english

اتصل بنا 

عرفونا بكم 

 معرض الصور

رسـائـل وأخبار

دليل الموقع

تعرف علينا 

   

                                                                                                                                           

 

 

عودة إلى: نشوة الطرب في تاريخ جاهلية العرب

القسم الثالث

تاريخ العرب المستعربة

 

العرب المستعربة هم بنو إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام، قيل لهم ذلك لأنهم تعلموا من أخوالهم جرهم بن قحطان العاربة.

دخول الخليل عليه السلام أرض العرب وما يتصل منه بذكر ابنه إسماعيل وتناسل العرب المستعربة منه

قال البيهقي: الأشهر والأظهر أن مالك أمر البيت وسلطنة الحجاز بعد إسماعيل ابنه:

قيدار بن إسماعيل

قال السهيلي: وقد ذكر "أن قيدار كان الملك في زمانه، ومعنى قيدار الملك".

قال صاحب الكمائم: وفي شأن الملك بين بني إسماعيل وبني جرهم بن قحطان اختلاف كثير: فمن قائل: إن سلطنة الحجاز كانت في جرهم، ومفتاح الكعبة وسدانتها في يد ولد إسماعيل؛ ومن قائل: إن قيدار توجته أخواله بنو جرهم وملكته عليها.
ودانت له عرب الحجاز، وأمر بالمعروف ونهى عن المنكر، وأظهر أحكام النبوة. وإن العمالقة وقع بينهم وبين جرهم ما أوجت حرباً في الحرم، فقام قيدار فيهم خطيباً، وقال: "اعلموا معشر العرب أن هذا الحرم كنتم قد عثتم فيه، وأبحتم حرمته، وسفكتم الدماء في أرجائه، فشتت الله شملكم منه، وأبعدكم عنه، وزالت البركة منكم، وارتفعت الرحمة عنكم. ثم رحمكم الله بنبيه إبراهيم وابنه إسماعيل، فعمرت بهما بلادكم، وردكم الله ببركتهما إلى أوطانكم؛ فلا يكن شكر نعمة الله التعرض لنقمته. أين عقولكم؟ أين أفكاركم؟ اعتبروا بما تقدم، وانظروا فيما تأخر!". ثم نزل فاصطلحوا، ودانوا له على ألا يكون الملك لا في العمالقة ولا في جرهم، وتوارثته بنو إسماعيل من حينئذ.
 وذكر السهيلي وغيره أنه كان فيمن ملك بور بن شوحا، وهو أول من عتر العتيرة، وأن أباه شوحا ملك قبله، وهو أول من سن تعظيم رجب وحرمته، فتبعته العرب. ومنهم يزن، وهو الطعان الذي تنسب إليه الرماح اليزنية، ومنهم دوس العتيق، وكان أحسن الناس وجها، وكان قطورا بن كركر بن عملاق قد غلب بنوه على الحرم، فأخرجهم دوس منه.

وذكر صاحبا التيجان والكمائم أن الذي ولي ملك مكة وسدانة البيت بعد قيدار ابنه:

نبت بن قيدار

ثم تغلب بنو جرهم على ذلك، فجاء سليمان عليه السلام إلى مكة، وسلطان الحجاز حينئذ البسر بن الأغلب بن عمرو بن مضاض الجرهمي، وهو تحت طاعة بلقيس صاحبة اليمن. فأمر سليمان البسر أن يبرأ من ملك مكة والكعبة إلى نبت بن قيدار.
وعظم نبت في العرب وأيده سليمان، ورغب إليه أخواله أن يكون الملك له، ويشرفهم بمفتاح البيت وولايته، فدفع لهم ذلك عارية؛ ولهذا قال الحارث بن مضاض الجرهمي في شعره المتقدم:

 

وكنا ولاة البيت من عنـد نـابـت

 

نطوف بذاك الركن والبيت عامر

 

وذكر البيهقي أن نبتاً قال للبسر الجرهمي الذي كان صاحب الأمر قبله: قد سلبك الله ملكك فلا يسلبك عقلك، اخرج عني من مكة وإلا أخرجت روحك من بدنك؛ فبأي عين تنظرني بعدما أخذت ملكك! وبأي عين أنظرك وأنا أعتقد أنك تطمع في رد ما أخذ منك! فرحل عنه، وولي سدانة البيت غيره من بينهم.

الهميسع بن نبت

ثم مات نبت وترك ابنه الهميسع صغيراً، فلم يقدر على الملك مع أخواله جرهم. وملك سلطنة الحجاز عمرو بن مضاض الذي جرى له الحروب العظيمة مع بني إسرائيل، ثم أخوه الحارث بن مضاض. وكانت جرهم والعمالقة قد أخذوا التابوت من بني إسرائيل، ودفنوه في مزبلة، فنهاهم الهميسع عن ذلك فلم ينتهوا، وأعلمهم الحارث أن ذلك مما لا يبقي الله [على] من فعله، فاستخرجه الحارث بالليل ودفعه إلى الهميسع، فتوارثوه بنوه بعده، وجاء الحارث الهميسع بمفتاح البيت لما كبر.


ثم إن جرهم والعمالقة أخذهم الوباء فهلكوا وتفانوا، وكبر بنو إسماعيل فأظهرهم الله، وولوا البيت وبقي ضم الملك، فرأى الحارث بن مضاض الذي في نفسه، وأيقن لدولة جرهم بالإبادة، ولدولة بني إسماعيل بالإقبال، فخرج من مكة على وجهه، وكانت غربته المشهورة.
وقد تقدم في دولته من ولي بعد الحارث، وأن أمرهم انقرض عن قرب وتغلب عليهم بنو إسماعيل، ولم يبقوا جرهميا ولا عمليقيا بالحرم، وصارت السدانة والسلطنة للهميسع.


قال البيهقي: وكان اسمه زندا _ بالنون _ فلقبوه الهميسع، وهي السلطان عندهم، كما أن السميدع سلطان العمالقة.
قال: والهميسع أول من قال الشعر من بني إسماعيل، علمه ذلك الحارث بن مضاض، فرويت عنه قصيدة يذكر فيها طغيان جرهم والعمالقة في الحرم، وكيف أبادهم الله، وشتت شملهم، وأولها:

 

سلوا من بقي عمن مضى فهو مخبر

 

لقد كفروا في بيته وتـجـبـروا

صبرنا فنلنا الملك بعـد فـنـائهـم

 

كذلك عقبى من يتوق فـيصـبـر

ولو صحبتنا سرعة فـي مـرادنـا

 

بهم أصبحت أعمارنا وهي تقصر

 

وذكر صاحب التيجان أنه ولي بعده أمر مكة ابنه:

أدد بن الهميسع

وكذلك ذكر البيهقي، وأخبر أنه كتب إلى أفعى نجران سلطان التبابعة في شأن كعبة نجران التي أحدثوها كتاباً منه: وقد انتهى إلينا أنكم أقمتم بجهتكم كعبة للشيطان، وجعلتموها مناظرة لكعبة الرحمن. ولسنا ممن نترككم في سنة الغفلة، ولا نتعجل بالانتصار، والله أنظر في بيته، وأحكم بين عباده. وكذلك بلغنا أن سوق عكاظ أقمتموها معاندة لموسم الحرم، فما الذي تركتم لبني إسماعيل؟ وكيف عمدتم إلى ما أسسه الله فأردتم هدمه وإزالته؟ والأقدار معينة لهم، وعليهم مقبلة، والظلم بئس القرين، والكفر بالنعمة مصارع إذا أمكنته فرصة لا يدعها.


وذكر صاحب التيجان أنه ولي بعده ابنه:

عدنان بن أدد

وقال صاحب الكمائم: إن ولده كثروا وتفرقوا في أرض العرب، وطال عمره، ولم تكن الشهرة إلا لولده معد، وكذلك العقب العظيم.
 قال: وكان عدنان كثير الغارات والغزوات، فعز به الحرم، وأقام الملة الحنفية حق قيامها. ثم إن العرب طغت وعاثت في أرضها، ثم تعدت إلى الحرم فانتهكت حرمته. وقبض الله إليه عدنان، فنهضت طوائف العرب إلى البيت وقالت: هذا يجعل لبني إسماعيل علينا ولاية ورياسة، ونحن نهدمه حتى نستريح منهم! فوعظهم أصحاب العقول منهم، وطلبوا بني إسماعيل ليقتلوهم، ففروا على وجوههم.

معد بن عدنان

وكان معد بن عدنان حينئذ صغيراً. قال البيهقي: فاختفي من طوائف العرب في غار، وكان له من يتفقده فيه بما يعيش به، إلى أن بعث الله له بختنصر فخلصه.


قال الطبري: كان معد في زمان بختنصر ابن اثنتي عشرة سنة. وإن الله أوحى إلى إرميا أن اذهب إلى بختنصر فمره أن يهلك العرب، ويحمل معداً على البراق إلى الشام.


قال السهيلي: "فنشأ معد مع بني إسرائيل، ومن ثم وقع في كتب الإسرائيليين نسب معد". وكان بختنصر حينئذ قد سلطه الله على بني إسرائيل وعلى العرب، على ما تقدم في التاريخ، وذلك قبل أن يولد المسيح عليه السلام. وكانت العرب حينئذ قد طغت فقتلت بأرض اليمن حنظلة بن صفوان النبي عليه السلام - وقد تقدم ذكره، وقتلت بحضوراء من أرض الحجاز شعيب بن ذي مهدم.
قال صاحب الروض الأنف: "وكان رجوع معد بن عدنان إلى الحجاز مدة رفع الله بأسه عن العرب، ورجعت بقاياهم التي كانت في الشواهق إلى مواطنهم بعد أن دوخ بختنصر بلادهم، وخرب المعمور، واستأصل أهل حضور".


قال البيهقي: ثم إن معداً رده الله في حق بني إسماعيل، فدانت له، وملكته عليها.


قال: وحفظ عنه من الكلمات المفيدة أن أحد أعزاء العرب طلب منه أن يميل معه في الحكم وقال له: كن معي! فقال: لا أكون إلا مع من ردني إلى أن أحكم عليك وعلى غيرك بغير طاقة ولا مقدرة! فأقر ذلك الرجل، وعلم أنه مع الحق، واعترف لخصمه.
ولما حضرته الوفاة قيل له: من تقدم من ولدك على الناس، فقد جرت العادة بذلك؟ فقال: أما أنا فأريد أن أقدم قنصاً، والله يريد أن يقدم نزاراً! قم قضى نحبه.


قال صاحب التيجان: ثم ولي أمر مكة بعد موت معد ابنه قنص بن معد بن عدنان.

