english

اتصل بنا 

عرفونا بكم 

 معرض الصور

رسـائـل وأخبار

دليل الموقع

تعرف علينا 

   

                                                                                                                                           

 

 

                                                                                                                     عودة إلى: معجم الأدباء

 

حرملة بن المنذر بن معد يكرب

ابن حنظلة بن النعمان بن حبة بن سعنة بن الحارث بن ربيعة، ويتصل نسبه بيعرب بن قحطان أبو زبيدٍ الطائي شاعر معمر عاش خمسين ومائة سنة، وعداده في المخضرمين، أدرك الإسلام ولم يسلم ومات نصرانياً. وكان أبو زبيدٍ طزالاً من الرجال ينتهي إلى ثلاثة عشر شبراً، وكان حسن الصورة فكان إذا دخل مكة دخلها متنكراً لجماله. وكان أبو زبيدٍ يزور الملوك وملوك العجم خاصةً، وكان عالماً بسيرهم، ووفد على الحارث بن أبي شمر الغساني والنعمان بن المنذر. حدثعمارة بن قابوس قال: لقيت أبو زبيدٍ الطائي فقلت له: يا أبا زبيدٍ هل أتيت النعمان بن المنذر؟ قال: إي والله لقد لقد أتيته وجالسته. قلت: فصفه لي فقال: كان أحمر أزرق أبرش قصيراً. فقلت له: أيسرك أنه سمع مقالتك هذه وأن لك حمر النعم؟ قال: لا والله ولا سودها، فقد رأيت ملوك حمير في ملكها، ورأيت ملوك غسان في ملكها، فما رأيت أشد عزاً منه. كان ظهر الكوفة منبت الشقائق فحمى ذلك المكان فنسب إليه، فقيل سقائق النعمان. فجلس ذات يومٍ هناك وجلسنا بين يديه كأن على رؤوسنا الطير، فقام رجل من الناس فقال له: أبيت اللعن، أعطني فإني محتاج، فتأمله طويلاً ثم أمر به فأدني حتى قعد بين يديه، ثم دعا بكنانةٍ فاستخرج منها مشاقص فجعل يجأبها وجهه حتى سمعنا قرع العظام وخضب بالدم، ثم أمر به فنحي. ومكثنا ملياً فنهض رجل آخر فقال له: أبيتاللعن، أعطني فتامله ساعةً ثم قال: أعطوه ألف درهمٍ فأخذها وانصرف، ثم التفت النعمان عن يمينه ويساره وخلفه فقال: ما قولكم في رجلٍ أزرق أحمر يذبح على هذه الأكمة؟ أترون دمه سائلاً حتى يجري في هذا الوادي؟ فقلنا له: أنت - أبيت اللعن - أعلى برأيك فدعا برجلٍ على هذه الصفة فأمر به فذبح ثم قال: ألا تسألوني عما صنعت؟ فقلنا: ومن يسألك عن أمرك وما تصنع؟ فقال: أما الأول فإني خرجت مع أبي نتصيد فممرنا به وهو بفناء بابه وبين يديه عس من لبنٍ فتناولته لأشرب منه، فثار إلي فهراق الإناء فملأ وجهي وصدري فأعطيت الله عهداً لئن أمكنني من لأخضبن لحينه وصدره من دم وجهه. وأما الآخر فكانت له عندي يد فكافأته بها. وأما الذي ذبحته فإن عيناً لي بالشام كيب علي: أن جبلة بن الأيهم بعث إليك برجلٍ صفته كذا وكذا ليقتلك، فطلبته فلم أقدر عليه حتى كان اليوم فرأيته بين القوم فأخذته. وكان عثمان بن عفان - رضي الله عنه - يقرب أبا زبيدٍ ويدني مجلسه لمعرفته بسير من أدركهم من ملوك العرب والعجم، فدخل عليه يوماً وعنده المهاجرون والنصار، فتذاكروا مآثر العرب وأخبارها وأشعارها، فالتفت إليه عثمان وقال له: يا أخا تبع المسيح أسمعنا بعض قولك، فقد أنبئت أنك تجيد الشعر، فأنشده قصيدته التي أولها:

من مبلغ قومنا النائين إذ شحطوا

 

