english

اتصل بنا 

عرفونا بكم 

 معرض الصور

رسـائـل وأخبار

دليل الموقع

تعرف علينا 

   

                                                                                                                                           

 

 
عودة إلى: شعراء

 

الحطيئة
600-678 م


شاعر عاش وحيداً منفرداً بأحزانه لا يُعرف له أهل أو أصل أو نسب، مقطوع الجذور مرفوضاً من القبائل الأخرى، يعاني الحرمان، فاتخذ الشعر سلاحاً يغتصب به أعراض الناس ويدفع عدوان الآخرين عليه.

اسمه أبو بكر مليكة جرول بن أوس العبسي. لقب بالحطيئة لقربه من الأرض. أدرك الجاهلية والإسلام وشارك في حرب الردة. شعره قوي العبارة بديع البناء غزير المعاني.

أتقن الحطيئة الهجاء حتى خافه الناس واضطر كل فرد إلى بذل ما في طاقته لتجنب هجائه حتى أن الخليفة عمر بن الخطاب قرر أن يشتري منه أعراض الناس جميعاً بثلاثة آلاف درهم. وأغرب ما في هذا الشاعر أنه لم يجد مرة من وما يهجوه فصادف أن شاهد وجهه في بئر فقال:

أبت شفتاي اليوم ألا تكلما بشر    فما أرى لمن أنا قائله

أرى لي وجها شوه الله خلقه       فقبح من وجه وقبح حامله

لم يتوقف عند هجاء نفسه بل تجاوز ذلك إلى أمه مما يؤكد تحلله من القيم والروابط الأخلاقية والاجتماعية فيقول:

جزاك الله شراً من عجوز           ولقاك العقوق من البنينا

أغربالاً إذا استودعت سراً          وكانوناً على المتحدثينا؟

تنحي، فاجلسي مني بعيداً      أراح الله منك العالمينا

حيا بك ما علمت حياة               سوء وموتك قد تسر الصالحينا

ومن الجائز أن تكون هذه المرأة التي اعتنت به وقامت على تربيته لم تكن أمه الحقيقية لأنه لم يعرف له أصلاً أو قبيلة. وهذا سر توحشه وإقباله على تصوير واقعه بالشعر اللاذع والهجاء الفظيع.

ومن أشعاره في الهجاء:

جارٌ لقومٍ أطالوا هون منزله      وغادروه مقيماً بين أرماس

ملوا قراه وهرته كلابهم            وجرحوه بأنياب وأضراس

وورد في "الأغاني" لأبي الفرج الأصفهاني: الحطيئة لقبٌ لقب به، واسمه جرول بن أوس بن مالك بن جؤية بن مخزوم بن مالك بن غالب بن قطيعة بن عبس بن بغيض بن الريث بن غطفان بن سعد بن قيس بن عيلان بن مضر بن نزار. وهو من فحول الشعراء ومتقدميهم وفصحائهم، متصرفٌ في جميع فنون الشعر من المديح والهجاء والفخر والنسيب، مجيدٌ في ذلك أجمع، وكان ذا شر وسفهٍ، ونسبه متدافعٌ بين قبائل العرب، وكان ينتمي إلى كل واحدة منها إذا غضب على الآخرين وهو مخضرمٌ أدرك الجاهلية والإسلام فأسلم ثم ارتد وقال في ذلك.

إسلامه وارتداده وشعره في ذلك

أطعنا رسول الله إذ كان بيننـا

 

فيا أحباد الله ما لأبي بـكـر

أيورثها بكراً إذا مات بـعـده

 

وتلك لعمر الله قاصمة الظهر

سبب لقبه الحطيئة

ويكنى الحطيئة أبا مليكة، وقيل: إن الحطيئة غلب عليه ولقب به لقصره وقربه من الأرض وقال حمادٌ الراوية قال أبو نصر الأعرابي: سمي الحطيئة لأنه ضرط ضرطةً بين قوم، فقيل له: ما هذا؟ فقال: إنما هو حطيئةٌ، فسمي الحطيئة. وقال المدائني قال أبو اليقظان: كان الحطيئة يدعي أنه ابن عمرو بن علقمة أحد بني الحارث ابن سدوس، قال: وسمي الحطيئة لقربه من الأرض.