قنص بن معد بن عدنان

ذكر صاحب الكمائم أن أخاه نزاراً كان أولى بالسلطنة منه، ولكن غلب حب قنص على قلب أبيه فولاه، وكان أيضاً أكبر ولده.
وعندما ولي أراد إخراج أخيه من الحرم، فوعظه واستعطفه فلم يفعل، فقال له: علام تخرجني وأنت أخي؟ فقال: الملك ليس معه إخوة، وإن لم أخرجك تخرجني، بذلك يحدثني خاطري؛ فقال: إذ عزمت على هذا فأمهلني قليلاً حتى أرحل بمن معي؛ فقال: ما أجد في خاطري أن في مهلتك ما يعود علي بخير، [ومع] ذلك فقد أمهلتك! فمضى نزار، واشتغل بنقله أهله وماله عن الحرم، فلما أبصره أهل مكة على تلك الحال قالوا: كنا نخاف على بني إسماعيل من غيرهم، وأما وقد بدأ هذا الظالم بأن يسلط بعضهم على بعض، ويفتح عليهم باب النفي والخلاف لا نتركه لذلك. قال: فما تصنعون؟ قالوا: نجعلك تقيم على رغمه. فقال: إذاً أذوق مرارة العيش من ملك من لا يريدني، ومجاورة من يقدر علي ولا أقدر عليه. فقالوا: فإن كان لك قلب يصبر على إخراجه أخرجناه؛ قال: لم يكن لي قلب يصبر على ذلك، ولكن قد قساه عليه وسهل عليه ما يصعب عقوقه. واتفق رأيهم على إخراجه، فرجعوا إليه وأنذروه بالخروج وإلا قتلوه! قال: قد كنت أعلم ذلك من إمهال نزار، وأنا خارج عنكم! فخرج بأهله وماله إلى أرياف العراق، ونزلوا بجهات الحيرة، وصادفوا وقت غلبة الإسكندر على سلطنة الفرس وتفرقها على ملوك الطوائف، فعاثوا هنالك وكثروا، واجتمعت إليهم أخلاط العرب، إلى أن كبر سابور [ذو] الأكتاف، فوضع فيهم السيف وأفناهم، فكان من بقاياهم على ما قيل رهط النعمان بن المنذر. وزعم بعض النسابين أنهم ضميمة في لخم.
واستقل بملك الحجاز:

نزار بن معد

وذكر البيهقي أنه كان ممن غزا مع شمر تبع صاحب اليمن، فأعانه على ملك الحجاز، وعظمت به صولته على العرب.
 وذكر صاحب التيجان أن نزاراً لما حضرته الوفاة قسم أمواله بين أولاده وكانوا أربعة أكبرهم إياد، فقال يا إياد لك الحلة والعصا، وأنت وصي ولدي ومن كان مكياً؛ وقال: يا مضر، لك القبة الحمراء - وكانت من أدم، وقال: يا ربيعة، لك الفرس؛ وقال: يا أنمار لك الحمار. وأعطاهم أربع قلل مختومة، وأوصاهم أنهم بعد موته يتحاكمون في الميراث إلى أفعى نجران - قال البيهقي: وهو ملكها وحكيمها في ذلك الأوان.
فلما مات رحلوا إليه، فبينا هم في طريق نجران إذ مر بهم أعرابي يطلب جملا شرد له، فسألهم عنه، فقال أحدهم: أما إنه لأعور؟ قال: نعم؛ وقال الآخر: أما إنه لأزور؟ فقال: كذلك هو؛ فقال الآخر: أما إنه لأبتر؟ فقال: صدقتم؛ فقال الآخر: أما إنه لشرود مخدر؟ فقال: جملي عندكم! ولزمهم إلى أن وصل معهم إلى أفعى نجران، وسبق إليه الأعرابي فأخبره، فعلم أن لهم شأنا.

فأحسن نزلهم، وأرسل إليهم خروفاً مشوياً وخمراً وعسلاً، فأكلوا وشربوا وسكروا؛ فقال أحدهم: نعم ما أكرمنا به الملك لولا أن الخروف أرضعته كلبة، وقال الآخر: ولولا أن الخمر معصورة من كرمة عرمت في قحف ميت، وقال الآخر: ولولا أن العسل وضعته النحل في جوف حمار، وقال الآخر: ولولا أن الملك ولد زنى! فنقل ذلك للملك، فأحضرهم وسألهم عن قصة الجمل في الأول، فقال أولهم: علمت أن أعور لأني رأيته في أثره يأكل من جهة واحدة وهي التي تبصرها عينه السالمة، وقال الثاني: علمت أنه أزور لأني رأيت آثار مشيه عادلة عن الطريق، وفي الجهة الواحدة تقل وطئاً عن الأخرى؛ وقال الثالث: علمت أنه أبتر لأني رأيت بعره ينزل في مكان واحد مجتمعاً، ولو كان بذنب لفرقه؛ وقال الرابع: علمت أنه شرود مخدر لأني أبصرته لا يستقر في مكان ولا يأكل بطيءاً! فقال: أحسن جميعكم! ثم قال للأعرابي: قم فاطلب جملك؛ فالقوم حكماء وليسوا بلصوص! ثم صرفهم للكرامة، وسأل في باطن منزله عن المعاني التي ذكروها في الخروف والعسل والخمر فوجدها كما ذكروا، وسأل أمه في الخفية عما قالوه في حقه، فأخبرته أن أباه كان لا يولد له، فخافت من انقطاع الملك عن عقبه فتحيلت في ولادته من غيره. فتعجب من القوم، وأحضرهم وسألهم عما ترك لهم أبوهم فأخبروه، فقال أفعى نجران: القبة والخاتم لمضر وإليه حكومتهم، والحلة الشمطاء والعصا لإياد وإليه أمر حاشيتكم، ولربيعة القنا واللواء والفرس وإليه أمر حريمكم، وأما أنمار صاحب الحمار فاحملوا عليه كل فادح؛ فإن الحمار يحمل الأثقال، وهو صاحب خدمة الدنيا.

ثم نظر في القلال، فوجد في قلة إياد تقليم الأظفار، فقال له: خذ ما لأبيك من عبد وأمة. ووجد في قلة مضر قطعة من ذهب وفضة، فحكم له بالذهب والفضة. ووجد في قلة ربيعة قطعة من حافر، فحكم له بذوات الحافر. ووجد في قلة أنمار ظلفا، فحكم له بذات الظلف والخف. فتراضوا بحكمه، وقبل إياد الشمطاء، ومضر الحمراء، وربيعة الفرس، وأنمار الحمار.

تفرق بني نزار من الحرم

ذكر صاحب تواريخ الأمم أن العدنانية كانت في أول أمرها تؤرخ من نزول إسماعيل بالحرم، ثم صارت تؤرخ بتفرق بني نزار من الحرم. وكذلك ذكر البيهقي، وأخبر أن بني نزار الأربعة المذكورين لما رجعوا إلى مكة غلب على الرياسة وسدانة البيت مضر بن نزار، وعلاصيته في العرب؛ وكان إياد أكبر منه، فلم تحمل نفسه أن يقيم تحت رياسته، فخرج بولده وأهله إلى أرياف العراق والجزيرة، فتناسلوا هنالك؛ وسيذكر تاريخهم.
قال البيهقي: ثم إن القحط توالى على مكة وأجائها، وضاقت بني إسماعيل، فغلب القوي الضعيف، وخرج من أراد الراحة من المغالبة، فسار ربيعة بخيله التي توالدت عنده إلى أطراف نجد وأرياف الشام والجزيرة، فتناسل بنوه هنالك؛ وسيذكر تاريخهم.
وفي ولده وولده مضر العدد والعز، إلا أن النبوة في ولد مضر، والناس يقولون: هم على عدد ربيعة ومضر.
ومضى أنمار إلى السروات وتبالة من بلاد اليمن، فتناسل بنوه بتلك الجهات، وحسبوا من العرب اليمانية؛ وقد تقدم نسبهم فيهم، وهم: بجيلة وخثعم.

تاريخ المضرية

 إليها انتهى الشرف والعدد أولاً وآخراً، وخصها الله بالنبوة والخلافة، وبها عز الإسلام وعظمت فتوحه لما دخلت فيه أفواجاً. وقد كان رسول الله صلى الله عليه يشكو إلى ربه من عصيانهم وعتوهم حتى قال: "اللهم أشدد وطأتك على مضر، واجعلها عليهم سنين كسني يوسف.


وقد طبقت قبائل مضر إلى وقتنا أقطار المشرق والمغرب وقلت ربيعة، ثم انقسمت مضر على جذمين: خندف وقيس.

تاريخ خندف

ينتسبون إلى أمهم خندف. وأبوهم إلياس بن مضر، وفيهم النبوة والشرف. قال ابن حزم: والجمهور أن من ولد خندف [اللذين] إليهما النسب الأعظم: مدركة وطابخة.

تاريخ مدركة بن خندف

فيها الشرف والنبوة والخلافة، وافترقت مدركة على خزيمة وهذيل.

تاريخ خزيمة بن مدركة

فيه العدد والنبوة والخلافة. وخزيمة جذمان عظيمان، وهما: أسد وكنانة، ولها جدم دونهما وهو الهون.

تاريخ كنانة

ابن خزيمة بن مدركة بن خندف بن مضر، فيها النبوة والخلافة، والفخر منهم لقرسش، فنبدأ بتاريخهم ثم نذكر باقي كنانة.

تاريخ قريش

هم ولد النضر بن كنانة، وهم معدن النبوة والخلافة والشرف. ذكر البيهقي أن قريشا لم تكن تسمى بهذا الاسم حتى قرشها قصي بن كلاب رئيسها _ أي جمعها حول الحرم _ فعظمت من ذلك الحين. وقد أرخت العرب من حينئذ. وقيل: إنما سميت قريشا باسم دابة في البحر تلتقم دوابه، ولها الغلبة والصولة يقال لها: القرش، وهي معروفة إلى اليوم.


ومن كتاب المعاقل في فضل قريش: عن النبي صلى الله عليه: "فضل الله قريشاً بسبع خصال: أني منهم، وأن الله أنزل فيهم سورة في كتابه العزيز لم يذكر فيها أحداً غيرهم، وأنهم عبدوا الله عشر سنين ما عبده أحد قبلهم، وأن الله نصرهم يوم الفيل، وأن الخلافة والسدانة والسقاية فيهم".


قال ابن حزم: من ولده النضر بن كنانة فهو من قريش، ومن لم يلده فليس بقرشي. وصار لقريش الحرم. وأخرجوا إلى ضواحي مكة سائر كنانة، فكان لهم الشرف بذلك.


وأول من ضم أمرهم وجمعهم - كما تقدم - وأخذ مفتاح البيت من خزاعة.

