتمع أهل كانفوسا وحاصر كمشيقا بالقلعة نحوا من خمسة أشهر، وشد حصارها وأحرق باب القلعة والجسر، ونقب سورها من ثلاث مواضع . واتصل القتال بين الفريقين في أحد الأنقاب لشهرين على ضوء الشموع . ثم بعث  العساكر إلى طرابلس مع ابن ايماز التركماني فحاصرها وملكوها من يد سندمر حاجب حجابها، وكان مستوليا عليها بدعوة الظاهر. ولما ملكها ولى عليها قشتمر الأشرفي. ثم بعث العساكر إلى بعلبك مع محمد بن سندمر في نفر من قرابته وجنده فقتلهم منطاش بدمشق أجمعين . ثم أوعز إلى قشتمر الأشرفي نائب طرابلس بالمسير إلى حصار صفد فسار إليها ، وبرز إليه جندها فقاتلوه وهزموه، فجهز إليها العساكر مع أبقا الصفدي كبير دولته فسار إليها قي سبعمائة من العساكر. وقد كان لما تيقن عنده استيلاء السلطان على كرسيه بمصر جنح إلى الطاعة والاعتصام بالجماعة، وكاتب السلطان بمغارمه ووعده   فلما وصل إلى صفد بعث إلى نائبها بطاعته، وفارق أصحاب منطاش ومن له هوى فيه وصفوا إليه وبات ليلته بظاهر صفد. وارتحل من الغد إلى مصر فوصلها منتصف جمادى الأخيرة، وأمراء الشام معسكرون مع الجرباني بظاهر القلعة فأقبل السلطان عليه وجعله من أمراء الألوف.ولما رجع أصحابه من صفد إلى دمشق اضطرب منطاش وتبين له نكر الناس وارتاب بأصحابه، وقبض جماعة من  الأمراء ، وعلى جنتمر نائب دمشق وابن جرجي من أمراء الألوف وابن قفجق الحاجب، وقتله والقاضي محمد بن القرشي في جملة من الأعيان واستوحش الناس ونفروا عنه واستأمنوا إلى السلطان، مثل محمد بن سندمر وغيره. وهرب كاتب السر بدر الدين بن فضل الله وناظر الجيش. وقد كانوا يوم الواقعة على شقحب لحقوا بدمشق يظنون أن السلطان يملكها يومه ذلك فبقوا في ملكة منطاش وأجمعوا الفرار مرة بعد أخرى فلم يتهيأ لهم. وشرع منطاش في الفتك بالمنتمين إلى السلطان من المماليك المحبوسين بالقلعة وغيرهم، وذبح جماعة من الجراكسة وهم بقتل أشمس فدفعه الله عنه. وارتحل الأمراء من مصر في العساكر السلطانية. إلى الشام مع الجوباني يطوون المراحل، والأمراء من دمشق يلقونهم في كل منزلة هاربين إليهم، حتى كان آخر من لقيهم ابن نصير أمير العرب بطاعة أبيه، ودخلوا حدود الشام ثم ارتبك منطاش في أمره واستقر الخوف والهلع والاسترابة بمن معه فخرج منتصف جمادى الأخيرة هاربا من دمشق في خواصه وأصحابه ، ومعه سبعون حملاً من  المال والأقمشة. واحتمل معه محمد بن أينال وانتقض عليه جماعة من المماليك فرجعوا به إلى أبيه، وكان يعبر بن جبار أمير آل فضل مقيما في أحيائه ومعه أحياء آل مرو وأميرهم عنقا، فلحق بهم هنالك منطاش مستجيرا فأجاروه ونزل معهم. ولما فصل منطاش عن دمشق خرج أشمس من محبسه وملك القلعة ومعه مماليك السلطان معصوصبون عليه، وأرسل إلى الجوباني بالخبر فأغذ السير إلى دمشق وجلس بموضع نيابته، وقبض على من بقي من أصحاب منطاش وخدمه مع من كان حبس هو معهم ووصل الطنبقا الحلبي ودمرداش اليوسفي من طرابلس. وكان منطاش استقدمهم وهرب قبل وصولهم، وبلغ الخبر إلى ايماز تمر وهو يحاصر حلب وأهل كانفوسا معصوصبون عليه فأجفل، ولحق بمنطاش وركب كمشيقا من القلعة إليهم بعد أن أصلح الجسر، وأركب معه الحجاب وقاتل أهل كانفوسا ومن معهم من أشياع منطاش ثلاثة أيام. ثم هزموهم، وقتل كمشيقا منهم أكثر من ثمانمائة وخرب كانفوسا فأصبحت خرابا وعمر القلعة وحصنها وشحنها بالأقوات.وبعث الجوباني العساكر إلى طرابلس وملكوها من يد قشتمر الأشرفي نائب منطاش من غير قتال وكذلك حماة وحمص. ثم بعث الجوباني نائب دمشق وكافل الممالك الشامية إلى يعبر بن جبار أمير العرب بإسلام منطاش وإخراجه من أحيائه فامتنع واعتذر، فبرز من دمشق بالعساكر ومعه الناصري وسائر الأمراء. ونهض إلى مصر فلما انتهوا إلى حمص أقاموا بها وبعثوا إلى يعبر يعتذرون إليه فلج واستكبر وحال دونه. وبعث إليه أشمس خلال ذلك من دمشق بأن جماعة شيعة بندمر وجنتمر يرومون الثورة فركب الناصري إلى دمشق، وكبسهم وأثخن فيهم ورجع إلى العسكر وارتحلوا إلى سلمية.واستمر يعبر في غلوائه وترددت الرسل بينهما فلم تغن. ثم كانت بين الفريقين حرب شديدة، وحملت العساكر على منطاش والعرب فهزموهم إلى الخيام، واتبع دمرداش منطاش حتى جاوز به الحي وارتحلت العرب، وحملوا بطانتهم على العسكر فلم يثبتوا لحملتهم. وكان معهم آل علي بجموعهم فنهبوهم من ورائهم وانهزموا. وأفرد الجوباني مماليكه فأسره العرب وسيق إلى يعبر فقتله، ولحق الناصري بدمشق وأسر جماعة من الأمراء، وقتل منهم أيبقا الجوهري ومأمون المعلم في عدد آخرين، ونهب العرب مخيمهم وأثقالهم. ودخل الناصري إلى دمشق فبات ليلته وباكر من الغد آل علي في أحيائهم فكبسهم واستلحم منهم جماعة فثار منهم بما فعلوه في الواقعة. ثم بعث إليه السلطان بنيابة دمشق منتصف شعبان من السنة، فقام بأمرها وأحكم التصريف في حمايتها، والله تعالى يؤيد بنصره من يشاء من عباده.