انتماؤه إلى بني ذهل ابن ثعلبة

أخبرني الفضل بن الحباب الجمحي أبو خليفة في كتابه إلي بإجازته لي يذكر عن محمد بن سلام: أن الحطيئة كان ينتمي إلى بني ذهل بن ثعلبة فقال:

إن اليمامة خير ساكنهـا

 

أهل القرية من بني ذهل

قال: والقرية: منازلهم، ولم ينبت الحطيئة في هؤلاء.

تلونه وانتسابه إلى عدة قبائل وأخبرني محمد بن الحسن بن دريد قال حدثني عمي عن ابن الكلبي قال: سمعت خراش بن إسماعيل وخالد بن سعيد يقولان: كان الحطيئة إذا غضب على بني عبس يقول: أنا من بني ذهلٍ، وإذا غضب على بني ذهل قال: أنا من بني عبس.

أخبرني الحسين بن يحيى المرداسي قال قال حماد بن إسحاق قال أبي قال ابن الكلبي: كان الحطيئة مغموز النسب، وكان من أولاد الزنا الذين شرفوا. قال إسحاق وقال الأصمعي: كان الحطيئة يضرب بنسبه إلى بكر بن وائل فقال في ذلك.

قومي بنو عوف بن عمرٍو

 

إن أراد العلـم عـالـم

قومٌ إذا ذهبـت خـضـا

 

رم منهم خلفت خضـارم

لا يفشلون ولا تبيت علـى

 

أنوفهـم الـمـخـاطـم

قال الأصمعي وقدم الحطيئة الكوفة فنزل في بني عوف بن عامر بن ذهلٍ يسألهم وكان يزعم أنه منهم وقال في ذلك:

سيري أمام فإن المال يجـمـعـه

 

سيب الإله وإقبـالـي وإدبـاري

إلى معاشر منـهـم ياأمـام أبـي

 

من آل عوف بدوءٍ غير أشـرار

نمشي على ضوء أحسابٍ أضأن لنا

 

ما ضوأت ليلة القمراء للسـاري

خبره مع أخويه من أوس بن مالك

وقال ابن دريد في خبره عن عمه عن ابن الكلبي عن أبيه، وحماد بن إسحاق عن أبيه عن ابن الكلبي عن أبيه قال: كان أوس بن مالك بن جؤية بن مخزوم بن مالك بن غالب بن قطيعة بن عبس تزوج بنت رياح بن عمرو بن عوف بن الحارث بن سدوس بن شيبان بن ذهل بن ثعلبة، وكان له أمةٌ يقال لها الضراء فأعلقها بالحطيئة ورحل عنها. وكان لبنت رياح أخٌ يقال له: الأفقم، وكان طويلاً أفقم، صغير العينين، مضغوط اللحيين، فولدت الضراء الحطيئة فجاءت به شبيها بالأفقم، فقالت لها مولاتها: من أين هذا الصبي؟ فقالت لها: من أخيك، وهابت أن تقول لها من زوجك، فشبهته بأخيها؛ فقالت لها: صدقت. ثم مات أوسٌ وترك ابنين من الحرة، وتزوج الضراء رجلٌ من بني عبس فولدت له رجلين فكانا أخوي الحطيئة من أمه. فأعتقت بنت رياحٍ الحطيئة وربته فكان كأنه أحدهما. وترك الأفقم نخلا باليمامة. فأتى الحطيئة أخويه من أوس بن مالكٍ وقد كانت أمه لما أعتقتها بنت رياح اعترفت أنها اعتلقت من أوس بن مالك، فقال لهم: أفردوا إلي من مالكم قطعةً فقالا: لا، ولكن أقم معنا فنحن نواسيك فقال:

أأمرتماني أن أقيم عليكمـا

 