قصي بن كلاب

ابن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر. قال البيهقي: لما صار له مفتاح البيت، ووقعت الحرب بين خزاعة وبين بني فهر فأخرجتهم بنو فهر من مكة، صار لهم المفتاح والسلطنة إلا أن خزاعة لم تدن بسلطتهم ولا سائر كنانة، ولم ينقد بعض رؤسائهم إلى بعض. فاتفقوا على الرياسة بأسطارها المعلومة عندهم، وهي ستة: السدانة، وهي ولاية مفتاح الكعبة؛ والثانية: الرفادة وهي الطعام الذي يصنع في الموسم لفقراء الحجاج؛ والثالثة: السقاية، وهي حياض من أدم كانت على عهد قريش توضع بفناء الكعبة ويشرب الحجاج منها؛ والرابعة: دار الندوة، كانوا يجتمعون فيها للمشاورة؛ والخامسة: اللواء؛ والسادسة: إمارة الجيوش والكتائب. وأعلى هذه من جهة الدين الكعبة، ومن جهة الدنيا الإمارة، وكان قصي قد جمعها كلها.


وقيل في قريش:

 

أبوكم قصي كان يدعى مجمعاً

 

به جمع الله القبائل من فهر

قال صاحب تواريخ الأمم: "وكان قصي بن كلاب في زمن فيروز بن يزدجرد" ملك الفرس.

وقال البيهقي: إن العرب أرخت بموت جده كعب بن لؤي لعظمته عندها، ثم أرخت باجتماعها لقصي وأخذه مفتاح الكعبة.
قال البيهقي: وكان قصي معدوداً في السلطنة، ولما كثرت الحروب بين قريش وخزاعة، وكانت الرسل تتردد بين الفريقين فلا تؤدي من الكلام ما يقضي بانفصال الحرب، قال لقومه: قد طال الخطب بيننا وبين هؤلاء القوم، وسببه أن الرسل الذين تتردد بيننا تقصر في الكلام، فيطول أمد الحرب. فقالوا: فما الرأي؟ قال: أن أكون المتكلم معهم؛ قالوا: وكيف ذلك؟ قال: نرسل إلى إخواننا من قبائل كنانة ويدخلون بيننا، وأكون أنا المتكلم والحيان متقابلان.

وحضرت كنانة وأميرها الشداخ الشاعر البطل، وحضرت خزاعة، وحضرت قريش، وتقابلوا على هيئة الحرب، فبرز قصي على فرسه وقال: يا معشر خزاعة، لما كان لكم مفتاح البيت والملك علينا، أنازعناكم في شيء من ذلك؟ قالوا: لا؛ قال: فلما أعاد الله لنا بيت آبائنا، لم حسدتمونا فيه وجعلتم تقاتلونا عليه؟ وأيم الله، لو قاتلنا عليه ولم نكن نأخذه بحق، لكنا في ذلك معذورين؛ فإن طلب الوراثة في الرياسة بالسيف مكرمة، وقد علمتم أنا لا نخليه أبداً! وهؤلاء أخواننا بنو كنانة معنا لا معكم، وأنتم غرباء بعداء من اليمانية في أرض المعدية، فإن جنحتم إلى السلم وطلبتم القرار في مهاد العافية، فأقيموا ما شئتم في بطن مر، ولكن رياستكم، ونحن لا نؤمر عليكم ولا نعترضكم، ولسنا طالبي ملك، ولا حاجة لنا في غير هذا البيت وجوره. فإن انقدتم إلى ما قلته انقدنا إلى حسن جواركم، وشدخت هذه الدماء التي بيننا؛ وإن أبيتم فالسيوف لها الحكم، والنصر من السماء. وللأمور دلائل، وللإقبال علامات، والشقي من عاند السعد عند إقباله! قال: فامتلأت أسماع خزاعة بهذا الكلام، وعلم عقلاؤهم أنه الحق، فقالوا: ومن يشدخ هذه الدماء، ويضمن ما سلف منها ألا يطالب أحد به، وما يستقبل ألا يراق هدراً؟ فقال قصي: يتولى ذلك سيد بني كنانة يعمر بن عامر الليثي، وهو شداخها، فسمي في ذلك الحين: بالشداخ وعقدوا الأيمان على ذلك، وقر كل أحد في مكانه.

قال صاحب الكمائم: ولما استقر بقصي القرار بمكة خاف على قريش من التحاسد والتباغض في المجاورة مع المكاثرة، فنظر المستحقين لقرب البيت والقادرين على ذلك قد نازعهم الفريق الآخر، فألزمهم السكنى بمكة والحرم فيما قرب من المدينة والبطاح، وسماهم: قريش البطاح، وأخرج الآخر إلى ظواهر مكة، وسماهم: قريش الظاهر، فصارت كنانة وخزاعة وقريش الظواهر بادية لقريش البطاح.

تاريخ قريش البطاح

وفيهم العز والنبوة والخلافة ومجاورة الكعبة. قال ابن حزم: جميع ولد قصي بن كلاب المذكور من قريش البطاح، وانضاف لها في السكنى معها من قريش سائر بني كعب بن لؤي بن عامر بن لؤي. وانضاف لقريش البطاح من بني الحارث بن فهر بن هلال بن أهيب بن ضبة بن الحارث، وبنو هلال بن ضبة بن الحارث؛ ومن سوى هؤلاء فهم من قريش الظواهر.


قال ابن حزم: "المطيبون من قريش هم: بنو عبد مناف، وبنو عبد العزى، وبنو زهرة، وبنو تميم، وبنو الحارث بن فهر؛ والأحلاف منهم وهم لعقة الدم: بنو عبد الدار، وبنو مخزوم، وبنو سهم، وبنو جمح، وبنو عدي". فأما الأول فإنهم تحالفوا على طيب تطيبوا به، والأخر تحالفوا على دم لعقوه.

 

وقال هشام بن محمد الكلبي: الواصلون الذين انتهى إليهم الشرف من قريش في الجاهلية فوصلوه بالإسلام عشرة رهط من عشر أبطن: هاشم، وأمية، ونوفل، وعبد الدار وأسد، وتيم، ومخزوم، وعدي، وجمح، وسهم.

تاريخ بني عبد مناف بن قصي

ذكر البيهقي أنه كان أعظم ولد قصي، وبعده عبد الدار، ثم عبد العزى. وكان عبد مناف في الجاهلية عبد مناة، منسوب للصنم المشهور، ثم كره ذلك، فقيل: عبد مناف.

وكان أبوه قصي قد أعطاه من رياسات قريش: الإمارة مكان المقدم على جيوشهم وكتائبهم، والرفادة فكان يطعم الحجاج في الموسم، والسقاية فكان له سقي الحجيج من بئر زمزم عند الكعبة.

قال: وذهب شرفه كل مذهب، وصار أعظم بني قصي. وكان في زمان قباذ، سلطان الفرس، الذي تزندق واتبع مذهب مزدك، وعزل بني نصر عن الحيرة لأنهم أنفوا من ذلك المذهب، وولى عليها الحارث الكندي جد امرئ القيس الشاعر، وأمر الحارث أن يأخذ العرب المعدية من أهل نجد وتهامة بذلك. فلما انتهى إلى مكة راسل قريشا في الزندقة، فمنهم من تزندق - وجاء الإسلام ومنهم جملة يشار إليهم بذلك - ومنهم من امتنع؛ وكان رأس الممتنعين عبد مناف، جميع قومه وقال: صارت الأديان بالملك، وأذهبت نواميس الأنبياء والشرائع! أنا لا أتبع دينا بالسيف وأترك دين إسماعيل وإبراهيم! فبلغ ذلك الحارث، فكتب به إلى قباذ، فأمره أن ينهض إلى مكة ويهدم البيت، وينحر عبد مناف عنده، ويزيل رياسة بني قصي. فكره ذلك الحارث، وداخلته حمية للعرب فدارى عنهم، وشغل قباذ بغيرهم.
وذكر الطبري أن اسم عبد مناف المغيرة، وكانت أمه قد أخدمته مناف الصنم، فقيل: عبد [مناف].

 قال الزبير بن بكار: فنظر قصي فوجده يوافق عبد مناة بن كنانة، فحوله إلى عبد مناف.

قال الطبري: وكان يقال له: قمر البطحاء.

قال الأصفهاني في كتاب أفعل في الأمثال: "وساد الأربعة من أولاد عبد مناف: هاشم وعبد شمس ونوفل والطلب بعده، ولم يسقط لهم نجم، وجبر الله بهم قريشاً فقيل: "أقرش من المجبرين"؛ لأنهم كانوا سببا في جبر قريش، والتقرش: التجمع، وذلك بالإيلاف الذي صنعوه، وفدوا على الملوك بتجائرهم، فأخذوا منهم لقريش العصم، فأخذ لهم هاشم حبلا من ملوك الشام حتى اختلفوا بذلك السبب إلى أرض الشام وأطراف الروم، وأخذ لهم عبد شمس حبلا من النجاشي حتى اختلفوا بذلك السبب إلى أرض الحبشة، وأخذ لهم نوفل حبلا من ملك الفرس حتى اختلفوا بذلك السبب إلى أرض العراق وبلاد فارس، وأخذ لهم المطلب حبلا من ملوك حمير حتى اختلفوا بذلك السبب إلى بلاد اليمن".

وقيل فيهم: "أوفد من المجبرين" لكثرة وفادتهم على الملوك.

قال صاحب الكمائم: كانت قريش قد انقطعت عند البيت، وكانت العرب التي حولها تمنعهم من الخروج في طلب المعاش، ولم يكن لهم عيش إلا ما يأتي الموسم أيام الحج. فلما نشأ بنو عبد مناف المذكورون أخذوا العرب بالسياسة والمهاداة إلى أن انقادوا لهم، وفتحوا الطريق لسفارهم حيث شاءوا، فاخترعوا الإيلاف الذي ذكره الله عز وجل، فقال: "لإيلاف قريش إيلافهم رحلة الشتاء والصيف" (السورة)، وقد تقدم في تاريخ خزاعة مدح مطرود الخزاعي لهم بذلك.

ذكر هاشم بن عبد مناف وعقبه

ذكر البيهقي وغيره أن اسمه عمرو، وقيل له: هاشم؛ لأنه لما رحل إلى الشام جاء معه بكعك كثير لم يكن لقريش به عهد، وقد توالى عليها القحط، فهشمه لهم في الرفادة وأطعمهم إياه، فقيل في ذلك:

 

عمرو الذي هشم الثريد لمعشر

 

بفناء مكة مسنتين عـجـاف

 

قال البيهقي: وهاشم معدود في خطباء العرب وبلغائهم، وكان مولده بغزة من بلاد الشام. ولما رحل في شأن الإيلاف على قيصر، قال له قيصر: وما قدر الحاجة إليكم حتى نتكلف لكم هذه الذمة؟ قال: ليس كل من يحسن إليه الملك يكون الملك محتاجاً لما عنده، ولو كان ذلك لقل إحسان الملوك؛ ولأن نأتيك بوجه الضراعة والحاجة إليك خير من أن نأتيك بوجه الاستغناء عنك والدالة عليك! ففسر له كلامه فأعجبه، وأمضى له ما أحب.