اعادة محمود إلى استاذية الدار واستقلاله في الدولة:

هذا الرجل من ناشئة الترك وولدانهم ومن أعقاب كراي المنصوري منهم، شب في ظل الدولة ومرعى نعمها ونهض بنفسه إلى الاضطلاع والكفاية، وباشر كثيرا من أعمال الأمراء والوزراء حتى أوفى على ثنية النجابة، وعرضته الشهرة على  اختيار السلطان فعجم عوده ونقد جوهره. ثم ألحق به أغراض الخدمة ببابه فأصاب شاكلة الرمية ومضى قدما في مذاهب السلطان مرهف الحد قوي الشكيمة فصدق ظنه وشكر اختياره. ثم دفعه إلى معاينة الحبس وشد الدواوين من وظائف الدولة فجلا فيهما. وهلك خلال ذلك أستاذ الدار بهادر المنجكى سنة تسعين فأقامه السلطان مكانه قهرمانا لداره ودولته وانتنضارته على دواوين الجباية من قراب اختياره ونقده، جماعة للأموال فواصا على استخراج الحقوق السلطانية، قاروناً للكنوز اكسيرا للنقود مغناطيسا للقنية، يسابق أقلام الكتاب ويستوفي تفاصيل الحساب بمدارك إلهامه، وتصور صحيح وحدس ثاقب لا يرجع إلى حذاقة الكتاب ولا إلى أيسر الأعمال، بل يتناول الصعاب فيذللها ويحوم على الأغراض البعيدة فيقربها. وربما يحاضر بذكائه في العلوم فينفذ في مسائلها، وبفحم جهابذتها موهبة من الله اختصه بها ونعمة أسبغ عليه لبوسها. فقام بما دفع إليه السلطان من ذلك وأدر خروج الجباية فضاقت أفنية الحواصل والخزائن بما تحصل وتسرب إليها وكفى السلطان مهمه في دولته ومماليكه ورجاله بما يسوغ لهم من نعمة، ويوسع من أرزاقه وعطائه، حتى أزاح عللهم بتوالي إنفاقه، وقرت عين السلطان باصطناعه، وغص به الدواوين والحاشية ففوقوا إليه سهام السعاية وسلطوا عليه ألسنة المتظلمين فخلص من ذلك خلوص الإبريز، ولم تعلق به ظنة ولا حامت عليه ريبة.

ثم طرق الدولة ما طرقها من النكبة والاعتقال وأودعته المحنة غيابات السجون، وحفت به أنواع المكاره واصطلمت نعمته واستصفيت أمواله في المصادرة والامتحان، حتى زعموا أن الناصري المتغلب يومئذ استأثر منه بخمسة قناطير من دنانير الذهب، ومنطاش بعده بخمسة وخمسين. ثم خلص ابريزه من ذلك السبك وأهل قمره بعد المحاق، واستقل السلطان من نكبته وطلع بأفق مصره وتمهد أريكة ملكه، ودفعه لما كان بسبيله فأحسن الكرة في الكفاية لمهمه، وتوسيع عطاياه وأرزاقه وتمكين أحوال دولته. وتسربت الجباية من غير حساب ولا تقرير إلى خزائنه، وأحسن النظر في الصرف والخرج بحزمه وكفايته، حتى عادت الأمور إلى أحسن معهودها بيمن تعبيته وسديد رأيه وصلابة عوده وقوة صرامته، مع بذل معروفه وجاهه لمن تحت لجده، وبشاشته وكفايته لغاشيته. وحسن الكرامة لمنتابه ومقابلة من يأتي إليه بكرم مقاصده فأصبح طرازا للدولة وتاجا للخواص. وقذفه المنافسون بخطا السعايات فزلت في. جهات حلم السلطان وجميل اغتباطه وتثبته، حتى أعيتهم المذاهب وانسدت عليهم الطرق، ورسخت قدمه في الدولة واحتل من السلطان بكرم العهد والذمة، ووثق بغنائه واضطلاعه فرمى إليه مقاليد الأمور، وأوطأ عقبه أعيان الخاصة والجمهور، وأفرده في الدولة بالنظر في الأمور حسباناً وتقديرا وجمعا وتقريرا وكنزا موفرا وصرفا لا يعرف تبذيراً وبطرا وفي الانهاء بالمعزل والإهانة مشهورا مع ما يمتاز به من الأمر والشأن، وسمو مرتبته على مر الأزمان. وهو على ذلك لهذا العهد عند سفر السلطان إلى الشام لمدافعة سلطان المغل كما مر ذكره، والله متولي الأمور لا رب غيره.