كلا لعمر أبيكما الحـبـاق

عبدان خيرهما يشل بضبعه

 

شل الأجير قلائص الوراق

خبره وقد سأل أمه من أبوه

قال: وسأل الحطيئة أمه: من أبوه فخلطت عليه فقال:

تقول لي الضراء لست لـواحـدٍ

 

ولا اثنين فانظر كيف شرك أولئكا

وأنت امرؤ تبغي أباً قد ضللـتـه

 

هبلت ألما تستفق من ضلالـكـا

خبره مع إخوته من بني الأفقم

قال: وغضب عليها فلحق بإخوته بني الأفقم فقال:

سيري أمام فإن المال يجمعه

 

سيب الإله وإقبالي وإدباري

قال: فلم يدفعوه ولم يقبلوه فقال:

إن اليمامة خير ساكنهـا

 

أهل القرية من بني ذهل

وسألهم ميراثه من الأفقم فأعطوه نخلاتٍ من نخل أبيهم تدعى نخلات أم مليكة، وأم مليكة: امرأة الحطيئة، فقال:

ليهني تراثي لامرىءٍ غير ذلةٍ

 

صنابير أحدانٌ لهن حفـيف

قال: ثم لم تقنعه النخيلات، وقد أقام فيهم زماناً فسألهم ميراثه كاملاً من الأفقم فلم يعطوه شيئاً وضربوه، فغضب عليهم وقال:

تمنيت بكرا أن يكونوا عمارتي

 

وقومي وبكرٌ شر تلك القبائل

إذا قلت بكري نبوتم بحاجتـي

 

فيا ليتني من غير بكر بن وائل

فعاد إلى بني عبس وانتسب إلى أوس بن مالك. وقال الأصمعي في خبره: لما أتى أهل القرية، وهم بنو ذهلٍ، يطلب ميراثه من الأفقم مدحهم فقال:

إن اليمامة خرٌ ساكـنـهـا

 

أهل القرية من بني ذهـل

الضامنون لمال جـارهـم

 

حتى يتم نواهض البـقـل

قوم إذا انتسبوا ففرعـهـم

 

فرعي وأثبت أصلهم أصلي

قال: فلم يعطوه شيئاً، فقال يهجوهم:

إن اليمامة شر ساكنـهـا

 

أهل القرية من بني ذهل

تزوجت أمه فهجاها

وقال أبو اليقظان في خبره: كان الرجل الذي تزوج أم الحطيئة أيضاً ولد زنا اسمه الكلب بن كنيس بن جابر بن قطن بن نهشل، وكان كنيس زنى بأمةٍ لزرارة يقال لها رشية، فولدت له الكلب ويربوعا، فطلبهم من زرارة فمنعه منهم، فلما مات طلبهم من أبيه لقيطٍ فمنعه؛ وقال لقيط في ذلك:

أفي نصف شهر ما صبرتم لحقنا

 

ونحن صبرنا قبل ذاك سنـينـا

وهي أبيات. فتزوج الكلب الضراء أم الحطيئة؛ فهجاه الحطيئة وهجا أمه فقال:

ولقد رأيتك في النساء فـسـؤتـنـي

 

وأبا بنيك فساءني في الـمـجـلـس

إن الذلـيل لـمـن تـزور ركـابـه

 

رهط ابن جحشٍ في الخطوب الحوس

قبح الإلـه قـبـيلةً لـم يمـنـعـوا

 

يوم المجيمر جارهم من فـقـعـس

أبلغ بني جحـش بـأن نـجـارهـم

 

لؤم وأن أبـاهـم كـالـهـجـرس

وقال الحطيئة يهجو أمه:

جزاك الله شراً من عجـوزٍ

 

ولقاك العقوق من البنـين

فقد ملكت أمر بنيك حتـى

 

تركتهم أدق من الطحـين

فإن تخلى وأمرك لا تصولي

 

بمشتد قـواه ولا مـتـين

لسانك مبردٌ لا خـير فـيه

 