وهو كان أكبر ولد عبد مناف سنا وقدراً، وكانت له من رياسات قريش الرفادة والسقاية، ولم يكن له ولد ذكر غير:

عبد المطلب بن هاشم

وبنو هاشم كلها ترجع إليه. قال البيهقي: الصحيح في اسمه أنه شيبة، وعاش مائة وأربعين سنة. وذكر ابن قتيبة أن شيبة "كان عند أخواله بالمدينة، فقدم به عمه المطلب إلى مكة، فقالوا: عبد المطلب؛ ولزمه هذا الاسم".


قال البيهقي: أما بنو هاشم فذهبوا في الشرف كل مذهب نبوة وخلافة وكثرة وشهرة.


ومن كتاب الإنباه: "إن النبي عليه السلام قال: "إن الله اصطفى كنانة من بني إسماعيل، واصطفى من كنانة قريشاً، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم".


ومن كتاب المعاقل: عن عائشة رضي الله عنها، عن النبي عليه السلام، عن جبريل قال: "فتشت مشارق الأرض ومغاربها، فلم أر بني أب أفضل من بني هاشم"؛ وهم الموصوفون بالأشراف.


وذكر صاحب الكمائم أن عبد المطلب معدود في خطباء قريش وبلغائهم. ولما وفد وفدهم على سيف بن ذي يزن يهنئونه بأخذ ثأره من الحبشة والاستيلاء على اليمن، خلا معه سيف وبشره بأن النبي صلى الله عليه من ولده، ووهب له وخلع عليه، فخرج وقومه يهنئونه بما يبصرونه عليه وفي يده؛ فقال لهم تهنئوني بما تبصرون، وأنا أهنئ نفسي بما أودعه الملك خاطري مما لم تطلعوا عليه! ولما جاء ملك الحبشة صاحب الفيل إلى هدم الكعبة خرج له عبد المطلب، فحسب أنه يكلمه في البيت، فلم يقل له في ذلك حرفاً بل سأله في إبل له أغارت الحبشة عليها، فاستقصر همته في ذلك وقال: كنت أحسب أنك تكلمني في هذا البيت الذي هو شرفكم! فقال: إن الإبل لي فكلمتك فيها، وأما البيت فله رب غيري سيمنعه منك! فرد عليه الإبل، وأصبح عبد المطلب ممسكاً بباب الكعبة وهو يقول:

 

لا غرو أن الـمـرء يم

 

نع رحله فامنع حلالك

لا يغلبن مـحـالـهـم

 

وصليبهم كيداً محالـك

وانصر على آل الصلي_ب وعابديه اليوم آلك  

وكانت قريش لعظمتها في العرب، وتوارثها حماية البيت يقال لهم: آل الله.


ومات عبد المطلب والنبي صلى الله عليه وسلم في ثمان سنين وهو الذي كان يكفله.

ذكر بني عبد المطلب

في المعارف: "ليس في الأرض هاشمي إلا من ولد عبد المطلب". وفي الشهاب، من كلام رسول الله صلى الله عليه: "من أولى رجلا من بني عبد المطلب معروفاً في الدنيا، فلم يقدر أن يكافئه، كافأته عنه يوم القيامة".


قال ابن قتيبة: "ولد لعبد المطلب عشرة بنين وست بنات". ومن كتاب ابن فارس أن كل واحد من العشرة كان يأكل جذعة.
ومن نسب ابن حزم: عبد المطلب وأبو طالب والزبير وعبد الكعبة والبيضاء - وهي أم حكيم توأمة عبد الله - وعاتكة وبرة وأروى وأميمة، أمهم جميعاً فاطمة بنت عمرو المخزومية. وحمزة والمقوم وحجل - واسمه المغيرة - وصفية، أمهم هالة الزهرية. والعباس وضرار أمهما قرية. والحارث وقثم وأبو لهب والغيداق. زاد على من عدهم غيره ثلاثة، وهم: عبد الكعبة وحجل وقثم. ويذكر منهم في تاريخ الإسلام: حمزة والعباس وصفية وأبو الزبير رضي الله عنهم.


وعمات النبي صلى الله عليه كلهن روى لهن صاحب السيرة أشعاراً، إلا أنهن نازلات عن طبقة الاختيار.


وكان [من أعمامه] في الحياة حين [بعث] النبي صلى الله عليه: أبو طالب فلم يؤمن به وكان يحبه ويكافح عنه، وأبو لهب وكان يعاديه.

عبد الله بن عبد المطلب

والد رسول الله صلى الله عليه، مات شاباً قبل أن يولد، ولم يكن له ولد غيره.


وأنشد له ابن رشيق في العمدة:

 

وأحور مخضوب البنان مـحـجـب

 

دعاني فلم أعرف إلى ما دعا وجها

بخلت بنفسي عن مقـام يشـينـهـا

 

فلست مريداً ذاك طوعا ولا كرها

الزبير بن عبد المطلب

ذكر البيهقي أنه كان من وجوه قريش المشار إليهم بالتعظيم؛ لأن ماله من شرف اتلبيت أعطى قوة في بدنه، وشجاعة في نفسه، وفصاحة في لسانه. وقد كان سيد حلف الفضول الذي عقدته قريش في دار عبد الله بن جدعان. فإن قريشاً كانت تتظالم في الحرم، فأنكر ذلك الزبير، وأبت نفسه الأبية الظلم، واستعان على ذلك مع ابن جدعان، فحلفوا على ألا يظلموا، وأن يتناصروا على الظالم.
قال: وكان محبا في النبي صلى الله عليه، ولم يلحق نبوته، وذكره عليه السلام، فقال: "كان يرحمني".
قال: ومن شعره قوله _ وينسب لعبد الله بن جعفر الطالبي الأصغر:

 

إذا كنت في حاجة مرسلا

 

فأرسل حليماً ولا توصه

وإن باب أمر عليك التوى

 

فشاور لبيباً ولا تعصـه

ولا تورد الدهر في مجلس

 

حديثاً إذا أنت لم تحصـه

ونص الحديث إلى أهلـه

 

فان الوثيقة في نـصـه

 

وذكر صاحب المعارف انه "من رجالات قريش في الجاهلية، وأنه القائل:

 

ولولا الحمس لم يلبس رجال

 

ثياب أعزة حتى يموتـوا"

 

والحمس: قريش، من الحماسة في دينهم وهي الشدة والشجاعة. وقيل: الحمس: كنانة كلها.


وأنشد له الحاتمي في حلية المحاضرة:

 

إن القبائل من قريش وغيرها

 

ليرون أنا هام هذا الأبطح

ونزالنا فضلا على نظرائنا=فضل المهار على الطريق الأوضح

وولده عبد الله بن الزبير في الصحابة.

أبو طالب عبد مناف بن عبد المطلب

ذكر الأزرقي في كتاب مكة أن أبا طالب ورث الرفادة وهي إطعام الحجاج. وأقامه في الإسلام أبو بكر ثم من بعده من ولاة الأمر.
ومن صحيح مسلم: "قال العباس لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إن أبا طالب يحوطك وينصرك، فهل نفعه ذلك؟ قال: "نعم، وجدته في غمرات النار، فأخرجته إلى ضحضاح".


ومنه: "أهون أهل النار عذاباً أبو طالب، وهو منتعل بنعلين يغلي منهما دماغه".


وفي السيرة من نصرته النبي صلى الله عليه، وأشعاره في مخاطبة قريش من أجله، ما يطول ذكره. وأحسن مدحه له عليه السلام قوله من قصيدة أنشدها صاحب السيرة:

 

وأبيض يستسقى الغمام بوجهه

 

ثمال اليتامى عصمة للأرامل

يلوذ به الهلاك من آل هاشـم

 

فهم عنده في نعمة وتواصل

كذبتم وبيت الله نقتل محـمـداً

 

ولما نقاتل دونه وننـاضـل

ولا ننتهي حتى نصرع دونـه

 

ونذهل عن أبنائنا والحـلائل

ومن المشهور أن النبي عليه السلام لما استسقى فسقي، وجاء الناس يصيحون: الغرق! الغرق! فرفع يديه وقال: "اللهم حوالينا ولا علينا"، فانجابت عن المدينة حتى صارت كالإكليل، ضحك حتى بدت نواجذه، ثم قال: "لله در أبي طالب لو كان حياً لأقررت عينه! من ينشدها قوله؟ فقام علي وقال: يا رسول الله، أردت قوله: وأبيض يستسقى الغمام بوجهه؟ قال: أجل".

وكان صلى الله عليه حريصاً على إسلامه حتى نزلت "إنك لا تهدي من أحببت". ولما احتضر حرص به أن يقول الكلمة ليموت على الإسلام، وتشهد له بها، فقال: لولا أن تعيرني قريش لأقررت بها عينك! ومن المعارف: "مات أبو طالب قبل الهجرة بثلاث سنين وأربعة أشهر"، و"كان أعرج".

وقال البيهقي: كان معدوداً في خطباء قريش. وذكر أن أبا جهل وغيره من مردة قريش قالوا له: كم تحامي عن محمد! إن كنت تعلم أن على الحق فصدقه واتبعه؛ فقال: الأنفة تمنعني أن أكون تبعاً لابن أخي، وأن أقر أن أبي كان ضالا، وكذلك أنا حتى هداني؛ والحمية تمنعني أن أسلمه إليكم. وذكر أنه كان يرى ابنه علياً يصلي، فيقول له: نعم ما تصنع! اتبع ابن عمك! وكانوا يحرضون به أن يصلي فيقول: والله لا علتني أبداً! يعني عجيزته عند السجدة.

وكان له أربعة أولاد: طالب ولا عقب له، وهو المذكور هنا لأنه لم يسلم؛ والثلاثة: عقيل وجعفر وعلي مذكورون في تاريخ الإسلام. وكان كل واحد من هؤلاء يزيد على الذي يليه عشر سنين.

طالب بن أبي طالب

من كتاب السيرة: "كان في المشركين الذين خرجوا من مكة في نصرة أهل بدر، فقالت قريش: والله لقد عرفنا يا بني هاشم، وإن خرجتم معنا، أن هواكم مع محمد، فرجع إلى مكة، وقال:

 

يا رب إما يغزون طالب

في مقنب من هذه المقانب

فليكن المغلوب غير الغالب"

 

وفقد فلم يوجد له خبر.