أن الفؤاد إليهـم شـيق ولـع

ووصف فيها الأسد فقال له عثمان: تالله تفتأ تذكر الأسد ما حييت، والله إني لأحسبك جباناً هداناً. قال: كلا يا أمير المؤمنين، ولكني رأيت منه منظراً وشهدت مشهداً لا يبرح يتجدد في قلبي، ومعذور أنا بذلك يا أمير المؤمنين غير ملومٍ. فقال له عثمان: وأين كان ذلك وأنى؟ فقال: خرجت في صيابةٍ من أشراف العرب وفتيانهم ذوي هيبةٍ وشارةٍ حسنةٍ ترمي بنا المهري بأكسائها والقيروانات على قنو البغال تسوقها العبدان، ونحن نريد الحارث بن أبي شمر الغساني ملك الشام، فاخروط بنا السير في حمارة القيظ، حتى إذا عصبت الأفواه وذبلت الشفاه وشالت المياه، وذكت الجوناء والمعزاء، وذاب الصيهب وصر الجندب، وضاف العصفور الضب في وجره وجاوره في جحره. قال قائل: أيها الركب تغوروا بنا في ضوج هذا الوادي، وإذا وادٍ قد بدا لنا كثير الدغل، دائم الغلل، صحراؤه مغنة، وأطياره مرنة، فحططنا رحالنا بأصول دوحات كنهبلاتٍ، وأصبنا من فضلات المزاود وأتبعناها الماء البارد. فلما انتصف حر يومنا ذلك، وبينما نحن كذلك إذ صر أقصى الخيل أذنيه، وفحص الأرض بيديه، فوالله ما لبث أن حال، ثم حمحم فبال، ثم فعل فعله الذي يليه واحداً فواحداً، فتضعضعت الخيل، وتكعكعت الإبل، وتقهقرت البغال، فمن نافرٍ بشكاله، وشاردٍ بعقاله، فعلمنا أنه السبع، ففزع كل منا إلى سيفه فسله من قرابه، ثم وقفنا رزدقاً فأقبل أبو الحارث من أجمته يتظالع في مشيته كأنه مجنون، أو في وجار مسجون، لطرفه وميض ولصدره شحيط، ولبلعومه غطيط، ولأرساغه قضيض كأنما يخبط هشيماً، أو يطأ رميماً، له هامة كالمجن، وخد كالمسن، وعينان سجروان كأنهما سراجان يتقدان، وقصرة ربلة، ولهزمة رهلة، وكتد معبط، وزند مفرط، وساعد مجدول، وعضد مفتول، وكف شثنة البراثن، إلى مخالب كالمحاجن، فضرب بيديه فأرهج، وكشر فأفرج عن أنيابٍ كالمعاول مصقولةٍ غير مفلولةٍ، وفمٍ أشدق كالغار الأخرق، ثم تمطى بيديه وحفز بوركيه حتى صار ظله مثيله، ثم أقعى فاقشعر، ثم أقبل فاكفهر، ثم تجهم فازبأر، فلا وذو بيته في السماء، ما اتقيناه إلا بأخٍ لنا من فزارة، كان ضخم الجزارة، فوقصه فوقصه ثم نفضه نفضةً فقضقض متنيه وجعل يلغ في دمه فذمرت أصحابي، فبعد لأيٍ ما استقدموا فجهجهنا به، فكر مقشعراً بزبرته كأن به نهماً حولياً فاختلج رجلاً أعجر ذا حوايا، فنفضه نفضة تزايلت بها مفاصله، ثم همهم ففرفر وزفر فبربر، ثم زأر فجرجر، ثم لحظ فأشزر، فوالله لخلت البرق يتطاير من تحت جفونه من شماله ومن يمينه، فأرعشت الأيدي واصطكلت الأرجل وأطت الأضلاع، وارتجت الأسماع وشخصت العيون، وساءت الظنون، فظنت المنون فقال له عثمان: اسكت قطع الله لسانك، فقد أرعبت قلوب المسلمين. وقال يصف الأسد:

فباتوا يدلجون وبات يسـري

 

بصير بالدجى هادٍ همـوس

إلى أن عرسوا وأغب عنهم

 

قريباً ما يحس له حسـيس

خلا أن العتاق من المطـايا

 