ودرك در جـاذبةٍ دهـين

وقال يهجو أمه أيضاً:

تنحي فاجلسي مني بعـيداً

 

أراح الله منك العالمينـا

أغر بالاً إذا استودعت سراً

 

وكانوناً على المتحدثـينـا

حياتك ما علمت حياة سوءٍ

 

وموتك قد يسر الصالحينا

كان هجاء دنىء النفس فاسد الدين

أخبرني محمد بن الحسن بن دريد قال أخبرني عبد الرحمن ابن أخي الأصمعي عن عمه قال: كان الحطيئة جشعاً سؤولاً ملحفاً، دنىء النفس، كثير الشر، قليل الخير، بخيلاً، قبيح المنظر، رث الهيئة، مغموز النسب، فاسد الدين، وما تشاء أن تقول في شعر شاعرٍ من عيبٍ إلا وجدته، وقلما تجد ذلك في شعره.

أخبرني ابن دريد قال أخبرنا أبو حاتم عن أبي عبيدة قال: بخلاء العرب أربعةٌ: الحطيئة، وحميدٌ الأرقط، وأبو الأسود الدولي، وخالد بن صفوان.

أخبرنا ابن دريد قال حدثنا أبو حاتم قال قال أبو عبيدة: كان الحطيئة بذياً هجاءٌ، فالتمس ذات يوم إنساناً يهجوه فلم يجده، وضاق عليه ذلك فأنشأ يقول:

أبت شفتاي اليوم إلا تكلمـاً

 

بشر فما أدري لمن أنا قائله

وجعل يدهور هذا البيت في أشداقه ولا يرى إنساناً، إذ اطلع في ركي أو حوض فرأى وجهه فقال:

أرى لي وجها شوه الله خلقه

 

فقبح من وجهٍ وقبح حامله

قدم المدينة فجمعت له العطايا خوفاً منه نسخت من كتاب الحرمي بن أبي العلاء: حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني عمي قال: قدم الحطيئة المدينة فأرصدت قريشٌ له العطايا خوفاً من شره، فقام في المسجد فصاح: من يحملني على بغلين.

أخبرني أبو خليفة قال حدثنا محمد بن سلام وأخبرني الحسين بن يحيى المرداسي قال حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه قال قال أبو عبيدة والمدائني ومصعبٌ: كان الحطيئة سؤولاً جشعاً، فقدم المدينة وقد أرصدت له قريشٌ العطايا، والناس في سنةٍ مجدبةٍ وسخطةٍ من خليفة، فمشى أشراف أهل المدينة بعضهم إلى بعض، فقالوا: قد قدم علينا هذا الرجل وهو شاعر، والشاعر يظن فيحقق، وهو يأتي الرجل من أشرافكم يسأله، فإن أعطاه جهد نفسه بهرها، وإن حرمه هجاه، فأجمع رأيهم على أن يجعلوا له شيئاً معدا يجمعونه بينهم له، فكان أهل البيت من قريش والأنصار يجمعون له العشرة والعشرين والثلاثين ديناراً حتى جمعوا له أربعمائة دينار، وظنوا أنهم قد أغنوه، فأتوه فقالوا له: هذه صلة آل فلانٍ وهذه صلة آل فلان وهذه صلة آل فلانٍ، فأخذها؛ فظنوا أنهم قد كفوه عن المسئلة، فإذا هو يوم الجمعة قد استقبل الإمام ماثلاً ينادي: من يحملني على بغلين وقاه الله كبة جهنم.