مسير منطاش ويثبر إلى نواحي حلب وحصارها ثم مفارقة يعبر وحصاره عنتاب ثم رجوعه

ولما انهزمت العساكر بسلمية كما قلننا ارتحل يعبر في أحيائه ومعه منطاش وأصحابه إلى نواحي حلب، وسار يعبر إلى بلد سرمين من أقطاعه ليقسمها في قومه على عادتهم، وكان كمشيقا نائب حلب قد أقطعها الجند من التركمان في خدمته. فلما وافاها يعبر هربوا إلى حلب فلقوا في طريقهم أحمد بن المهدار في العساكر وقد نهض إلى يعبر فرجعوا عنه، ولقيهم علي بن يعبر فقاتلوه وهزموه وقتلوا بعض أصحابه صبرا، ورجع يعبر إلى أحيائه وارتحلوا إلى حلب فحاصروها وضيقوا عليها أيام رمضان. ثم راجع يعبر نفسه  وراسل كمشيقا نائب حلب في الطاعة واعتذر عما وقع منه وطوق الذنب، بالجوباني وأصحابه أهل الواقعة، وسأل الأمان مع حاجبه عبد الرحمن فأرسله كمشيقا إلى السلطان، وأخبره بما اشترط يعبر فأجابه السلطان إلى سؤاله. وشعر بذلك منطاش بمكانه من حصار حلب فارتاب وخادع  يعبر إلى الغارة على التركمان بقربهم، فأذن للعرب في المسير معه، وسار معه منهم سبعمائة. فلما جاوز الدربند أرجلهم عن الخيل وأخذها ولحق بالتركمان ونزل بمرعش بلد أميرهم سولي، ورجع العرب مشاة إلى يعبر فارتحل إلى سبيله راجعاً ، وسار منطاش إلى عنتاب من قلاع حلب، ونائبها محمد بن شهري فملكها واعتصم نائبها بالقلعة أياما. ثم نبت منطاش وأثخن في أصحابه وقتل جماعة من أمرائه، وكانت العساكر قد جاءت من حلب وحماة وصفد لقتاله فهرب إلى مرعش وسار منها إلى بلاد الروم، واضمحل أمره. وفارقه جماعة من أصحابه إلى العساكر وراجعوا طاعة السلطان آخر ذي القعدة من سنة اثنتين وسبعين. وبعث سولي بن دلقادر أمير التركمان في عشر ذي الحجة يستأمن إلى السلطان فأمنه وولاه على البلستين كما كان. والله سبحانه وتعالى أعلم. 

قدوم كمشيقا من حلب:

قد كان تقدم لنا أن كمشيقا الحموي رأس نوبة بيبقا كان نائبا بطرابلس، وان السلطان عزله وحبسه بدمشق، فلما استولى الناصري على دمشق أطلقه من الاعتقال وجاء في جملته إلى مصر. فلما ولي على ممالك الشام وأعمالها ولاه على حلب مكانه منتصف إحدى وسبعين. ولما استقل السلطان من النكبة وقصد دمشق كما مر أرسل كمشيقا إليه بطاعته ومشايعته على أمره، وأظهر دعوته في حلب وما إليها من أعماله. ثم سار السلطان إلى دمشق وحاصرها وأمده كمشيقا بجميع ما يحتاج إليه. ثم جاءه بنفسه في عساكر حلب صريخا، وحمل إليه جميع حاجاته وأزاح علله وأقام له رسوم ملكه، وشكر السلطان أفعاله في ذلك وعاهده على أتابكية مصر. ثم كانت الواقعة على شقحب فانهزم كمشيقا إلى حلب فامتنع بهما، وحاصره يمازتمر أتابك منطاش أشهرا كما مر. ثم هرب منطاش من دمشق إلى العرب فأفرج يمازتمر عن حلب. ثم كانت واقعة الجوباني ومقتله وزحف منطاش ويعبر إلى حلب فحاصروها مدة. ثم وقع الخلاف بينهما وهرب منطاش إلى بلاد التركمان، ورجع يعبر إلى بلدة سلمية، واستأمن إلى السلطان ورجع إلى طاعته منتصف شوال. ولما أفرجوا عن حلب نزل كمشيقا من القلعة ورم خرابها وخرب بانفوسا واستلحم أهلها، وأخذ في إصلاح أسوار حلب ورئم ما سلم منها وكانت خرابا من عهد هلاكو. وجمع له أهل حلب ألف درهم للنفقة فيه، وفرغ منه لثلاثة أشهر.ولما استوسق أمر السلطان وانتظمت دولته بعث إليه يستدعيه في شهر ذي الحجة سنة اثنتين وتسعين، وولى مكانه في حلب قرا دمرداش نقله إليها من طرابلس وولى مكانه أنيال الصغير، فسار كمشيقا من حلب ووصل مصر تاسع صفر سنة ثلاث وتسعين، فاهتز له السلطان وأركب الأمراء للقائه مع النائب. ثم دخل إلى السلطان فحياه وبالغ في تكرمته وتلقاه بالرحب، ورفع مجلسه فوق الأتابك أنيال، وأنزله بيت منجك وقد هيأ فيه الفرش والماعون والخرثى ما فيه للمنزل. ثم بعث إليه بالأقمشة وقرب إليه الجياد بالمراكب الثقيلة، وتقدم للأمراء أن يتحفوه بهداياهم فتناغوا في ذلك وجاؤوا من وراء الغاية، وحضر في ركابه من أمراء الشام الطنبقا الأشرفي وحسن الكشكي، فأكرمهما السلطان واستقر كمشيقا بمصر في أعلى مراتب الدولة إلى أن توفي أنيال الأتابك في جمادى أربع وتسعين فولاه السلطان مكانه كما عاهده عليه بشقحب، وجعل إليه نطر المارستان على عادة الأتابكية، واستمر على ذلك لهذا العهد. والله سبحانه وتعالى أعلم بغيبه.