حسين به فهن إليه شـوس

فلما أن رآهم قـد تـدانـوا

 

أتاهم بين رحلـهـم يريس

فثار الزاجرون فزاد قربـاً

 

إليهم ثم واجهـه ضـبـيس

بنصل السيف ليس له مجـن

 

فصد ولم يصادفه جسـيس

فيضرب بالشمال إلى حشـاه

 

وقد نادى وأخلفه الـنـيس

يشتر كالمحملق في عـيونٍ

 

تقـيه الأرض الـربـيس

فخر السيف واختلجـت يداه

 

وكان بنفسه وقيت نفـوس

وطار القوم شتىً والمطـايا

 

وغودر في مكرهم الرسيس

وجال كأنه فرس صـنـيع

 

يجر جلاله ذيل شـمـوس

كأن بنحره و بـسـاعـديه

 

عبيراً بات تعبؤه عـروس

فذلك إن تلاقـوه تـفـادوا

 

ويحدث عنكم أمر شكـيس

وقال ابن الأعرابي: كان لأبي زبيدٍ كلب يقال له الأكدر، وكان له سلاح يلبسه إياه فكان لا يقوم له الأسد، فخرج ليلةً ولم يلبسه سلاحه فلقيه الأسد فقتله، فقال أبو زبيدٍ:

أجال أكدر مشـياً لا كـعـادتـه

 

حتى إذا كان بين البئر والطعـن

لاقى لدى ثلل الأطـواء داهـيةً

 

سرت وأكدر تحت الليل في قرن

حفت به شيمة ورهاء تـطـرده

 

حتى تناهى إلى الجولان في سنن

إلى مقابل فتل السـاعـدين لـه

 

فوق السراة كذفرى الفالج القمن

ريبال غابٍ فلا قحم ولا ضـرع

 

كالفيل يختطم الفحلين في شطن

وهي قصيدة طويلة، فلامه قومه على كثرة وصفه للأسد وقالوا: قد خفنا أن تسبنا العرب بوصفك له. فقال: لو رأيتم منه ما رأيت، أو لقيتم منه ما لقي أكدر لما لمتموني، ثم أمسك عن وصفه حتى مات. وقال ابن الأعرابي: مان أبو زبيدٍ يقيم أكثر أيامه في أخواله بني تغلب، وكان له غلام يرعى إبله فغزت بهراء وهم من قضاعة بني تغلب، فمروا بغلامه فدفع إليهم إبل أبي زبيدٍ وانطلق معهم يدلهم على عورة القوم ويقاتل معهم، فهزمت تغلب بهراء وقتل الغلام. فقال أبو زبيدٍ في ذلك:

هل كنت في منظرٍ ومستـمـعٍ

 

في نصر بهراء غير ذي فرس

تسعى إلى فتـية الأراقـم واس

 

تعجلت قبل الجمان والقـبـس

في عارضٍ من جبال بهرائها ال

 

ألى مرين الحرون عـن درس

فبهرة إذ لقوا حـسـبـتـهـم

 

أحلى وأشهى من بارد الدبـس

لا ترة عندهم فتـطـلـبـهـا

 

ولا هم نهزة لـمـخـتـلـس

جود كـرام إذا هـم نـدبــوا

 

غير لئام ضجرٍ ولا خـسـس

صمت عظام الحلوم إن سكتـوا

 

من غير عيٍ بهـم ولا خـرس

تقود أفراسـهـم نـسـاؤهـم

 

يزجون أجمالهم مع الغـلـس

صادقت لما خرجت منطلـقـاً

 

جهم المحيا كبـاسـلٍ شـرس

تخال فـي كـفـه مـثـقـفةً

 

تلمع فيها كشعـلة الـقـبـس

بكـف حـران ثـائرٍ بـــدمٍ

 

طلاب وترٍ في الموت منغمس

إما تقاذفـبـك الـرمـاح فـلا

 

أبكيك إلا للـدلـو والـمـرس

حمـدت أمـري ولـمــت إذ

 

أمسك جلز السنان بالـنـفـس

وقد تصـلـيت حـر نـارهـم

 

كما تتصلى المقرور من قرس

تذب عنه كـف بـهـا رمـق

 

طيراً عكوفاً كزور الـعـرس

عما قلـيلٍ عـلـون جـثـتـه

 