وأنشد له صاحب السيرة من شعر يذكر فيه تألب قريش على النبي صلى الله عليه:

 

فيا أخوينا عبـد شـمـس ونـوفـلا

 

فدى لكما لا تبعثوا بيننـا حـربـا

وما إن جنينا في قـريش عـظـيمة

 

سوى أن حمينا خير من وطئ التربا

أبو لهب عبد العزى بن عبد المطلب

من المعارف: "كان أحول. وقيل له أبو لهب لجماله، وأصابته العدسة فمات بمكة. وهو سارق غزال الكعبة وكان من ذهب".
وذكر البيهقي أنه كان من أعدى عدو لرسول الله صلى الله عليه، وهو وامرأته حمالة الحطب بنت حرب بن أمية، كانت تضع الشوك في طريق رسول الله صلى الله عليه.


وكان أبو لهب من خطباء قريش. وقال له أبو جهل: إن محمداً قد هجاك حين نزلت "تبت يدا أبو لهب وتب"، وأنت قدير على الكلام، فلم لا تهجوه؟ فقال: والله إن لساني حيث أردت إلا في جواب محمد، فاني أراه معقولا! قال: ولما كنت قضية بدر لم يخرج من المشركين فيها بل وجه بديلا عنه؛ ولما بلغه تأييد النبي صلى الله عليه حسده، ومات غماً عقب ذلك، وقبره في الثنية المشرفة على مكة في طريق حاج الشام، وبعض الناس يرجمونه.


ومن نكت الماوردي: أنه أتى رسول الله صلى الله عليه، فقال: ماذا أعطى إن آمنت بك؟ قال: كما يعطى المسلمون؛ قال: مالي عليهم فضل! قال وأي شيء تبتغي؟ قال: تباً لهذا من دين، أن أكون أنا وهؤلاء سواء! فنزلت "تبت يدا أبي لهب وتب". قال: وذكره الله بكنيته لأنها أشهر من اسمه، ولأن اسمه كان عبد العزى، وهي صنم.


قال: ولما نزلت "وأنذر عشيرتك الأقربين" صعد الرسول صلى الله عليه وسلم على الصفا، فنادى: يا صباحا فاجتمعوا فقال: أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلا تخرج من صخرة بسفح هذا الجبل تريد أن تغير عليكم، صدقتموني؟ قالوا: نعم؛ قال: فاني نذير لكم بين يدي عذاب شديد! فقال أبو لهب: تباً لك آخر الدهر ما دعوتنا إلا لهذا! فنزلت السورة.


وقيل: إنه كان إذا وفد وفد على رسول الله صلى الله عليه، انطلق إليهم أبو لهب فسألوه عنه، فيقول: إنه ساحر كذاب! فيرجعون عنه ولا يلقونه. فأتاه مرة وفد، وفعل معهم مثل هذا، فقالوا: لا ننصرف حتى نراه ونسمع كلامه؛ فقال أبو لهب: إنا من نزل نعالجه من الجنون، فبلغ الرسول صلى الله عليه ذلك، فاكتأب له، ونزلت السورة.


وفي عقب أبي لهب شرف وخير كثير في الإسلام.

ذكر عبد شمس بن عبد مناف وولده

ذكروا أنه كان توأما مع هاشم وكان الخارج أولا هاشم، فقدر الله أن يكون بين أولادهما في الجاهلية والإسلام من المقاطعة والحرب ما ملئت به السير والتواريخ.


وشرف هذا البيت دائر على العنابس والأعياص، فالعنابس من ولد عبد شمس شبهوا بالأسود لشجاعتهم. وسيدهم الذي له العقب النابه:

حرب بن أمية بن عبد شمس

كانت بيده العقاب، وهي راية قريش التي من كانت له ولي إمارة الحرب، وكان أمير قريش يوم الفجار الرابع الذي كان بين كنانة وقيس، والدائرة على قيس الذين فجروا بابتداء القتال في الأشهر الحرم. في هذا الانفجار قيد حرب ابن أمية وأخواه سفيان وأبو سفيان أنفسهم لكيلا يفروا، فسموا: العنابس.


وذكر صاحب الكمائم أن حرب بن أمية وصف له طريق منقطع بسبب الجن، وأنها تعبث فيه ببني آدم. وكان لا يبالي من لقي، فركب فرسه وقال: والله لأضربن عليهم مكانهم ناراً، وأخذ الزند وسار إلى مكانهم، وحرق ما به من الأشجار والنبات، فقتلته الجن، وقالت فيه الشعر المشهور:

 

وقبر حرب بمكان قـفـر

 

وليس دون قبر حرب قبر

 

وكان موته عظيماً على أهل مكة: خرجت نساء قريش حواسر يصحن: واحرباه! ومن ذلك اليوم صار النساء إذا ندبن أحداً قلن: واحرباه! تعظيما لأمر من يندبه، وتهويلا للمصيبة.


قال البيهقي: وهو من المعدودين في بلغاء قريش وفصائحهم: أرسل إليه عيينة بن حصن قائد غطفان يقول: إذا كنت شجاعاً فابرز إلي إذا ناديت باسمك في الحرب؛ فأجابه: إن كنت صادقاً في الشجاعة فاثبت إلي إذا برزت إليك! وقال له عبد المطلب: كم تنفس علينا وكم تفخر! فقال: إني أفخر عليكم بي وبإخوتي، وأفخر بكم على كل من وطئ الحصى! وابنه أبو سفيان ورث إمارة قريش بعده، وهو مذكور في تاريخ الإسلام. وبنته:

أم جميل بنت حرب

هي حمالة الحطب المذكورة في القرآن، وهي زوجة أبي لهب، وقد تقدم ذكرها في ترجمته.


ومن النكت للماوردي: أنها كانت تحطب، فتلقي الشوك في طريق رسول الله صلى الله عليه. فلما نزلت "تبت يدا أبي لهب" وجاء فيها "وامرأته حمالة الحطب في جيدها حبل من مسد" أقبلت تولول وبيدها فهر، وهي تقول: مذمماً قلينا وأمره عصينا ودينه أبينا والرسول صلى الله عليه وأبو بكر رضي الله عنه في المسجد، فقال: يا رسول الله، إني أخاف أن تراك؛ فقال: إنها لن تراني، وقرأ قرآنا اعتصم به، فلم تره. فقالت: أخبرت أن صاحبك هجاني، فقال: لا ورب الكعبة ما هجاك! فولت فعثرت في مرطها وهي تقول: تعس من محمد!

عقبة بن أبي معيط

ذكوان بن أبي عمرو بن أمية. ذكروا أن أبا عمرو أخا حرب من العنابس؛ وقيل: إن ذكوان ولده؛ وقيل: مولاه. وفي عقبه نباهة.
وكان عقبة أعدى عدو لرسول الله صلى الله عليه، فلما أسر يوم بدر قدمه ليضرب عنقه، فقال: أقتل من بين قريش صبرا؟ فقال عمر بن الخطاب: "حين قدح ليس منها"، وقال له رسول الله صلى الله عليه: "إنما أنت يهودي من أهل صفورية". فقال: من للصبية بعدي؟ قال رسول الله صلى الله عليه: "النار لهم بعدك"؛ ثم ضربت عنقه.


وقيل له بمكة: إن محمداً قد نصرته الأوس والخزرج، فقال: لو نصره الثقلان - الإنس والجن - ما ازددت في تكذيبه إلا بصيرة؛ وإن الرياسة علينا قعدت به من جهة الدنيا، فجاء يطلبها بالآخرة! ومن الأعياص وهم رهط عثمان بن عفان رضي الله عنه ومروان بن الحكم والأشدق:

أبو أحيحة سعيد بن العاص بن أمية

كان يقال له: سيد البطحاء، وكان إذا اعتم لا يعتم أحد على صورة عمامته إجلالا له ومزية لعظم قدره؛ ولذلك قيل:

 

أبو أحيحة من يعـتـم عـمـتـه

 

يضرب ولو كان ذا مال وذا عدد

 

وفي عقبه نباهة.


ومن بني ربيعة بن عبد شمس:

عتبة بن ربيعة

ذكر البيهقي أنه ساد في قريش. ولما كان أبو سفيان وارث الإمارة عن أبيه غائباً مع العير التي جاءت من الشام، أمرت قريش على النفير الذي نهز لنصرته عتبة، وجرى المثل "لا في العير ولا في النفير".


وقتل عتبة يوم بدر عبيدة بن الحارث بن المطلب، وكان قتله فاجعاً لقريش، وبكته ابنته هند أم معاوية ورثته، ولم تزل تبكيه حتى قتل حمزة بن عبد المطلب يوم أحد، فأكلت من كبده ثأراً بأبيها وبابنها حنظلة بن أبي سفيان.


 قال صاحب الكمائم: وكان عتبة معدوداً في فصحاء قريش. قال له أبو جهل وقد رأى منه تأخراً يوم النفير: أما لو كنت قائد النفير ما تأخرت؛ فقال: أما لو كنت ممن يقدمك ما سفهت رأيك، وإني لبصير بموضع التقدم ومكان التأخر، ولذلك قدموني.

أخوه شيبة بن ربيعة

قالوا: لم يسد رئيس وهو فقير إلا شيبة بن ربيعة؛ وقتله يوم بدر حمزة بن عبد المطلب.


قال البيهقي: وكان غير مقصر عن أخيه في البلاغة: قيل له يوم بدر والقتل يعمل في أصحابه: سقتم أنفسكم إلى النحر؛ فقال: لأن نسوقها خير من أن تساق.

بنو نوفل بن عبد المطلب

وساد في الجاهلية من بني نوفل بن عبد المطلب:

المطعم بن عدي بن نوفل

كان ممن يقدم في قريش، وساد بجوده وبيته. وذكر عنه صاحب الكمائم أنه كان نسابة، وأن ابنه جبير بن مطعم الصحابي ما أخذ علم النسب إلا منه.


وكان له حظ من البلاغة. ولما خرج النبي عليه السلام إلى الطائف لينصروه فلم يفعلوا ورجع إلى مكانه، لم يقدم أحد على إجارته غير المطعم؛ فقال له أحد بني نوفل: لا تضرم ناراً قد خمدت؛ فقال: يا بني إن خمدت والله صار بنو عبد مناف رماداً! ثم أجاره، وقال له: انظر لنفسك في الخروج من بين أظهر هؤلاء القوم؛ فإن الواحد كم يغالب الجميع؟ فنظر رسول الله صلى الله عليه في شأن الهجرة للمدينة.