استقدام أيتمش

كان أيتمش النجاشي أتابك الدولة قد نكبه السلطان وسار في العساكر إلى الشام منتصف ربيع إحدى وتسعين لقتال الناصري وأصحابه، لما إنتقض عليه وكانت الواقعة بينهم بالمرج من نواحي دمشق، وانهزمت العساكر ونجا أيتمش إلى قلعة دمشق ومعه كتب السلطان في دخولها متى إضطر إليه، فامتنع بها وملكها الناصري من الغد بطاعة نائبها ابن الحمصي فوكل بايتمش وأقام حبيساً موسعاً عليه، ثم سار الناصري إلى مصر وملكها، وعاد السلطان إلى كرسيه في صفر سنة إثنتين وتسعين كما فصل ذلك من قبل. وأيتمش في أثناء ذلك كله محبوس بالقلعة. ثم زحف الجوباني في جمادى الأخيرة وخلص أيتمش من اعتقاله، وفتق مماليك السلطان السجن الذي كانوا فيه بقلعة دمشق وخرجوا وأعصوصبوا على أيتمش قبل مجيء الجوباني . وبعث إليه بالخبر، وبعث الجوباني إلى السلطان بمثل ذلك فتقدم إليه السلطان بالمقام بالقلعة حتى يفرغ من أمر عدوه.

ثم كان بعد ذلك واقعة الجوباني مع منطاش والعرب ومقتله وولاية الناصري على دمشق مكانه. ثم افترق العرب وفارقهم منطاش إلى التركمان، وانتظمت ممالك الشام في ملكة السلطان، واستوسق ملكه واستفحلت دولته، فاستدعى الأمير أيتمش من قلعة دمشق، وسار لاستدعائه قنوباي من مماليك السلطان ثامن ربيع الأول سنة ثلاث وتسعين، ووصل إلى مصر رابع جمادى الاولى من السنة. ووصل في ركابه حاجب الحجاب بدمشق ومعه الأمراء الذين حبسوا بالشام، منهم جنتمر نائب دمشق وابنه وابن أخته وأستاذ داره طنبقا ودمرداش اليوسفي نائب طرابلس، والطنبقا الحلي والقاضي أحمد بن القريشي ، وفتح الدين بن الرشيد، وكاتب السر في ست وثلاثين نفراً من الأمراء وغيرهم. ولما وصل أيتمش قابله السلطان بالتكرمة والرحب وعرض الحاجب المساجين الذي معه ووبخ السلطان بعضهم. ثم حبسوا بالقلعة حتى نفذ فيهم قضاء الله، وقتلوا مع غيرهم ممن أوجبت السياسة قتلهم. والله تعالى مالك الأمور لا رب سواه إنتهى.

هدية أفريقية

كان السلطان قد حصل بينه وبين سلطان أفريقية أبي العباس أحمد بن محمد بن أبي بكر بن أبي حفص الموحدي مودة والتئام، وكانت كثيراً ما تجددها الهدايا من الجانبين، ونذكرها إن شاء الله تعالى. ولما بلغ الخبر إلى تونس بما كان من نكبة السلطان وما كان من أمره، امتعض له هذا السلطان بتونس وتفجع لشأنه، وأقام يستطلع خبره ويستكشف من الجار التي تحضر إلى مصر من أهل تونس أنباءه، حتى وقف على الجلي من أمره وما كيف الله من أسباب السعادة في خلاصه وعوده إلى كرسيه، فملأ السرور جوانحه. وأوفد عليه بالتهنئة رسوله بهدية من المقربات على سبيل الوداد مع خالصة من كبراء الموحدين محمد بن علي بن أبي هلال، فوصل في العشر الأواخر من رمضان سنة إثنتين وتسعين فتلقاه السلطان بالكرامة، وركب محمود أستاذ داره ليتلقاه عند نزوله من البحر بساحل بولاق، وأنزل ببيت طشتمر بالزميلة قبالة الاصطبل، وأجريت عليه النفقة بما لم يجر لأمثاله. ورغب من السلطان في الحج فحج وأصحب هدية إلى مرسله من ثياب الوشي والديباج والسلاح بما لم يعهد مثلها، وإنصرف آخر ربيع سنة ثلاث وتسعين والله تعالى أعلم بغيبه.

حصار منطاش دمشق ومسير السلطان من مصر إليه وفراره ومقتل الناصري

لم يزل منطاش شريداً عند التركمان منذ فارق العرب، ولما كان منتصف سنة ثلاث وتسعين اعتزم على قصد دمشق، ويقال إن ذلك كان بإغراء الناصري يخادعه بذلك ليقبض عليه فسار منطاش من مرعش على نواحي حلب وتقدم خبره إلى حماة فهرب نائبها إلى طرابلس. ودخل منطاش حماة ونادى فيها بالأمان، ثم سار منها إلى حمص كذلك ثم إلى بعلبك  وهرب نائبها إلى دمشق فخرج الناصري نائب دمشق في العساكر لمدافعته، وسار على طريق الزبداني فخالفه منطاش إلى دمشق. وقدم إليها أحمد شكار ابن أبي بندمر فثار شيعة الخوارزمية والبندمرية، وفتحرا له أبواب البلد ومر باصطبلات فقاد منها نحوا من ثمانمائة فرس.وجاء منطاش من الغد على أثره فنزل بالقصر الأبلق، وأنزل الأمراء الذين معه في البيوت حوالي القصر وفي جامع شكن وجامع بيبقا، وشرع في مصادرة الناس والفريضة عليهم وأقام يومه في ذلك، وإذا بالناصري قد وصل في عساكره فاقتتلوا عشية ذلك اليوم مرات ومن الغد كذلك. وأقام كل واحد منهما في حومته والقتال متصل بينهما سائر رجب وشعبان. ولما بلغ الخبر إلى السلطان إرتاب بالناصري واتهمه بالمداهنة في أمر منطاش. وتجهز لقصد الشام ونادى في العساكر بذلك عاشر شعبان وقتل أهل الخلاف من الأمراء المحبوسين، وأشخص البطالين من الأمراء إلى الإسكندرية ودمياط، وخرج يوم عشرين شعبان فخيم بالريدانية حتى أزاح علل العساكر وقضوا حاجاتهم. واستخلف على القاهرة الأتابك كمشيقا الحموي وأنزله الاصطبل، وجعل له التصرف في التولية والعزل. وترك بالقاهرة من الأمراء جماعة لنظر الأتابك وتحت أمره، وأنزل النائب سودون بالقلعة وترك بها ستمائة من مماليكه الأصاغر، وأخرج معه بالقضاة الأربعة والمفتين. وارتحل غرة رمضان من السنة بقصد الشام. وجاء الخبر رابع الشهر بأن منطاش لما بلغه مسيرة السلطان من مصر هرب من دمشق منتصف شعبان مع عنقا بن أمير آل مراء الصريخ بمنطاش فكانت بينهما وقعة انهزم فيها الناصري، وقتل جماعة من أمراء الشام نحو خمسة عشر فيهم إبراهيم بن منجك وغيره.ثم خرج الناصري من الغد في إتباع منطاش ؛ وقد ذكر له أن الفلاحين نزحوا من نواحي دمشق، واحتاطوا به فركب إليه منطاش ليقاتله ؛  ففارقه أتابكه يماز تمر إلى الناصري في أكثر العساكر، وولى هارباً. ورجع الناصري إلى دمشق وأكرم يمازتمر وأجمل له الوعد، وجاءه الخبر بأن السلطان قد دخل حدود الشام  فسار ليلقاه فلقيه بقانون. وبالغ السلطان في تكرمته، وترجل حين نزوله وعانقه وأركبه بقربه ورده إلى دمشق. ثم سار في أثره إلى أن وصل دمشق، وخرج الناصري ثانية ودخل إلى القلعة ثاني عشر رمضان من السنة والأمراء مشاة بين يديه، والناصري راكب معه يحمل الخبز على رأسه. وبعث يعبر في كتاب نائب حماة بالعذر عما وقع منه، وأنه إتهم الناصري في أمر منطاش فقصد حسم الفتنة في ذلك.