فهن من والغٍ ومـنـتـهـس

فلما بلغ شعره بني تغلب بعثوا إليه بدية غلامه وما نهب من إبله. فقال في ذلك:

ألا بلغ بني عمرو رسـولاً

 

فإني في مودتكم نـفـيس

فما أنا بالضعيف فتظلموني

 

ولا حقي اللفاء ولا خسيس

أفي حقٍ مواساتي أخاكـم

 

بمالي ثم يظلمني السريس

وحدث ابن الأعرابي قال: كان أبو زبيدٍ الطائي نديماً للوليد بن عقبة والي الكوفة من قبل عثمان، فلما شهدوا عليه بشرب الخمر وعزل عن عمله وخرحمن الكوفة قال أبو زبيدٍ:

من يرى العير لابن أروى على ظه

 

ر المرورى حداتـهـن عـجـال

مصعداتٍ والبـيت بـيت أبـو وه

 

بٍ خلاء تحن فـيه الـشـمـال

يغرف الجاهل المضـلـل أن الـد

 

دهر فيه النـكـراء والـزلـزال

ليت شعري كذاكم العـهـد أم كـا

 

نوا أناساً ممـن يزول فـزالـوا؟

بعـد مـا تـعـلـمـين يا أم زيدٍ

 

كان فيهم عـز لـنـا وجـمـال

ووجـوه بـودنـا مـشـرقــات

 

ونـوال إذا أريد الـــنـــوال

أصبح البيت قد تبـدل بـالـحـي

 

ي وجوهـاً كـأنـهـا الأقـتـال

كل شيءٍ يختـال فـيه الـرجـال

 

غير أن ليس للمـنـايا احـتـيال

ولعمر الإله لـو كـان لـلـسـي

 

ف مصال أو للـسـان مـقـال

ما تناسيتك الـصـفـاء ولا الـود

 

د ولا حـال دونـك الأشـغــال

ولحرمت لحمـك الـمـتـصـي

 

ضلةً ضل حلمهم مـا اقـتـالـوا

قولهم شربك الـحـرام وقـد كـا

 

ن شراباً سوى الـحـرام حـلال

وأبى الـظـاهـر الـعـداوة إلا

 

شنـآنـاً وقـول مـا لا يقــال

من رجالٍ تقارضوا مـنـكـراتٍ

 

لينالـوا الـذي أرادوا فـنـالـوا

غير ما طالبـين ذحـلا ولـكـن

 

مال دهر على أنـاسٍ فـمـالـوا

من يخنك الصفاء أو يتـبـدل

 

أو يزل مثل ما تزول الظلال

فاعلمن أنني أخوك أخو الـد

 

د حياتي ختى تزول الجبـال

ليس بخل عليك عندي بمـالٍ

 

أبداً ما أقل نـعـلاً قـبـال

ولك النصر باللسان وبالكـف

 

ف إذا كان لليدين مـصـال

ولأبي زبيدٍ في مدح الوليد بن عقبة شعر كثير تركناه خوف الإطالة، ومن جيد شعره:

إن نيل الحياة غير سـعـود

 

وضلال تأميل نيل الخلـود

علل المرء بالأماني ويضحي

 

غرضاً للمنون نصباً لعـود

كل يومٍ ترميه منها برشـقٍ

 

فمصيب أوصال غير بعـيد

كل ميتٍ قد اغتفرت فلا وا

 

جع من والدٍ ومن مولـود

غير أن الجلاح هذا جناحي

 

يوم فارقته بأعلى الصعـيد

وكان أبو زبيدٍ يحمل في كل أحدٍ إلى البيع مع النصارى، فبينا هو يوم أحدٍ يشرب والنصارى حوله رفع بصره إلى السماء فنظر نظراً طويلاً، ثم رمى الكأس من يده فقال:

إذا جعل المرء الذي كان حازماً

 

يحل به حل الحوار ويحـمـل

فليس له في العيش خير يريده

 

وتكفينه ميتاً أعف وأجـمـل

أتاني رسول الموت يا مرحباً به

 

وإني لآتيه أما سوف أفـعـل

ثم مات فجأةً ودفن هناك.

 

[شارك في المنتدى]

[الصفحة الرئيسية]