متانة شعره

ووصف أبو عبيدة ومحمد بن سلام شعر الحطيئة فجمعت متفرق ما وصفاه به في هذا الخبر، أخبرنا به أبو خليفة عن محمد بن سلام وابن دريد عن أبي حاتم عن أبي عبيدة قالا: طلب من كعب بن زهير أن يقول شعراً يضعه فيه بعده فقال، وهجاه لذلك مزرد بن ضرار كان الحطيئة متين الشعر، شرود القافية، وكان دنىء النفس، وما تشاء أن تطعن في عشر شاعر إلا وجدت فيه مطعناً، وما أقل ما تجد ذلك في شعره. قالا: فبلغ من دناءة نفسه أنه أتى كعب بن زهير - وكان الحطيئة راوية زهير وآل زهير - فقال له: قد علمت روايتي لكم أهل البيت وانقطاعي إليكم، وقد ذهب الفحول غيري وغيرك، فلو قلت شعراً تذكر فيه نفسك وتضعني موضعاً بعدك! - وقال أبو عبيدة: تبدأ بنفسك فيه ثم تثني بي - فإن الناس لأشعاركم أروى وإليها أسرع! فقال كعب:

فمن للقوافي شانها من يحوكها

 

إذا ما ثوى كعبٌ وفور جرول

كفيتك لا تلقى من الناس واحداً

 

تنخل منها مثل ما نتـنـخـل

نقول فلا نعيا بشيءٍ نقـولـه

 

ومن قائليها من يسيء ويجمل

نثقفها حتى تلين مـتـونـهـا

 

فيقصر عنها كل ما يتمـثـل

قال: فاعترضه مزرد بن ضرار، واسمه يزيد وهو أخو الشماخ، وكان عريضاً أي شديد العارضة كثيرها، فقال:

باستك إذ خلفتني خلف شاعـرٍ

 

من الناس لم أكفىء ولم أتنخل

فإن تخشبا أخشب وإن تتنخـلا

 

وإن كنت أفتى منكما أتنخـل

فلست كحسان الحسام ابن ثابتٍ

 

ولست كشماخٍ ولا كالمخبـل

كان بخيلاً يطرد أضيافه

أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه عن المدائني قال: مر ابن الحمامة بالحطيئة وهو جالس بفناء بيته، فقال: السلام عليكم؛ فقال: قلت ما لا ينكر؛ قال: إني خرجت من عند أهلي بغير زاد؛ فقال: ما ضمنت لأهلك قراك؛ قال: أفتأذن لي أن آتي ظل بيتك فأتفيأ به؟ قال: دونك الجبل يفيء عليك؛ قال: أنا ابن الحمامة؛ قال: انصرف وكن ابن أي طائر شئت.

وأخبرنا بهذا الخبر اليزيدي عن الخزاز عن المدائني فحكى ما ذكرناه من قول الحطيئة عن أبي الأسود الدؤلي.

وأخبرني الحسين عن حماد عن أبيه عن أبي عبيدة والمدائني قالا: أتى رجلٌ الحطيئة وهو في غنم له فقال له: يا صاحب الغنم، فرفع الحطيئة العصا وقال: إنها عجراء من سلم؛ فقال الرجل: إني ضيف؛ فقال: للضيفان أعددتها، فانصرف عنه. قال إسحاق: وقال غيرهما: إن الرجل قال له: السلام عليكم؛ فقال له: عجراء من سلم؛ فقال: السلام عليكم؛ فقال: أعددتها للطراق؛ فأعاد السلام فقال له: إن شئت قمت بها إليك؛ فانصرف الرجل عنه.

وصيته عند موته بالشعراء والفقراء

وللحطيئة وصيةٌ ظريفة يأتي كل فريق من الرواة ببعضها، وقد جمعت ما وقع إلي منها في موضع واحد وصدرت بأسانيدها.

أخبرني بها محمد بن العباس اليزيدي قال حدثنا أحمد بن يحيى ثعلبٌ قال حدثنا عيينة بن المنهال عن الأصمعي، وأخبرني بها أحمد بن عبد العزيز الجوهري قال حدثنا عمر بن شبة، وأخبرني إبراهيم بن أيوب عن ابن قتيبة، ونسختها من كتاب محمد بن الليث عن محمد بن عبد الله العبدي عن الهيثم بن عدي عن عبد الله بن عبد الرحمن "ابن أبي عمرة" عن أبيه، وأخبرني الحسين بن يحيى عن حماد بن إسحاق عن أبيه عن أبي عبيدة، وأخبرني هاشم بن محمد الخزاعي قال حدثنا أبو غسان دماذ عن أبي عبيدة قالوا: لما حضرت الحطيئة الوفاة اجتمع إليه قومه فقالوا: يا أبا مليكة: أوص فقال: ويلٌ للشعر من راوية السوء؛ قالوا: أوص رحمك الله يا حطىء؛ قال: من الذي يقول:

إذا أنبض الرامون عنها ترنمت

 

ترنم ثكلى أوجعتها الجنـائز؟

قالوا: الشماخ؛ قال: أبلغوا غطفان أنه أشعر العرب؛ قالوا: ويحك! أهذه وصيةّ! أوص بما ينفعك! قال: أبلغوا أهل ضابىءٍ أنه شاعرٌ حيث يقول:

لكل جديدٌ لذةٌ غير أنـنـي

 

رأيت جديد الموت غير لذيذ

قالوا: أوص ويحك بما ينفعك! قال: أبلغوا أهل امرىء القيس أنه أشعر العرب حيث يقول:

فيا لك من ليلٍ كأن نجومـه

 

بكل مغار الفتل شدت بيذبل

قالوا: اتق الله ودع عنك هذا؛ قال: أبلغوا الأنصار أن صاحبهم أشعر العرب حيث يقول:

يغشون حتى ما تهر كلابهم

 

لا يسألون عن السواد المقبل

قالوا: هذا لا يغني عنك شيئاً، فقل غير ما أنت فيه؛ فقال:

الشعر صعبٌ وطويلٌ سلمه

 

إذا ارتقى فيه الذي لا يعلمه

زلت به إلى الحضيض قدمه

 

يريد أن يعربه فيعجـمـه

قالوا: هذا مثل الذي كنت فيه؛ فقال:

قد كنت أحياناً شديد المعتـمـد

 

وكنت ذا غربٍ على الخصم ألد

فوردت نفسي وما كادت ترد

 

 

قالوا: يا أبا مليكة، ألك حاجة؟ قال: لا والله، ولكن أجزع على المديح الجيد يمدح به من ليس له أهلاً. قالوا: فمن أشعر الناس؟ فأومأ بيده إلى فيه وقال: هذا الحجير إذا طمع في خير (يعني فمه) واستعبر باكياً؛ فقالوا له: قل لا إله إلا الله؛ فقال:

قالت وفيها حيدةٌ وذعر

 

عوذٌ بربي منكم وحجر

فقالوا له: ما تقول في عبيدك وإمائك؟ فقال: هم عبيدٌ قن ما عاقب الليل النهار؛ قالوا: فأوص للفقراء بشيء؛ قال: أوصيهم بالإلحاح في المسئلة فإنها تجارةٌ لا تبور، واست المسئول أضيق.

قالوا: فما تقول في مالك؟ قال: للأنثى من ولدي مثل حظ الذكر؛ قالوا: ليس هكذا قضى الله جل وعز لهن؛ قال: لكني هكذا قضيت.

قالوا: فما توصي لليتامى؟ قال: كلوا أموالهم ونيكوا أمهاتهم؛ قالوا: فهل شيء تعهد فيه غير هذا؟ قال: نعم، تحملونني على أتانٍ وتتركونني راكبها حتى أموت فإن الكريم لا يموت على فراشه، والأتان مركبٌ لم يمت عليه كريمٌ قط؛ فحملوه على أتان وجعلوا يذهبون به ويجيئون عليها حتى مات وهو يقول:

لا أحدٌ ألأم مـن حـطـيه

 

هجا بنيه وهجا الـمـريه

من لؤمه مات على فريه

 

 

والفرية: الأتان.

من قصائده:..

   

[شارك في المنتدى]

[الصفحة الرئيسية]

 
 
 

  Creative Commons License
al-hakawati is licensed under a Creative Commons Attribution-NonCommercial 4.0 International License.
Based on a work at al-hakawati.net