واستأمن السلطان وضمن له إحضار منطاش من حيث كان فأمنه، وكتب إليه بإجابة سؤاله. ولما قضى عيد الفطر برز من دمشق سابع شوال إلى حلب في طلب منطاش، ولقيه أثناء طريقه رسول سولي بن دلقار أمير التركمان بهديته واستئمانه وعذره عن تعرضه لسيس ، وأنه يسلمها لنائب حلب فقبل السلطان منه وافنه ووعده بالجميل. ثم وفد عليه أمراء آل مهنا وآل عيسى في الطاعة ومظاهرة السلطان على منطاش ويعبر، وأنهما نازلان بالرحبة من تخوم الشام فأكرم السلطان وفادتهم وتقبل طاعتهم، وسار إلى حلب ونزل بالقلعة منها ثاني شوال. ثم وصل الخبر إلى السلطان بأن منطاش فارق يعبر أو مر ببلاد ماردين فواقعته عساكر هناك، وقبضوا على جماعة من أصحابه، وخلص هو من الواقعة إلى سالم الرودكاري من أمراء التركمان، فقبض عليه وأرسل إلى السلطان يطالعه بشأنه ويطلب بعض أمراء السلطان قرا دمرداش نائب حلب في عساكره إلى سالم الرودكاري لإحضار منطاش، وأتبعه بالناصري.وأرسل الأتابك إلى ماردين لإحضار من حصل من أصحاب منطاش وإنتهى أنيال إلى رأس العين، وأتى أصحاب سلطان ماردين وتسلم منهم أصحاب منطاش. وكتب سلطانهم بأنه معتمل في مقاصد السلطان ومرتصد لعدوه. وإنتهى قرا دمرداش إلى سالم الرودكاري وأقام عنده أربعة أيام في طلب منطالش وهو يماطله، فأغار قرا دمرداش عليه ونهب أحياءه وفتك في قومه، وهرب هو ومنطاش إلى سنجار. وجاء الناصري على أثر ذلك ونكر على دمرداش ما أتاه وإرتفعت بينهما حتى هم الناصري به ورفع الآلة بضربه، ولم يحصل أحد منهم بطائل، ورجعوا بالعساكر إلى السلطان. وكتب إليه سالم الرودكاري بالعذر عن أمر منطاش، وأن الناصري كتب إليه وأمره بالمحافظة على منطاش، وأن فيه زبونا للترك، فجلس السلطان بالقلعة جلوساً ضخما سادس ذي الحجة من السنة، واستدعى الناصري فوبخه. ثم قبض عليه وعلى ابن أخيه كشلي ورأس نوبة شيخ حسن، وعلى أحمد بن الهمدار الذي أمكنه من قلعة حلب وأمر بقتله وقشتمر الأشرفي الذي وصل من ماردين معهم. وولى على نيابة دمشق مكانه بكا الدوادار، وأعطى إقطاعه لقرا دمرداش وأمره بالمسير إلى مصر. وولى مكانه بحلب حلبان رأس نوبة، وولى أبا يزيد دوادارا مكان بكا ورعى له وسائله في الخدمة وتردده في السفارة بينه وبين الناصري أيام ملك الناصري. وأجلب على مصر وأشار عليه الناصري بالانتفاء كما ذكرناه، فاختفى عند أصحاب أبي يزيد هذا بسعايته في ذلك. ثم إرتحل من حلب ووصل إلى دمشق منتصف ذي الحجة، وقتل بها جماعة من الأمراء أهل الفساد يبلغون خمسة وعشرين، وولى على العرب محمد بن مهنا وأعطى إقطاع يعبر لجماعة من التركمان، وقفل إلى مصر. ولقيه الأتابك كمشيقا والنائب سودون والحاجب سكيس. ثم دخل إلى القلعة على التعبية منتصف المحرم سنة أربع وتسعين في يوم مشهود، ووصل الخبر لعاشر دخوله بوفاة بكا نائب دمشق فولى مكانه سودون الطرنطاي. ثم قبض في منتصف صفر على قرا دمرداش الأحمدي وهلك في محبسه، وقبض على طنبقا المعلم وقردم الحبشي. وجاء الخبر أواخر صفر من السنة بأن جماعة من المماليك مقدمهم أيبقا دوادار وبذلار. ولما هلك بكا وإضطرب أصحابه وهرب بعضهم، عمد هؤلاء المماليك إلى قلعة دمشق وهجموا عليها وملكوها، ونقبوا السجن وأخرجوا المعتقلين به من أصحاب الناصري ومنطاش وهم نحو المائة. وركبت العساكر إليها وحاصروها ثلاثا، ثم هجموا على الباب فأحرقوه ودخلوا إلى القلعة فقبضوا عليهم أجمعين وقتلوهم وفر أيبقا دوادار وبذلا في خمسة نفر، وانحسمت عللهم. ثم وصل الخبر آخر شعبان من السنة بوفاة سودون الطرنطاي فولى السلطان مكانه كمشيقا الأشرفي أمير مجلس، وولى مكان كمشيقا أمير شيخ الخاجكي إنتهى. والله سبحانه وتعالى أعلم.