بنو عبد الدار بن قصي بن كلاب

ومن بني عبد الدار بن قصي بن كلاب أعلام في الإسلام، ولهم ذكر ورياسة في الجاهلية.


قال الماوردي: إن قوله تعالى "إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون" نزلت في بني عبد الدار.


وذكر الأزرقي أن قصياً كان يحب ابنه عبد الدار، فأراد أن يبقى له ذكراً مع أخيه عبد مناف، وكان قد ذهب شرفه كل مذهب، فأعطاه من أشطار رياسة قريش الحجابة للبيت، ودار الندوة التي كانوا يجتمعون فيها للأواء واللواء. وورث مفتاح البيت منهم بنو شيبة بن عثمان بن أبي طلحة بن عبد الله بن عبد العزى بن عثمان ابن عبد الدار إلى اليوم؛ لأن النبي صلى الله عليه دفع مفتاح الكعبة يوم الفتح إلى شيبة وقال: "خذوها يا بني [أبي] طلحة خالدة مؤبدة لا يأخذها أحد منكم إلا ظالم".


والعبدريون منسوبون إلى عبد الدار. هذا ومنهم أعلام كثيرة في الإسلام، ومنهم في الجاهلية:

النضر بن الحارث بن كلدة

ابن علقمة بن عبد مناف بن عبد الدار. ذكر ابن حزم أنه كان شديد العداوة لرسول الله صلى الله عليه، فأخذ يوم بدر، فقتله صلى الله عليه بالصفراء منصرفه من بدر؛ وتولى ضرب عنقه علي بن أبي طالب رضي الله عنه.


قال البيهقي: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا شرع في أن يتلو سورة أو آية جمع النضر لنفسه جماعة، وكان قد ابتاع كتب الدجالين الذين يقرأونها على العامة في الخلق، فإذا قرأها على جماعته قال: أليس هذا أحسن مما يسمعه محمد أصحابه، فنزلت في حقه "ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله".


وذكر الماوردي في كتاب النكت أنه أنزلت في النضر بضع عشرة آية، منها: "اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك.."، ومنها: "عجل لنا قطنا قبل يوم الحساب"، ومنها: "سأل سائل..".

بنو أسد بن عبد العزى

ومن بني أسد بن عبد العزى بن قصي رهط الزبير بن العوام رضي الله عنه:

عثمان بن الحويرث بن أسد

ذكر ابن حزم أنه وفد على قيصر، وتوصل إلى أن ملكه على مكة، فأعلن ابن عمه الأسود بن المطلب بانكار ذلك وتابعته قريش، فانصرف عثمان إلى قيصر، فدست قريش إلى عمرو بن جفنة ملك عرب الشام أن يريحهم منه، فوضع له من سمه.
قال البيهقي: لما رجع إلى الشام صنع له بنو جفنه طعاماً، ووضعوا السم أمامه، فلم ينصرف إلا وقد وجد أثره وأيقن بالموت. فقال له أحد من حضره: بئس ما صنعت، لا أنت بالملك ولا أنت بروحك! فقال: هل كان لي بد من الموت؟ ولأن أموت واسمي في أسماء الملوك خير من أن يكون في أسماء أهل اللؤم والعجز والفضول! ثم قضى نحبه.


ومنهم:

الأسود بن المطلب بن أسد

كان من سادات قريش في الجاهلية وشعرائهم، وهو الذي صد ابن عمه عثمان المذكور عن ملك مكة.

وذكر صاحب السيرة أنه "كان قد أصيب له يوم بدر ثلاثة من ولده، وكان يحب أن يبكي عليهم وكانت قريش قد حرمت البكاء على قتلاها حتى تصيب بثأرها. فبينما هو كذلك إذ سمع نائحة في الليل، فقال لغلام له وقد ذهب بصره: انظر هل أحلت قريش البكاء والنحيب على قتلى بدر، لعلي أبكي على زمعة - وهو أحدهم - فإن جوفي قد احترق! فقال: إنها تبكي على بعير لها أضلته؛ فقال:

أتبكي أن يضل لها بـعـير

 

ويمنعها من النوم السهود

فلا تبكي على بكر ولكـن

 

على بدر تقاصرت الجدود

ألا قد ساد بعدهـم رجـال

 

ولولا يوم بدر لم يسودوا"

 

ومن الاستيعاب أن الأسود كان من المستهزئين الذين قال الله فيهم "إنا كفيناك المستهزئين". وذكروا أن جبريل رمى في وجهه بورقة فعمي.


ومنهم:

ورقة بن نوفل بن أسد

ذكره صاحب المعارف فيمن كان على غير دين العرب في الجاهلية؛ لأنه "رغب عما كانت تعبده من الأوثان، وطلب الدين فتنصر. وذكرت له خديجة شيئاً من أمر النبي عليه السلام، فقال: إنه ليأتيه الناموس الأكبر الذي يأتي موسى".


وذكر البيهقي أنه قال للنبي صلى الله عليه حين أخبره بما رأى: هذا الناموس الذي أنزله الله على موسى؛ يا ليتني فيها جذع! يا ليتني معك حين يخرجك قومك! فقال: أو مخرجي هم؟ قال: نعم، لم يأت رجل قط بما جئت به إلا عودي وكذب، وإن يدركني يومك أنصرك نصراً مؤزراً.


وتروى له الأبيات المذكورة في ترجمة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، أولها:

 

لا شيء مما ترى تبقى بشاشته

 

يبقى الإله ويفنى المال والولد

 

وأنشد له صاحب السيرة شعراً جيمياً يذكر فيه النبي عليه السلام. ومات قبل أن يسلم، وهو ابن عم خديجة أم المؤمنين.

تراجم بني كعب بن لؤي بن غالب الذين تقدمت عليهم الإحالة في قريش البطاح

بنو تيم بن مرة بن كعب

رهط أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وطلحة بن عبد الله. ساد منهم في الجاهلية:

عبد الله بن جدعان

ابن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم. ذكر ابن حزم أنه كان على بني تيم في يوم الفجار، ووصفه بسيد قريش.
ومن كتاب أفعل للأصفهاني أنه يضرب به المثل في الجود، فيقال: "أقرى من حاسي الذهب" لأنه كان لا يشرب الماء إلا في آنية الذهب. وكان قد أصاب كنزاً، فكثر منه بذله ونفقته، وهو أول من أظهر الرفاهية. وفيه يقول أمية بن أبي الصلت الثقفي، وكان مداحاً له:

 

له داع بمكة مشـمـعـل

 

وآخر فوق دارته ينـادي

إلى ردح من الشيزى عليها

 

لباب البر يلبك بالشهـاد

 

وكان يقال: لو بقي أحد لسخاء لبقي ابن جدعان.


وفي الحديث: أن عائشة رضي الله عنها قالت: يا رسول الله، ابن جدعان كان في الجاهلية يصل الرحم، ويطعم المساكين، فهل ذلك نافعة؟ فقال: "لا تنفعه لأنه لم يقل يوماً: رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين".


ومن كتاب حلى العلا لابن جبر القيرواني: أن الجن نعته قبل أن يعلم بموته في أرض بعيدة بشعر أوله:

 

ألا هلك السيال غيث بني فـهـر

 

وذو الباع والعز القديم وذو الفخر

 

ومن كتاب قطب السرور للرقيق: كان ابن جدعان مغرى بالمنادمة، ومن قوله:

 

شربت الخمر حتى قال صحبي

 

أليس من الغواية بالمفـيق؟

وحتى ما أوسـد فـي مـنـام

 

أنام به سوى الثوب السحـيق

وحتى أغلق الحانوت رهنـي

 

وأنكرت العدو من الصـديق

 

ثم إن قريشاً اجتمعت في حمالات سئلتها، فقال بعضهم: لو بعثتم لابن جدعان، فقيل: ذلك رجل مشغول بشرابه! ثم بعثوا له، فقال لأصغر ولده: لا حق أوجب من حق الكأس، فاخرج لعمومتك فاحمل عني مثل ما يحمل الجميع، ففعل؛ وقال القوم: نعم العون على الحروب المال!

بنو مخزوم بن يقظة بن مرة بن كعب

يقال لهم: ريحانة قريش؛ وهم رهط خالد بن الوليد سيف الله في الأرض.

الوليد بن المغيرة

ابن عبد الله بن عمرو بن مخزوم. من الكمائم: كان قد ساد في قريش ببيته وماله. وهو سيد بني مخزوم في الجاهلية، وولدها خالد سيدها في الإسلام. والوليد أحد الرجلين في قوله تعالى حكاية عن قريش "لولا [نزل] هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم".
وكان عند قريش بليغا فصيحا، وأراد معارضة القرآن، فأتى بالهذيان.

 ومن النكت للماوردي أنه الذي فكر وقدر، ثم قال: إن هذا إلا سحر يؤثر، إن هذا إلا قول البشر.

وقال ابن عباس: نزلت في الوليد بن المغيرة مائة وأربع آيات، منها: "لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ثم رددناه أسفل سافلين"؛ ومنها: (حلاف مهين". وعرض على الرسول مالا، وحلف أن يعطيه إياه على أن يرجع عن دينه. وفيه نزلت "ويل لكل همزة لمزة" (السورة). وكان له زنمة كزنمة الشاة أسفل أذنه. وفيه نزلت "ذرني ومن خلقت وحيدا وجعلت له مالا ممدوداً وبنين شهوداً ومهدت له تمهيداً" مهد له المال والولد والرياسة في قومه، ولم يزل يرى النقص في ماله وولده، وكان له اثنا عشر ولداً.

وفيه، وفي العاص بن وائل، والأسود بن المطلب، وأمية بن خلف نزلت "قل يا أيها الكافرون" (السورة): لقوا رسول الله صلى الله عليه، فقالوا: يا محمد، هلم فلنعبد ما تعبد، وتعبد ما نعبد، ونشترك نحن وأنت في أمرنا كله، فإن كان الذي جئت به خيراً مما في أيدينا شركناك فيه وأخذنا بحظنا منه، وإن كان الذي بأيدينا خيراً مما بيدك كنت قد شاركتنا في أمرنا وأخذت بحظك منه.

ابنه عمارة بن الوليد

هو من شعراء الأغاني، ومن القوم الذين قيل فيهم: أزواد [الركب]؛ لأنهم كانوا إذا سافروا مع أحد لم يحوجوه إلى زاد.
وأنشد له صاحب قطب السرور:

 

نديمي قد خف الشـراب ولـم أجـد

 

له سورة في عـظـم رأس ولا يد

نديمي هذا عـيهـم فـاشـربـا بـه

 

فلا خير في شرب الشراب المصرد

 

وعيهم: جمل له.