مقتل منطاش

كان منطاش فر مع سالم الرودكاري إلى سنجار وأقام معه أياماً، ثم فارقه ولحق بيعبر فأقام في أحيائه، وأصهر إليه بعض أهل الحي بابتنه فتزوجها وأقام معهم. ثم سار أول رمضان سنة أربع وتسعين وعبر الفرات إلى نواحي حلب، وأوقعت به العساكر هناك وهزموهم وأسروا جماعة من أصحابه. ثم طال على يعبر أمر الخلاف، وضجر قومه من إفتقاد الميرة من التلول فأرسل حاجبه يسأل الأمان، وأنه يمكن من منطاش على أن يقطع أربع بلاد منها المعرة، فكتب له الدوادار أبو يزيد على لسانه بالإجابه إلى ذلك.ثم وفد محمد بن   سنة خمس وتسعين فأخبر أنه كان مقيما بسلمية في أحيائه ومعه التركمان المقيمون بشيزر فركبوا إليهم وهزموهم، وضرب بعض الفرسان منطاش فأكبه وجرحه ولم يعرف في المعركة لسوء صورته بما أصابه من. الشظف والحفاء، فأردفه ابن يعبر ونجا به وقتل منهم جماعة: منهم ابن بردعان وابن أنيال، وجيء برأسيهما إلى دمشق. وأوعز السلطان إلى أمراء الشام أن يخرجوا بالعساكر وينفوه إلى أطراف البلاد لحمايتها حتى يرفع الناس زروعهم. ثم زحف يعبر ومنطاش في العساكر أول جمادى الأخيرة من السنة إلى سلمية فلقيهم نائب حلب ونائب حماة فهزموهما ونهبوا حماة، وخالفهم نائب حلب إلى أحياء يعبر فأغار عليها ونهب سوادها وأموالها واستاق نعمها ومواشيها، وأضرم النار فيما بقي. وأكمن لهم ينتظر رجوعهم. وبلغهم الخبر بحماة فأسرعوا الكر إلى أحيائهم فخرج عليهم الكمناء وأثخنوا فيهم، وهلك بين الفريقين خلق من العرب والأمراء والمماليك. ثم وفد على السلطان أواخر شعبان عامر بن طاهر بن جبار طائعا للسلطان ومنابذاً لعمه، وذكوان بن يعبر على طاعة السلطان وأنهم يمكنون من منطاش متى طلب منهم ؛ فأقبل عليه السلطان وأثقل كاهله بالإحسان والمواعيد، ودس معه إلى بني يعبر بإمضاء ذلك ولهم ما يختارونه. فلما رجع عامر ابن عمهم طاهر بمواعيد السلطان تفاوضوا مع آل مهنا جميعاً ورغبوهم فيما عند السلطان ووصفوا ما هم فيه من الضنك وسوء العيش بالخلاف والإنحراف عن الطاعة. وعرضوا على يعبر بأن يجيبهم إلى إحدى الحسنيين من إمساك منطاش أو تخلية سبيلهم إلى طاعة السلطان، ويفارقهم هو إلى حيث شاء من البلاد فجزع لذلك ولم يسعه خلافهم، وأذن لهم في القبض على منطاش وتسليمه إلى نواب السلطان فقبضوا عليه، وبعثوا إلى نائب حلب فيمن يتسلمه واستحلفوه على مقاصدهم من السلطان لهم ولأبيهم يعبر فحلف لهم وبعث إليهم بعض أمرائه فأمكنوه منه، وبعثوا معه الفرسان والرجالة حتى أوصلوه، ودخل إلى حلب في يوم مشهود وحبس بالقلعة. وبعث السلطان أميرا من القاهرة فاقتحمه وقتله وحمل رأسه وطاف به في ممالك الشام. وجاء به إلى القاهرة حادي عشر رمضان سنة خمس وتسعين فعلقت على باب القلعة، ثم طيف بها مصر والقاهرة وعلقت على باب زويلة، ثم دفعت إلى أهله فدفنوها آخر رمضان من السنة. والله وارث الأرض ومن عليها وهو خير  الوراثين.

حوادث مكة

قد كان تقدم لنا أن عنان بن مقابس ولأه السلطان على مكة بعد مقتل محمد بن أحمد بن عجلان في موسم سنة ثمان وثمانين، وأن كنيش بن عجلان أقام على خلافه وحاصره بمكة فقتل في حومة الحرب سنة تسع بعدها. وساء أثر عنان وعجز من مغالبة الأشراف من بني عمه وسواهم. وامتدت أيديهم إلى أموال المجاورين وصادروهم عليها ونهبوا الزرع الواصل في الشواني من مصر إلى جدة للسلطان والأمراء والتجار، ونهبوا تجار اليمن وساءت أحوال مكة بهم وبتابعهم، وطلب الناس من السلطان إعادة بني عجلان لإمارة مكة ووفد على السلطان بمصر سنة تسع وثمانين صبي من بني عجلان اسمه علي فولاه على إمارة مكة، وبعثه مع أمير الحاج وأوصاه بالاصلاح بين الشرفاء. ولما وصل الأمير إلى مكة وكان بها يومئذ قرقماش خشي الأشراف منه، وإضطرب عنان وركب للقائه. ثم توجس الخليفة وكر راجعاً واتبع الأشراف، واجتمعوا على منابذة علي بن عجلان وشيعته من القواد والعبيد. ووفد عنان بن مقامس على السلطان سنة تسعين فقبض عليه وحبسه، ولم يزل محبوساً إلى أن خرج مع بكا عند ثورته بالقلعة في صفر سنة إثنتين وتسعين. وبعثه مع أخيه أيبقا يستكشف خبر السلطان كما مر.وانتظم أمر السلطان بسعاية بكا في العود إلى إمارته رعيا لما كان بينهما من العشرة في البحر، وأسعفه السلطان بذلك وولاه شركاً لعلي بن عجلان في الإمارة فأقاما كذلك سنتين، وأمرهما مضطرب والأشراف معصوصبون على عنان، وهو عاجز عن الضرب على أيديهم وعلي بن عجلان مع القواد كذلك، وأهل مكة على وجل من أمرهم في ضنك من اختلاف الأيدي عليهم. ثم استقدمهم السلطان سنة أربع وتسعين فقدموا أول شعبان من السنة فأكرمهما ورفع مجلسهما، ورفع مجلس علي على سائرهم. ولما انقضى الفطر ولى علي بن عجلان مستقلا واستبلغ في الإحسان إليه بأصناف الأقمشه والخيول والممالك والحبوب، وأذن له في الجراية والعلوفة فوق الكفاية. ثم ظهر عليه بعد شهر وقد أعد الرواحل ليلحق لمكة هارباً فقبض عليه وحبسه بالقلعة، وسار علي بن عجلان إلى مكة وقبض على الأشراف لتستقيم إمارته. ثم خودع عنهم فأطلقهم فنفروا عنه ولم يعاودوا طاعته فاضطرب أمره وفسد رأيه، وهو مقيم على ذلك لهذا العهد. والله غالب على أمره إنه على كل شيء قدير.

وصول أحياء من التتر وسلطانهم إلى صاحب بغداد واستيلاؤه عليها ومسير السلطان بالعساكر إليه

كان هؤلاء التتر من شعوب الترك وقد ملكوا جوانب الشرق من تخوم الصين إلى ما وراء النهر، ثم خوارزم وخراسان وجانبيها إلى سجستان وكرمان جنوبا وبلاد القفجاق وبلغار شمالا، ثم عراق العجم وبلاد فارس وأذربيجان وعراق العرب والجزيرة وبلاد الروم إلى أن بلغوا حدود الفرات، واستولوا على الشام مرة بعد أخرى كما تقدم في أخبارهم، ويأتي إن شاء الله تعالى. وكان أول من خرج منهم ملكهم جنكز خان أعوام عشر وستمائة، واستقلوا بهذه الممالك كلها. ثم إنقسمت دولته بين بنيهم فيها فكان لبني دوشي خان منهم بلاد القفجاق وجانب الشمال بأسره، ولبني هلاكو بن طولي خان خراسان والعراق وفارس وأذربيجان والجزيرة والروم، ولبني جفطاي خوارزم وما إليها. وإستمرت هذه الدول الثلاث إلى هذا العهد في مائة وثمانين سنة اننقرض فيها ملك بني هلاكو في سنة أربعين من هذه المائة بوفاة أبي سعيد آخرهم ولم يعقب، وافترق ملكه بين جماعة من أهل دولته في خراسان وأصبهان وفارس وعراق العرب وأذربيجان وتوريز وبلاد الروم: فكانت خراسان للشيخ ولي، وأصبهان وفارس وشستان للمظفر الأزدي وبنيه وخوارزم وأعمالها إلى تركستان لبني جفطاي، وبلاد الروم لبني أرشا مولى من موالي مرداش بن جوبان، وبغداد وأذربيجان والجزيرة للشيخ حسن بن حسين بن إيبغا بن أيكان وأيكان سبط أرغوبن أبغا بن هلاكو ولبنيه، وهو من كبار المغل في نسبه.