وشرب مع مسافر بن أبي عمرو بن أمية، فقال للقينة غني:

 

خلق البيض الحسان لـنـا

 

وجياد الخيل والـحـبـر

كابراً كـنـا أحـق بـهـا

 

حين صيغ الشمس والقمر

 

فقال مسافر: غني:

 

هل أخو كأس موقرها

 

وموق صحبه سكره

ومحييهم إذا شـربـوا

 

ومقل فيهم هـذره

خلق البيض الحسان لنا

 

وجياد الخيل والحبره

كابراً كنا أحق بـهـا

 

كل شيء تابع أثره

 

قال الرقيق: وكان فاتكاً غزلا معجبا بالنساء.


وسافر مع عمرو بن العاص في البحر إلى النجاشي، فراود زوج عمرو، ودفعه يوماً عن السفينة في البحر فنجا عمرو بسباحته. واضطغن له ذلك إلى أن أعلمه عمارة بقلة عقله أن زوج النجاشي ملك الحبشة قد علقت به، وأنه يدخل عليها؛ فقال: إن كنت صادقاً فقل لها تدهنك من دهن النجاشس! ففعل ذلك، وأعطته قارورة، فجاء بها إلى عمرو وأعطاه منها. فأعلم عمرو النجاشي وأراه الدهن. فدعا بالسواحر، فنفخن في إحليله، فهام وصار في عداد الوحش.


وفي ذلك يقول عمرو:

 

إذا كنت ذا بردين أحوى مرجـلا

 

فلست براع لابن عمك محرما

إذا المرء لم يترك طعاماً يحبـه

 

ولم ينه قلباً غاوياً حيث يمـمـا

قضى وطراً منه يسيراً وأصبحت

 

إذا ذكرت أفعاله تملأ الفـمـا

أبو جهل عمرو بن هشام بن المغيرة المخزومي

كان يكنى أبا الحكم، وقال فيه حسان بن ثابت:

الناس كنوه أبا حكم

 

والله كناه أبا جهل

وذكر ابن حزم أن أباه هشاماً كان على بني مخزوم يوم الفجار، وأرخت قريش من موت هشام لعظمته عندهم.
قال: وكان أبو جهل ذا عارضة في قريش، وكان رسول الله صلى الله عليه يقول: "اللهم أيد الإسلام بعمر أو بأبي جهل". وكان أعدى عدو لرسول الله صلى الله عليه.

وقتل يوم بدر؛ وقيل: قتلته الملائكة.

وقد ذكر الماوردي أنه نزل في أبي جهل أربع وثمانون آية. ولما مات القاسم ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أبو جهل: بتر محمد، فليس له من يقوم بأمره من بعده؛ فنزلت "إن شانئك هو الأبتر".

وقال الماوردي: إنه لما تآمرت قريش في شأن الرسول صلى الله عليه في دار الندوة، فقال قائل: قيدوه واحبسوه في حيث يتربص به ريب المنون؛ وقال أبو البختري: أخرجوه منكم مطروداً؛ فقال أبو جهل: ما هذا برأي، ولكن ليجتمع عليه من كل قبيلة رجل، فيضربونه ضربة رجل واحد، فيرضى حينئذ بنو هاشم بالدية! فنزلت "وإذ يمكر بك الذين كفروا" (الآية)، فخرج عليه السلام إلى الغار.

وقال الماوردي: في أبي جهل وأتباعه: "فويل للقاسية قلوبهم"؛ وفيه نزلت: "كلا إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى"؛ وفيه نزلت: "أرأيت الذي ينهى عبداً إذا صلى": حلف إن رأى رسول الله صلى الله عليه ليطان رقبته، وليعفرن وجهه؛ فجاءه وهو يصلي ليطأ رقبته، فأراه الله بينه وبينه خندقاً من نار وهواء وأجنحة، فنكص. وقال صلى الله عليه: "لودنا مني لاختطفته الملائكة عضواً عضواً".

قال الأصفهاني في كتاب الأمثال: وأما قولهم: "أخنث من مصفر استه" فهو مثل من أمثال الأنصار كانوا يكيدون به المهاجرين من بني مخزوم، وكانوا يعنون بذلك أبا جهل، وقد كان يردع أليتيه بالزعفران لبرص كان هنالك، فادعت الأنصار إنما كان يطليها بالزعفران تطييبا لمن يعلوه لأنه كان مستوها. ولذلك قال فيه عتبة بن ربيعة: سيعلم مصفر استه أينا انتفخ سحره".

قال البيهقي: والأبيات التي أنشدها الأصفهاني للرجل القرشي الذي لم يحب ذكره تروى لأبي جهل، وهي:

يا جواري الحي عدننيه

 

أخواتي لا تلمنـنـيه

كيف التذ الحياة وقـد

 

حجبوا عني معللـيه

ثم يلحوني على رجل

 

لو سقاني سم ساعتيه

لم أقل: إني مللت ولا

 

إن من أهواه ملنـيه

 

وقيل: إنه كان إذا هاج عليه ذلك الداء عمد إلى حجارة الرمضاء، فكوى بها دبره وقال: والله لا علاك ذكر! وكان أحول.

هبيرة بن أبي وهب

ابن عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم. ذكر ابن حزم أنه فر من الإسلام، فمات بنجران. وكانت تحته أم هانئ بنت أبي طالب، ومنها ولده جعدة بن هبيرة ولاه علي خراسان.


ومن السيرة النبوية أن هبيرة مات كافراً، وقال لما بلغه إسلام زوجه المذكورة:

 

وتزعم أني إن أطعت عشيرتـي

 

سأردى وما يرديك إلا زيالـهـا

وإني لحام من وراء عشـيرتـي

 

إذا كان في تحت العوالي مجالها

وإن كلام المرء في غير كنـهـه

 

لكالنبل ترمى ليس فيها نصالهـا

فان كنت قد تابعت دين محـمـد

 

وقطعت الأرحام منك حبالـهـا

فكوني على أعلى سحيق بهضـبة

 

ململمة غبراء يبس بـلالـهـا

بنو عدي بن كعب

رهط عمر بن الخطاب وسعيد بن زيد رضي الله عنهما.

زيد بن عمرو بن نفيل بن عبد العزى

ابن رياح بن عبد الله بن قرك بن رزاح بن عدي. من المعارف: "كان قد رغب عن عبادة الأوثان وطلب الدين، فقتلته النصارى بالشام".
وكان رسول الله صلى الله عليه قد حبب له الانفراد، فكان يخلو في شعاب مكة. قال: "فرأيت زيد بن عمرو في بعض الشعاب، فجلست إليه، وقربت له طعاماً في لحم، فقال: يا ابن أخي لا آكل من هذه الذبائح".


وقال في تجنب عبادة الأصنام:

 

فلا عزى أدين ولا ابنتـيهـا

 

ولا صنمي بني عمرو أزور

أربـاً واحـداً أم ألـف رب

 

أدين إذا تقسمـت الأمـور

 

ومن الاستيعاب: "قال سعيد بن زيد لرسول الله صلى الله عليه: إن زيداً كان كما رأيت وبلغك، أفأستغفر له؟ قال: نعم، استغفر له فإنه يبعث أمة وحده".

بنو جمح بن عمرو بن هصيص بن كعب

أمية بن خلف بن حذاقة بن جمح

سيد بني جمح في الجاهلية، وكان من أعداء رسول الله صلى الله عليه، وكان يعذب بلالا ليرده عن الإسلام أشد العذاب، فقتله بلال يوم بدر، وهنأه أبو بكر رضي الله عنه بقوله:

 

هنيئاً زادك الرحمن خيراً

 

فقد أدركت ثأرك يا بلال

 

وذكر ابن حزم أنه "كان يعرف بالغطريف".


قال الماوردي: وأمية بن خلف من القوم الذين نزلت فيهم "قل يا أيها الكافرون".


وقال البيهقي: إنه قال: لئن بقيت أنا وأخي لمحمد لنصيرن عزه ذلا، ووجوده عبرة! فقدر الله أن قتل هو يوم بدر، وقتل النبي صلى الله عليه أخاه أبي بن خلف يوم أحد.

أبو عزة عمرو بن عبد الله

ابن أهيب بن حذافة بن جمح. من شعراء المشركين المشهورين.

ذكر العسكري في الأمثال النبوية أنه كان يهجو رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويحرض الكفار عليه، فأخذ أسيراً يوم بدر، فسأل النبي صلى الله عليه أن يمن عليه، فأطلقه. ثم حضر أحداً مع كفار قريش، وكان يحرض أيضاً على النبي صلى الله عليه، فأخذ أسيراً فأعاد السؤال، فقال صلى الله عليه : "كلا لا تتحدث بالأبطح، وتفتل سبالك، وتقول: خدعت محمداً مرتين"؛ وقال: "لا يلسع المؤمن من حجر مرتين". وأمر به فضربت عنقه.

وذكر البيهقي أن أهل مكة قالوا له حين عاد: كيف أفلت من محمد؟ قال: خدعته باللسان الذي هجوته!

بنو سهم بن عمرو بن هصيص

رهط عمرو بن العاص داهية قريش.

قيس بن عدي بن سعد بن سهم

من الكمائم أنه كان سيد بني سهم في الجاهلية. ولما احتضر قيل له: ما تورث ابنك عبد الله؟ قال: السودد ووراثة الأشراف والمال ووراثة العوام. واتفق أن ساد بعده ابنه عبد الله، وزاد على أبيه. وهو كان على بني سهم يوم الفجار.

بنو زهرة بن كلاب بن مرة بن كعب

رهط عبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص رضي الله عنهما.

الأسود بن عبد يغوث

ابن وهب بن عبد مناف بن زهرة. وهو ابن أخي آمنة بنت وهب أم النبي صلى الله عليه.


وذكر البيهقي أنه كان شديد العداوة لرسول الله صلى الله عليه، وقيل له: أنت أولى الناس بإتباع محمد ونصرته؛ فقال: والله ما فعلت ذلك وما كان بين جنبي قلب! بينا نقول: ابن أختنا، نصير إلى أن نقول: رسول الله، ما على هذا صبر! قال ابن حزم: كان الأسود من المستهزئين، وقتله جبريل عليه السلام بمكة.

سوداء بنت زهرة الكاهنة

من الروض الأنف: "لما ولدت رآها أبوها زرقاء شيماء، فأمر بوأدها - وكانوا يئدون من البنات من كانت على هذه الصفة - فأرسلها إلى الحجون لتدفن هنالك. فلما حفر لها الحافر، وأراد دفنها سمع هاتفاً يقول: لا تئد الصبية! وخلها في البرية! فالتفت فلم ير شيئاً؛ فعاد، فهاد الهاتف. فرجع إلى أبيها وأخبره فقال: إن لها شأناً! وتركها، فكانت كاهنة قريش.