ولم يزل ملكهم المفترق في هذه الدول متناقلا بين أعقابهم إلى أن تلاشى واضمحل. واستقر ملك بغداد وأذربيجان والجزيرة لهذا العهد لأحمد بن أوشى ابن الشيخ حسن سبط أرغو كما في أخبار يأتي شرحها في دول التتر بعد. ولما كان في هذه العصور ظهر بتركستان وبخارى فيما وراء النهر أمير إسمه تمر في جموع من المغل والسر ينسب هو وقومه إلى جفطاي، لا أدري هو جفطاي ابن جنكز خان أو جفطاي آخر شعوب المغل، والأول أقرب لما قدمته من ولاية جفطاي بن جنكز خان على بلاد ما وراء النهر لعهد أبيه. وإن اعترض معترض بكثرة هذا الشعب الذي مع تمر، وقصر المدة. إن هذه المدة من لدن جفطاي تقارب مائتي سنة، لأن جفطاي كان لعهد أبيه جنكزخان يقارب الأربعين، فهذه المدة أزيد من خمسة من العصور، لأن العصر أربعون سنة. وأقل ما يتناسل من الرجل في العصر عشرة من الولد فإذا ضوعفت العشرة بالضرب خمس مراتب كانت مائة ألف.أن فرضنا أن المتناسلين تسعة لكل عصر بلغوا في الخمسة عصور إلى نحو من سبعين ألفاً، وإن جعلناها ثمانية بلغوا فوق الإثنين وثلاثين، وإن جعلناهم سبعة بلغوا ستة عشر ألفا . والسبعة أتل ما يمكن من الرجل الواحد لا سيما مع البداوة المقتضية لكثرة النسل. والستة عشر  ألفا عصابة كافية في استتباع غيرها من العصائب حتى تنتهى إلى غاية العساكر. ولما ظهر هذا فيما وراء النهر عبر إلى خراسان فملكها من يد الشيخ ولي صاحبها أعوام أربعة وثمانين بعد مراجفات وحروب. وهرب الشيخ ولي إلى توريز فعمد إليه تمر في جموعه سنة سبع وثمانين وملك توريز وأذربيجان وخربها، وقتل الشيخ ولي في حروبه، ومر بأصبهان فأعطوه طاعة معروفة. وأطل بعد توريز على نواحي بغداد فأرجفوا منه، وواقعت عساكره بأذربيجان جموع الترك أهل الجزيرة والموصل. وكانت الحروب بينهم سجالا. ثم تأخر إلى ناحية أصبهان وجاءه الخبر بخارج خرج عليه من قومه يعرف بقمر الدين تطمش ملك الشمال من بني دوشي خان بن جنكز خان، وهو صاحب كرسي صراي أمده بأمواله وعساكره فكر راجعا إلى بلده، وعميت أنباؤه إلى سنة خمس وتسعين. ثم جاءت الأخبار بأنه غلب قمر الدين الخارج عليه ومحا أثر فساده، واستولى على كرسي صراي فكر تمر راجعاً وملكها. ثم خطا إلى أصبهان وعراق العجم وفارس وكرمان فملك جميعها من يد بني المظفر اليزدي بعد حروب هلك فيها ملوكهم وبددت جموعهم. وراسله صاحب بغداد أحمد بن أوشى وصانعه بالهدايا والتحف فلم يغن عنه وما زال يخادعه بالملاطفة والمراسلة إلى أن فتر عزم أحمد وافترقت عساكره فصمد إليه يغذ السير حتى إنتهى إلى دجلة، وسبق النذير إلى أحمد، فأسرى من ليله ومر بجسر الحلة فقطعه. وصبح مشهد علي ووافى تمر وعساكره دجلة يوم الحادي والعشرين من شوال سنة خمس وتسعين، وأجازوا دجلة سبحا ودخلوا واستولوا عليها.وبعث العساكر في أتباع أحمد فلحقوا بأعقابه، وخاضوا إليه النهر عند الجسر المقطوع وأدركوه بالمشهد فكر عليهم في جموعه، وقتل الأمير الذي كان في إتباعه ورجعوا عنه بعد أن كانوا استولوا على جميع أثقاله ورواحله بما فيها من الأموال والذخيرة، فرجعوا بها ونجا أحمد إلى الرحبة من تخوم الشام فأراح بها وطالع نائبها السلطان بأمره، فأخرج إليه بعض خواصه بالنفقات والأزواد ليستقدمه فقدم به إلى حلب آخر ذي القعدة فأراح بها. وطرقه مرض أبطأ به عن مصر. وجاءت الأخبار بأن تمر عاث في مخلفه واستصفى ذخائره واستوعب موجود أهل بغداد بالمصادرات لأغنيائهم وفقرائهم حتى مستهم الحاجة. وأقفرت جوانب بغداد من العيث. ثم قدم أحمد بن أويس على السلطان بمصر في شهر ربيع سنة ست وتسعين مستصرخا به على طلب ملكه والانتقام من عدوه فأجاب السلطان صريخه، ونادى في عساكره بالتجهز إلى الشام، وقد كان تمر بعد ما استولى على بغداد زحف في عساكره إلى تكريت فأولى المخالفين وعثاء الحرابة، ورصد السابلة وأناخ عليها بجموعه أربعين يوماً فحاصرها حتى نزلوا على حكمه وقتل من قتل منهم، ثم خربها وأسرها.ثم انتشرت عساكر ه في ديار بكر إلى الرها ووقفوا عليها ساعة من نهار فملكوها وأشفوا نعمتها وافترق أهلها. وبلغ الخبر إلى السلطان فخيم بالريدانية أياماً أزاح فيها علل عسكره وأفاض العطاء في مماليكه. واستوعب الحشد من سائر أصناف الجند. واستخلف على القاهرة النائب مودود وارتحل إلى الشام على التعبية، ومعه أحمد بن أويس صاحب بغداد بعد أن كفاه مهمه وسرب النفقات في تابعه وجنده. ودخل دمشق آخر جمادى الأولى وقد كان أوعز إلى حلبان نائب حلب بالخروج إلى الفرات واستيعاب العرب والتركمان للإقامة هنالك رصداً للعدو. فلما وصل إلى دمشق وفد عليه حلبان وطالعه بمهماته وما عنده من أخبار القوم، ورجع لإنفاذ أوامره والفصل فيما يطالعه فيه. وبعث السلطان على أثره العساكر مددا له مع كمشيقا الأتابك وتلكمش أمير سلاح وأحمد ين بيبقا، وكان العدو قد شغل بحصار ماردين فأقام عليها أشهرا   ثم ملكها وعاثت عساكره فيها وامتنعت عليه قلعتها فارتحل عنها إلى ناحية بلاد الروم، ومر بقلاع الأكراد فأغارت عساكره عليها واكتسحت نواحيها. والسلطان لهذا العهد وهو شعبان سنة ست وتسعين- مقيم بدمشق مستجمع للوثبة به متى استقبل جهته، والله ولي الأمور. وهذا آخر ما انتهت إليه دولة الترك بانتهاء الأيام وما يعلم أحد ما في غد، والله مقدر الأمور وخالقها".

توران شاه#شجرة الدر#سيف الدين قطز

 

[شارك في المنتدى]

[الصفحة الرئيسية]

 
 
 

  Creative Commons License
al-hakawati is licensed under a Creative Commons Attribution-NonCommercial 4.0 International License.
Based on a work at al-hakawati.net