وهي التي قالت يوماً لبني زهرة: إن فيكم نذيرة أو من تلد نذيرا، فاعرضوا علي نساءكم! فعرضوا عليها، فقالت في كل واحدة منهن قولا ظهر بعد حين؛ ثم عرضت عليها آمنة بنت وهب، فقالت: هذه النذيرة أو ستلدين نذيراً"؛ فولدت رسول الله صلى الله عليه.

بنو عامر بن لؤي بن غالب

ومن بني عامر بن لؤي بن غالب من قريش البطاح:

عمرو بن عبد ود

ابن أبي قيس بن عبد ود بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر، فارس قريش الذي قتله علي رضي الله عنه يوم الخندق، ولا عقب له.
وفيه قيل:

 

عمرو بن ود كان أول فـارس

 

جزع المذاد وكان فارس أليل

 

وقالت أخته ترثيه، وأنشد ذلك صاحب زهر الآداب:

 

لو كان قاتل عمرو فيه قاتـلـه

 

لقد بكيت علـيه آخـر الأبـد

لكن قاتلـه مـن لا يعـاب بـه

 

وكان يدعى قديماً بيضة البلـد

من هاشم في ذراها وهي صاعدة

 

إلى السماء تميت الناس بالحسد

قوم أبى الله إلا أن تكون لـهـم

 

مكارم الدين والدنيا بـلا أمـد

قريش الظواهر

وأما قريش الظواهر فإنهم كانوا بادية لقريش البطاح، وكانت منازلهم في ظواهر مكة.


قال البيهقي: وظواهر المدينة ما كان منها على أقل من مرحلة. وكان من منازل قريش الظواهر: نعمان بين مكة والطائف، وحنين، والجعرانة.


قال: ولما جاء الإسلام انتقل من أراد من قريش إلى مكة وغيرها من البلاد، وبطل ذلك الحكم الذي كان في الجاهلية.
قال ابن حزم: وقريش الظواهر هم: بنو معيص بن عامر بن لؤي بن غالب بن فهر، وبنو الأدرم بن غالب، وبنو محارب بن فهر، وبنو الحارث بن فهر؛ حاشا من ذكرتهم في قريش البطاح.

بنو معيص وبنو محارب

قال ابن حزم: فأما بنو معيص وبنو محارب فكان يقال لهم الأحربان من أهل تهامة لشدة طبعهما. ولبني محارب نباهة، وأنبههما في الجاهلية:

الخطاب بن مرداس

ابن كبير بن عمرو بن حبيب بن عمرو بن شيبان بن محارب. ذكر ابن حزم أنه كان رئيس بني محارب يوم الفجار، وكان يأخذ المرباع كما تأخذه الملوك.


وولده ضرار بن الخطاب شاعر قريش وفارسها، ولكنه أسلم فيذكر هنالك.

بنو الأدرم

 قال ابن قتيبة: "وأما بنو الأدرم فهم [من] أعراب قريش، وليس منهم بمكة أحد، وفيهم يقول الشاعر:

إن بني الأدرم ليسوا من أحد

[ليسوا إلى قيس وليسوا من أسد]

ولا توفاهم قرسش في العدد"

 

وذكر ابن حزم أن منهم هلال بن خطل الشاعر.


هلال بن خطل قال البيهقي: كان قد أشقاه الله تعالى، فحبب له إبليس بغض النبي صلى الله عليه، وكان له قينتان قد حفظهما هجوه، فإذا شرب مع ندمائه أمرهما أن يغنيا بذلك، ويقول: لا أجد لذة فوق التلذذ بهجاء ابن [أبي] كبشة فعل الله به وصنع. فأمر النبي صلى الله عليه أن يقتل يوم فتح مكة ولو وجد متعلقاً بأستار الكعبة، فقتل في ذلك اليوم وهو متعلق بها.


قال: وهو القائل:

 

وإنما أعجب من معـشـر

 

قد أهلكوا الأنفي في واحد

ففرقة تحسـبـه صـادقـاً

 

وفرقة تدعوه بالجـاحـد

تاريخ السائة من بني كنانة

وهم البطون الذين كانوا في ضواحي مكة. قال البيهقي: ومن منازلهم في طريق مكة شامة وطفيل: جبلان ذكرهما بلال في قوله:

 

وهل أردن يوماً مياه مـجـنة؟

 

وهل يبدون لي شامة وطفيل؟

 

قال: ومجنة آبار لكنانة بالقرب منهما، وكان بها سوق للعرب. وذكر ياقوت أن "مجنة كانت منزلا للدئل من كنانة".


قال البيهقي: ومن منازل كنانة في طريق الطائف معدن البرم التي تحمل إلى الآفاق، وفي طريق العراق وادي نخلة: وفيه قرى ومزارع، بينه وبين عرفات مرحلة. ولهم فيما بين الحرمين: الأبواء وهو جبل، وودان وكان يختص بها منهم بنو ضمرة، والفرع وواديه يصب في ودان.
وقد دثرت كنانة من تلك الجهات، وبها الآن العلويون، وبنو حرب من زبيد من اليمن.

بنو مالك بن كنانة

قال ابن حزم: يقال لهم: الحي الممنوع، ومنهم بنو فراس. ذكر صاحب العقد أنهم "أشجع بيت في العرب، وفيهم قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه لأهل الكوفة: لوددت أن لي بمائة منكم عشرة من بني فراس".

جذل الطعان الفراسي

عمرو بن قيس، شاعر فارس جاهلي، عرف بجذل الطعان لثباته للرماح مثل الجذل. وأنشد له صاحب الكمائم:

 

لقد علمت قريش أن قـومـي

 

كرام الناس إن ذكروا الكراما

وكنا الناسئين عـلـى مـعـد

 

شهور الحل نجعلها حرامـا

 

قال هذا لأن بني فقيم من بني مالك بن كنانة كانوا النسأة الذين ذكر الله شأنهم في قوله تعالى "إنما النسيء زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا يحلونه عاماً ويحرمونه عاماً". كان القلمس سيد بني فقيم يقف وينادي: أنا الذي لا يرد لي قول، ولا يعصى لي أمر، وقد حللت شهر كذا من الأشهر الحرم، وحرمت كذا من أشهر الحلال! فتتبعه على ذكر ذلك سائر العرب، ويكون ذلك في موسم الحاج.
قال ابن حزم: القلمس سيدهم، وابن خمسة سادة في نسق نسأوا الشهور.

ريطة بنت جذل الطعان

من واجب الأدب: يقال إنها الظعينة التي حماها ربيعة بن مكدم، وكان الذي أغار عليها دريد بن الصمة. واتفق أن دريدا أسرته بنو كنانة، فوقعت عينها عليه، فقالت:

 

سنجزي دريداً عن ربيعة فـعـلة

 

وكل سيجزى بالذي كان قدمـا

سنجزيه نعمى لم تكن بصغـيرة

 

بإعطائه الرمح الطويل المقوما

فقد أدركت كفاه فـينـا جـزاءه

 

وأهل بأن يجزى الذي كان أنعما

 

فأطلقوه ولحق بقومه، فلم يزل كافاً عن غزوهم.

ربيعة بن مكدم بن جذل الطعان

من الأغاني: المعروف في الجاهلية بحامي الظعائن، "أحد فرسان مضر المعدودين وشجعانهم. قتله نبيشة بن حبيب السلمي يوم الكديد"، لقيه مع ظعن من قومه فحماهن، فرماه نبيشة، فقال للظعائن: أوصعن ركابكن حتى تنتهين إلى البيوت، فاني [ميت] لما بي، وسوف أبقى دونكن لهم على العقبة، واعتمد على رمي، فلن يقدموا عليكن ما أقمت مكاني؛ فأوضعن ونجون. وكانت القضية على ما قدره، ولم يتجاسر أحد أن يقربه وهو معتمد على رمحه وقد مات. ولا يعلم قتيل حمى ظعائن قبله، وكان يومئذ غلاما. ولم يقدم عليه القوم إلى أن قال نبيشة: إنه مائل العنق، وما أظنه إلا قد مات! فرمى فرسه فقمصت، فوقع عنها ميتاً.

وقد قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه لعمرو بن معدي كرب: أخبرني عن أشجع الناس؛ فقال: ربيعة بن مكدم، وكان قد طارده، فطرده ربيعة، وأسره وجز ناصيته، وقال له: إني أنفس بمثلك عن القتل لما رأى من شجاعته وفروسيته.

وقد ذكر قضيته في حماية الظعائن الأصفهاني في كتاب أفعل؛ وفيها طول، وتلخيصها أنه قتل كل من تعرض له من الفرسان في شأن الظعائن من أصحاب دريد بن الصمة إلى أن انكسر رمحه، ولحقه دريد وقد دنا من حيه، ووجد أصحابه قد قتلوا، فقال: أيها الفارس، إن مثلك لا يقتل، ولا أدري معك رمحاً والخيل ثائرة بأصحابها، فدونك هذا الرمح، فاني منصرف إلى أصحابي فمثبطهم عنك! فانصرف دريد، وقال لأصحابه: إن فارس الظعائن قد حماها، وقتل أصحابكم، وانتزع رمحي، ولا مطمع لكم فيه فانصرفوا! وقال دريد:

ما إن رأيت ولا سمعت بمثـلـه

 

حامي الظعائن فارساً لم يقتـل

أردى فوارس لم يكونوا نـهـزة

 

ثم استمر كأنـه لـم يفـعـل

متهلل تنـدى أسـرة وجـهـه

 

مثل الحسام جلته كف الصيقل

يزجى ظعائنه ويسـحـب ذيلـه

 

متوجها يمناه نحو الـمـنـزل

وترى الفوارس من مخافة رمحه

 

مثل البغاث خشين وقع الأجدل

 

وقال ربيعة بن مكدم:

 

إن كان ينفعك اليقين فسـائلـي

 

عني الظعـائن يوم الأخـرم

إذ هي لأول من أتاها نـهـزة

 

لولا طعان ربيعة بن مـكـدم

إذ قال لي أدنى الفوارس مـيتة

 

خل الظعائن طائعاً لا تـنـدم

فهتكت بالرمح الطويل إهابـه

 

فهوى صريعاً لليدين وللـفـم

ومنحت آخر بـعـده جـياشة

 

نجلاء مثغرة كشدق الأضجم

ولقد شفعتهما بـآخـر ثـالـث

 

وأبى الفرار لي الغداة تكرمي

 

قال البيهقي: والأخرم: جبل مشهور في بلاد كنانة. وقال ياقوت: "الأخرم: عدة مواضع، منها جبل في ديار بني سليم".


 

[شارك في المنتدى]

[الصفحة الرئيسية]